توفي رفعت الأسد، عم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، اليوم الأربعاء، عن عمر ناهز 88 عامًا، وفق مصادر عائلية لوكالة الأنباء الفرنسية.
وكان رفعت من المقربين لنظام شقيقه حافظ الأسد في سنوات حكمه الأولى، وتولى مناصب رسمية بينها منصب نائب الرئيس، وقاد "سرايا الدفاع" المكلفة بحماية النظام، غير أن الوفاق بين الشقيقين لم يدم طويلًا، إذ حاول رفعت الانقلاب على حافظ الأسد عام 1984، قبل أن يفشل التحرك ويغادر إلى المنفى في فرنسا، وخلال سنوات إقامته الطويلة بالخارج وجّه انتقادات للنظام السوري، ومع اندلاع الاحتجاجات ضد بشار الأسد طالبه بالتنحي.
• المليون قتيل.. كيف نفذ رفعت الأسد مجزرة حماة؟
ونقلت وثائق لنائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام، نشرتها مجلة "المجلة" السعودية، تفاصيل عن صراع داخل مؤتمر لحزب البعث، قال فيها إن رفعت الأسد حاول "توظيف" ملف الصدام مع جماعة الإخوان المسلمين لجلب تأييد أعضاء المؤتمر، بينما تبنى الطرف الآخر التركيز على "الحملة على الفساد" داخل الدولة و"نهب موارد البلاد" تحت حماية مراكز قوى، مضيفًا أن "المقصود كان العقيد رفعت الأسد".
وأشار خدام، إلى أنه تحدث خلال المؤتمر لأكثر من ثلاث ساعات، مستعرضًا "ثغرات كبرى في النظام" و"الهروب من المسئولية"، وتطرق إلى ما وصفه بملف "الضوء الأخضر والأحمر" المنسوب إلى رئيس الجمهورية، فضلًا عن الأزمة الاقتصادية وغياب المشروع الاقتصادي، إلى جانب "تدخلات غير مشروعة من بعض المواقع".
وبحسب الوثائق ذاتها، قال رفعت الأسد في مؤتمر "البعث"، إن الوقت قد حان لـ"الرد بقوة"، ودعا إلى تقديم "الولاء المطلق"، ونُقل عنه قوله: "ضحّى ستالين بعشرة ملايين شخص للحفاظ على الثورة البلشفية، وعلى سوريا أن تفعل الشيء نفسه أيضا للحفاظ على الثورة البعثية".
وهدد بـ"خوض مائة حرب، وهدم مليون حصن، والتضحية بمليون قتيل"؛ حفاظًا على النظام، في سياق مرحلة شهدت تصاعدًا في قمع الانتفاضة بين عامي 1979 و1982، وصولًا إلى ذروتها بقصف حماة في فبراير 1982.
• بداية صراع الأسدين
وفي أحد الأيام، طلب ضابط من "سرايا الدفاع" مقابلة الرئيس حافظ الأسد، قائلا إن لديه أمورا مهمة يريد عرضها عليه.
وبحسب الرواية، استقبله الرئيس، فأبلغه بوجود مخطط يعمل العقيد رفعت الأسد على تنفيذه، يقوم على "سلخ الساحل" وأجزاء من محافظات حمص وحماة وإدلب، وإقامة دولة تحت سيطرته، وتشير الرواية إلى أن ذلك أثار غضب حافظ الأسد ودفعه إلى اتخاذ قرار بإنهاء الأزمة مع شقيقه رفعت.
وبحسب خدام، فعندما اشتد مرض الرئيس حافظ الأسد في نوفمبر 1983، استدعى قائد الحرس الجمهوري عدنان مخلوف نائب الرئيس عبد الحليم خدام إلى المستشفى، حيث أطلعه حافظ على مستجدات وضعه الصحي.
وبحسب الرواية، تزامن ذلك مع تصاعد التوتر بسبب تحركات رفعت الأسد التي وُصفت بالجريئة، إذ أرسل كتائب من قواته "سرايا الدفاع" إلى شوارع دمشق في استعراض للقوة، في خطوة بدت كأنها إعلان عن استعداده لتولي السلطة خلفا لأخيه.
وفي أوائل مارس 1984، دعا الرئيس حافظ الأسد، عبد الحليم خدام لزيارته في منزله.
وبعد حديث قصير، قال له: "قررت تعيينك نائبا لرئيس الجمهورية، وتعيين رفعت الأسد وزهير مشارقة نائبين لي، وستكون مسؤولا عن قطاع السياسة الخارجية.. وأخذت هذا القرار لإنهاء مشكلة رفعت وإخراجه من الجيش".
وبحسب رواية عبد الحليم خدام، لم يكن رفعت في موقع "النائب الأول"، وهي خطوة اعتُبرت موجهة لتقليص نفوذه داخل الدولة، الأمر الذي أثار غضبه ودفع الأزمة إلى مزيد من التصعيد، حسب وثائق خاصة لعبد الحليم خدام نشرتها مجلة "المجلة" السعودية.
وفي 30 مارس 1984، ردّ رفعت الأسد على خطوة داخل الدولة اعتبرها تستهدف تقليص نفوذه، فأمر جنوده بدخول دمشق بتعليمات واضحة "بالاستيلاء على السلطة"، وتمركزت قواته في نقاط استراتيجية داخل العاصمة ومحيطها، وهي مواقع يسهل منها قصف المدينة.
وبحسب الرواية، واجهت قوات رفعت، أنصارًا موالين للرئيس، من بينهم علي حيدر قائد القوات الخاصة، وعدنان مخلوف قائد الحرس الجمهوري، وهي قوة تشكلت في الأصل لتقليص نفوذ رفعت.
• الخروج الآمن
وفي رواية، ارتدى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بزيه العسكري، وتوجه برفقة نجله الأكبر باسل، الذي سيصبح لاحقًا اليد اليمنى لوالده حتى وفاته في حادث سيارة مطلع عام 1994، إلى مقر قيادة رفعت الأسد في منطقة المزة بدمشق.
وفي نص مكتوب بعنوان "ثلاثة أشهر هزت سوريا"، يروي مصطفى طلاس، أن العميد عدنان مخلوف اتصل به وأبلغه بأن الرئيس توجه بمفرده إلى مقر شقيقه رفعت، وأنه أصدر له قبل المغادرة تعليمات مفادها: "إذا لم أعد بعد ساعة، قل للعماد طلاس أن ينفذ الخطة بمواجهة قوات رفعت".
وبحسب رواية عبد الحليم خدام، واجه حافظ الأسد، شقيقه قائلًا: "هل تريد إسقاط النظام؟ ها أنا ذا؛ أنا النظام"، قبل أن يعرض عليه مخرجًا يتمثل في الخروج الآمن إلى منفى يختاره.
• في زمن بشار
وكان رفعت الأسد، قد حاول العودة إلى المشهد السياسي أكثر من مرة خلال سنوات ابتعاده.
فعقب وفاة حافظ الأسد عام 2000، اعترض على انتقال السلطة إلى بشار، وأعلن نفسه "الوريث الشرعي"، في تحدٍ انتهى دون تأثير ملموس على مسار الحكم. كما عاد للتدخل من الخارج عام 2011، مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا، داعيًا ابن شقيقه إلى التنحي مبكرًا لتفادي انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، لكنه في الوقت نفسه خفّف من توجيه اللوم المباشر لبشار، معتبرًا أن ما جرى جاء نتيجة تراكم أخطاء سياسية واقتصادية على مدى سنوات، وفقًا لما نشرته صحيفة "إندبندنت".
وبحسب يورو نيوز، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في المنفى بأوروبا، عاد رفعت الأسد إلى سوريا عام 2021، في ظل حكم ابن شقيقه بشار الأسد.
ووفق مصادر قريبة من العائلة، قيل وقتها إن بشار الأسد قرر السماح لعمّه بالعودة، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لاحتواء الخلافات العائلية القديمة، أو للاستفادة من خبرته العسكرية والسياسية في تعزيز الاستقرار الداخلي بعد سنوات طويلة من الصراع المسلح والانقسامات داخل بنية النظام.