استشاري أمراض جلدية: مرض جدري الماء ينتشر سريعا في غزة بفعل الاكتظاظ وتعذر عزل المصابين
نستقبل يوميا عشرات الحالات المصابة بجدري الماء في مختلف المراكز الصحية بقطاع غزة
الفيروس لا يزال في انتشار متزايد وتخوفات من تفشٍ أوسع له في ظل انهيار القطاع الصحي
لم يعد الطفح الجلدي والحكة الشديدة وارتفاع الحرارة أعراضا فردية داخل مخيمات النزوح في قطاع غزة، بل باتت مشهدا يوميا يتكرر بين آلاف النازحين، خاصة الأطفال، مع التفشي السريع لفيروس جدري الماء في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة العامة جراء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
ففي الخيام المتلاصقة، حيث يعيش قرابة 2 مليون نازح هجرتهم الحرب الإسرائيلية، وسط حرارة الصيف المرتفعة وشح المياه النظيفة وتراكم النفايات، ينتشر الفيروس "كالنار في الهشيم".
هذا الانتشار يأتي في ظل استحالة عزل المصابين، وتزامنا مع نقص الأدوية واللقاحات اللازمة للوقاية، ومع تدهور المنظومة الصحية بفعل حرب الإبادة الجماعية التي بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023.
وكانت "مجموعة الصحة" التي تقودها منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في 7 يوليو الجاري، تسجيل نحو 9300 إصابة بجدري الماء خلال أسبوعين فقط داخل قطاع غزة، تم الإبلاغ عنها عبر أكثر من 130 منشأة صحية.
وأرجعت المجموعة، في بيان نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، الارتفاع الحاد إلى الاكتظاظ الشديد داخل مواقع النزوح، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، إلى جانب تأثير ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
وأوضحت أن أكثر من نصف الحالات في محافظة خان يونس جنوبي القطاع، والتي تضم في جزئها الغربي منطقة "المواصي" المكتظة بالنازحين والتي تنعدم فيها مقومات الحياة.
ويضم قطاع غزة، وفق المجموعة، نحو 1600 موقع لإيواء النازحين، حيث جرى الإبلاغ عن انتشار واسع للقوارض والطفيليات الخارجية في 83 بالمئة من مواقع النزوح.
إصابة مع الولادة
داخل إحدى خيام النزوح في خان يونس، تستعيد الفلسطينية فاطمة أبو شاب (22 عاما) الأيام الأولى بعد ولادة طفلتها، والتي سرعان ما تحولت إلى معاناة مضاعفة.
وتقول من داخل خيمتها للأناضول: "نعيش في ظل شح شديد في المياه، ومع حرارة الصيف والقوارض والحشرات التي تهاجمنا يوميا، أصبتُ بجدري الماء بعد أو وضعت طفلتي التي لم يتجاوز عمرها أسبوعا".
وتضيف أن العدوى لم تتوقف عندها، بل انتقلت إلى رضيعتها، كما أصابت ابنتها الثانية وذلك بعد عودتها من المستشفى إلى خيمة النزوح.
وتصف ما تعيشه أسرتها قائلة: "المرض يسبب حكة شديدة نتيجة البثور والطفح الجلدي في مختلف أنحاء الجسم، وهذا مؤذ جدا، خصوصا لطفلتي الرضيعة التي لا تتوقف عن البكاء بسبب الألم".
شح الأدوية
أما أسماء أحمد أبو غالي، جدة الطفلتين، فتقول إن الأسرة اضطرت إلى نقل الرضيعة إلى المستشفى بسبب تفاقم حالتها.
وتوضح في حديثها للأناضول: "لم تتحسن حالة الطفلة بسبب شح الأدوية والمستلزمات الطبية، فعدنا بها إلى الخيمة".
وتصف البيئة التي تعيش فيها العائلة بأنها "خصبة للأمراض والأوبئة"، مضيفة: "نعيش تحت لهيب الشمس، وسط الاكتظاظ، وانتشار القمامة، وتسرب مياه الصرف الصحي، فيما تهاجمنا ليلا ونهارا الحشرات والقوارض".
وتتابع: "لا نستطيع النوم بسبب البعوض، ولا نجد راحة نهارا (..) فالخيام المهترئة لا تقي من حرارة الشمس".
وتشير إلى أن المرض بدأ ينتشر بين الأطفال داخل الخيمة، مع مخاوف متزايدة من انتقاله إلى بقية أفراد الأسرة نتيجة الاحتكاك اليومي في مساحة ضيقة.
وتختصر المسنة أبو غالي واقع آلاف العائلات النازحة بقولها: "نموت في اليوم مرات عديدة. فمن لم يمت بسبب القتل المباشر، يموت مرضا وقهرا بسبب الظروف الإنسانية التي نعيشها منذ قرابة ثلاث سنوات".
وتضيف متسائلة: "إلى متى نبقى على هذا الحال؟ هذا الوضع لا يُطاق أبدا".
انتشار سريع
من جهته، يقول استشاري الأمراض الجلدية في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، الطبيب عامر المصري، إن مرض جدري الماء "بات ينتشر سريعا في قطاع غزة".
وأضاف في حديثه للأناضول، أن جدري الماء من الأمراض الفيروسية شديدة العدوى التي يتسارع انتشارها بفعل الاكتظاظ والتجمعات الكبيرة للنازحين، إضافة إلى شح المياه.
وأوضح أن أكثر ما يزيد من سرعة انتقال العدوى هو "تعذر عزل المصابين، إذ يعيش معظم السكان داخل مخيمات نزوح مكتظة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية".
ويشرح أن المرض يظهر على شكل بثور منتشرة في الجلد والفم وفروة الرأس، ترافقها حمى وارتفاع في درجة حرارة الجسم، مشيرا إلى أنه يصيب – بصورة أكبر - الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.
ويتابع: "نستقبل يوميا عشرات الحالات المصابة بمرض جدري الماء في مختلف المراكز الصحية بقطاع غزة، والفيروس لا يزال في انتشار متزايد".
ويحذر المصري من أن استمرار تفشي المرض في ظل انهيار القطاع الصحي قد يؤدي إلى مضاعفات لدى المرضى، تشمل التهابات جلدية ثانوية وتعفناً في الجلد، إضافة إلى التهابات في الأذن الوسطى والرئتين.
ويشير إلى أنه "رغم أن جدري الماء يعد مرضاً بسيطاً ويمكن السيطرة عليه عادة من خلال العلاج المناسب، فإن تدهور النظام الصحي في غزة، والنقص الحاد في المعدات الطبية والأدوية، يقللان فرص احتواء الفيروس والحد من انتشاره".
ويعاني القطاع الصحي بغزة من انهيار جراء تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية التي خلفت دمارا كبيرا في المستشفيات والبنية التحتية الصحية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية جراء تنصل إسرائيل من التزاماتها التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025.
ومنذ بدء الإبادة الإسرائيلية في 8 أكتوبر 2023، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني وأصيب ما يزيد على 173 ألفا آخرين في القطاع، إضافة إلى دمار واسع طال 90% من البنية التحتية المدنية.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل الإبادة بحصار وقصف يومي يُسفر عن قتلى وجرحى، كما تمنع إدخال كميات كافية من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء.