- مراجعة في تاريخ العلاقات الدولية من توازن القوى إلى ميلاد النظام الدولي الحديث
- قرن من الحروب والمؤسسات يكشف المسافة بين القانون كما يُكتب وكما يُطبَّق
يضع «عالم بلا قانون.. سياسة بلا مبادئ» القارئ أمام فجوة واسعة بين المواثيق الدولية وموازين القوة التي تحدد مَن يملك القرار ومَن يدفع الثمن. ومن هذه الزاوية، يستعرض أستاذ العلوم السياسية د. أحمد عبدربه أكثر من قرن في العلاقات الدولية، في كتابه الصادر عن دار الشروق، متتبعًا الحروب وصعود القوى الكبرى وانهيار الإمبراطوريات ونشأة المؤسسات الدولية.
وتأتي مراجعتنا في حلقتين؛ تتناول الأولى الطريق إلى الحربين العالميتين وميلاد الأمم المتحدة وبدايات الصراع العربي الإسرائيلي، بينما تنتقل الثانية إلى الحرب الباردة وما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وصولًا إلى اضطراب النظام العالمي الراهن وازدواجية تطبيق قواعده.

مندوب إسرائيل الدائم لدى للأمم المتحدة جلعاد أردان، يمزق ميثاق الأمم المتحدة - مايو 2024
يختار الكاتب مدخلًا راهنًا وحاد الدلالة؛ ففي مايو 2024 وقف سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة جلعاد إردان أمام الجمعية العامة ممزقًا نسخة من ميثاق المنظمة، احتجاجًا على قرار يدعم حصول فلسطين على العضوية الكاملة؛ يرى المؤلف في المشهد أكثر من حركة استعراضية، ويصفه بأنه «عنوان للنظام الدولي المهترئ الذي يغيب عنه القانون الدولي وتسوده قوانين الغاب».

اللاجئون الفلسطينيون بعد حرب 1948 من أرشيف الأمم المتحدة
منذ هذه اللحظة تتحدد زاوية النظر إلى القرن العشرين بأكمله: القانون حاضر في النصوص، والمؤسسات قائمة بمبانيها ومواثيقها، والقوة تحتفظ بالكلمة الحاسمة عندما تتعارض القاعدة مع مصلحة دولة كبرى أو حليف تحميه.
يضع الكتاب حرب غزة، وعجز مجلس الأمن عن وقفها، والتعامل الدولي مع قضية سد النهضة، وسياسة المعايير المزدوجة بين فلسطين وأوكرانيا، في مقدمة رحلة تاريخية طويلة. الحاضر هنا هو السؤال، والتاريخ هو مختبر الإجابة؛ ولأن الكتاب يبدأ من نتيجة تكاد تكون محسومة في ذهن مؤلفه، تصبح الفصول التالية بحثًا في جذور عالم «بلا قانون» أكثر من كونها سجلًا محايدًا للأحداث.
يعرض المؤلف مدارس عدة لفهم العلاقات الدولية: الواقعية التي تضع القوة والمصلحة في المركز، والليبرالية التي تمنح المؤسسات والقواعد والتعاون وزنًا أكبر، والمقاربة الطبقية التي تقرأ النظام الدولي من خلال توزيع الثروة والسيطرة، والمقاربة الثقافية أو الأيديولوجية، ثم الرؤية السلوكية التي تتابع التفاعلات ووظائف المؤسسات.
ويختار الواقعية بوضوح، مستندًا إلى ما تعلمه من أستاذه الراحل سمعان بطرس فرج الله، الذي كان يرى أن «القانون الدولي هو مجرد أداة في يد الأقوياء فقط، وأن من يخضع للقانون هي الدول الضعيفة». ويشرح الكاتب موقعه بدقة حين يقول: «يفرق هذا الكتاب بين ما ينبغي أن يكون بحسب قناعتنا، وبين تحليل الأمور كما هي على أرض الواقع».
هذا الإعلان المنهجي من فضائل الكتاب؛ فالقارئ يعرف العدسة التي يرى من خلالها المؤلف العالم، ويستطيع محاورته على أساس واضح. الحياد الكامل يغيب عن كتب التاريخ السياسي بطبيعته، والوضوح في إعلان المنهج يساعد على تمييز الوقائع من تفسيرها.
المعضلة تظهر عندما تتحول الواقعية من أداة تفسير إلى حكم سابق يختصر دوافع الدول والمؤسسات كلها في القوة المجردة، فتتراجع أمامه مساحات الأفكار والهوية والرأي العام والقيود القانونية التي تؤثر أحيانًا في القرار، حتى داخل أكثر الدول قوة.
وتكشف صياغة الأطروحة عن طموح أكبر من مجرد شرح المدرسة الواقعية؛ فالمؤلف يريد أن يجعلها مفتاحًا لفهم القانون نفسه. يقرر أن المؤسسات الدولية والقواعد الإنسانية تقوم على قيم تمثل الدول الأكثر قوة، وأن التطبيق يجري بصورة تمييزية تحول القانون إلى أداة لإخضاع الضعفاء.
النظام القديم.. أوروبا في المركز والعالم في الهامش
يعود الكاتب إلى القرن التاسع عشر باعتباره الخلفية الضرورية لميلاد النظام الدولي الحديث؛ كانت أوروبا مركز القوة، وكانت بريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا تدير المجال الدولي عبر الاستعمار والتحالفات، وتراجعت في المقابل إمبراطوريات أقدم، وفي مقدمتها الإمبراطوريتان الصينية والعثمانية.
يلتقط الكتاب ثلاثة تحولات كبرى: الحروب النابليونية وما أعقبها من مؤتمر فيينا، وصعود الدولة القومية، وبداية التفكك الطويل للإمبراطورية العثمانية.
يرى المؤلف في تسويات فيينا بذرة مبكرة للأمن الجماعي وسياسة المؤتمرات، رغم هشاشة النظام الذي نشأ عنها. ثم يعود إلى صلح وستفاليا بوصفه لحظة تأسيس لفكرة السيادة والدولة ذات الحدود المعترف بها.
يمتاز هذا القسم بتوسيع دائرة الفاعلين. تظهر الحركة الصهيونية مثالًا مبكرًا لقوة عابرة للحدود تؤثر في سياسات الدول من خارج أجهزتها الرسمية، وتظهر الولايات المتحدة واليابان قوتين صاعدتين تنهيان الاحتكار الأوروبي للمسرح الدولي.
وتقدم اليابان، الخارجة من عزلتها بعد إصلاحات ميجي، نموذجًا لبلد استوعب أدوات القوة الغربية ثم استخدمها في مشروع توسعي خاص به. هكذا يهيئ الكتاب القارئ لعالم متعدد الأقطاب، تزداد فيه القدرة الصناعية والتسليح والتحالفات تعقيدًا، ويصبح انفجار الحرب مسألة وقت.
المعضلة الأمنية.. حين يصنع الخوف حربه بنفسه
يعرض فصل الأحلاف الطريق إلى الحرب العالمية الأولى من خلال مفهوم «المعضلة الأمنية»: تسعى دولة إلى حماية نفسها بزيادة التسلح وعقد التحالفات، فتقرأ الدول الأخرى هذا السلوك تهديدًا، وترد بتسلح وتحالفات مضادة، فيتحول بحث الجميع عن الأمان إلى مصنع جماعي للخطر. يشرح الكتاب تراجع الحصة البريطانية من الإنتاج الصناعي وصعود الولايات المتحدة وألمانيا، ثم يرصد تشكل الوفاق الثلاثي في مواجهة دول المركز، وسباق التسلح البحري بين لندن وبرلين، والتنافس البري بين ألمانيا والنمسا والمجر من جهة وروسيا من جهة أخرى.

خريطة التحالفات الأوروبية سنة 1914
تأتي مؤتمرات لاهاي والمحكمة الدائمة للتحكيم في قلب هذه البيئة المتوترة؛ يرى الكاتب فيها إرهاصًا مهمًا للقانون الدولي، مع بقاء اللجوء إلى التحكيم اختياريًا وغياب قوة تنفيذ فوق الدول. وهنا تظهر مبكرًا الثنائية التي سترافق الكتاب كله: كل تطور مؤسسي يحمل وعدًا بالتنظيم، وكل وعد يصطدم بسيادة الدول وحسابات القوة.
الحرب الأولى.. انفجار أوروبي أعاد رسم العالم
يتابع الكتاب انتقال التوتر من البلقان إلى العالم عقب اغتيال ولي عهد النمسا والمجر في سراييفو؛ إذ تشابكت القومية السلافية والمنافسة الروسية – النمساوية والتحالفات الأمنية، فتحولت أزمة محلية إلى حرب عالمية. ويبرز المؤلف امتداد الحرب خارج أوروبا، من المستعمرات الألمانية في إفريقيا والمحيط الهادئ إلى الصين واليابان، ومن دخول الولايات المتحدة إلى الترتيبات السرية التي عقدتها بريطانيا بشأن المنطقة العربية.
وفي هذا السياق، يضع مراسلات حسين – مكماهون واتفاقية سايكس – بيكو في مواجهة مباشرة؛ فالأولى كانت رسائل متبادلة بين شريف مكة حسين بن علي والمندوب البريطاني هنري مكماهون، تعهدت خلالها بريطانيا بدعم استقلال عربي مقابل الثورة على العثمانيين، مع بقاء خلافات حول حدود الدولة الموعودة، أما الثانية فكانت اتفاقًا سريًا عقدته بريطانيا وفرنسا عام 1916 لتقسيم الولايات العربية العثمانية إلى مناطق نفوذ وسيطرة بينهما.

توقيع معاهدة فرساي في قاعة المرايا
وهكذا قاتلت الثورة العربية على وعد بالاستقلال، في الوقت الذي كانت فيه لندن وباريس ترتبان اقتسام المشرق. وتلخص هذه المفارقة أطروحة الكتاب: خطاب سياسي يرفع حق تقرير المصير، وممارسة استعمارية ترسم الحدود وفق موازين القوة. ثم عمّقت تسويات ما بعد الحرب هذا التناقض، بعدما أعادت تشكيل أوروبا والشرق الأوسط، وفرضت شروطًا قاسية على المهزومين، وأنشأت دولًا جديدة وعصبة الأمم بوصفها أول محاولة كبرى لتنظيم السياسة الدولية داخل مؤسسة دائمة.
ويقرأ المؤلف هذه التسويات باعتبارها سلامًا حمل في داخله أسباب الحرب التالية. فالعقوبات والتعويضات والاقتطاعات الإقليمية صنعت في ألمانيا شعورًا بالإذلال، وتوزيع المشرق بين بريطانيا وفرنسا بدد الوعود التي صاحبت الثورة العربية، ومعاهدة سيفر وضعت الإمبراطورية العثمانية أمام التفكيك قبل أن تعيد حرب الاستقلال التركية رسم شروط لوزان. ينجح السرد في جمع هذه المسارات داخل فكرة واحدة: المنتصر صاغ القاعدة، والمهزوم تلقى آثارها، والشعوب الخاضعة للاستعمار حصلت على وعود مؤجلة.
القومية والخلافة.. حدود جديدة وأسئلة قديمة
ينتقل الجزء الثاني إلى ما بين الحربين، حين صعد مبدأ تقرير المصير وتراجعت الإمبراطوريات أمام الدولة الوطنية. ويتتبع الكتاب نشأة دول ومشروعات قومية في تركيا والعراق وليبيا وشبه الجزيرة العربية والمغرب والهند، كاشفًا انتقائية تطبيق المبدأ؛ إذ نالت شعوب أوروبية استقلالها، بينما خضعت مناطق عربية وإفريقية لانتدابات أعادت إنتاج الاستعمار بصيغة قانونية.
ويمنح المؤلف انهيار الدولة العثمانية وقضية الخلافة مساحة واسعة، من محاولات عبد الحميد الثاني للإصلاح وتوظيف الجامعة الإسلامية، إلى صعود تركيا الفتاة، وهزيمة الدولة، وقيام الجمهورية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، ثم إلغاء الخلافة بعد مسار طويل من التراجع. كما يتابع محاولات إحيائها عبر الشريف حسين وطموحات الملك فؤاد والجدل الذي استمر في عهد فاروق.

السلطان عبد الحميد الثانى
ويكشف هذا المحور الصلة بين انهيار الإمبراطورية وصعود الإسلام السياسي والقومية والدولة الحديثة. غير أن بعض أحكامه الحاسمة، مثل اعتبار الشريعة في التجربة العثمانية مجرد أداة للحكم والسيطرة، كانت تحتاج إلى عرض أوسع للخلاف التاريخي ومكانة الشرعية الدينية داخل دولة امتدت ستة قرون.
الكساد والفاشية.. الخوف يبحث عن قائد
يربط الكتاب أزمة 1929 بانهيار الثقة في الرأسمالية الكلاسيكية وصعود دور الدولة في إدارة الاقتصاد. ينتقل من آدم سميث واليد الخفية إلى ماركس وفريدريك إنجلز، ثم إلى جون مينارد كينز والإنفاق العام وبرامج روزفلت. وتنبع أهمية الفصل من موقعه داخل التاريخ السياسي؛ فالكساد، عند المؤلف، قوة غيّرت مزاج المجتمعات، ورفعت البطالة والخوف وفقدان الأمان، وهيأت الجمهور لتقبل القومية المتطرفة والحلول الشمولية.
بعد الأزمة، يقارن المؤلف بين ألمانيا وإيطاليا واليابان؛ إذ استثمر هتلر إذلال معاهدة فرساي والبطالة والخوف من الشيوعية، ووجّه الاقتصاد نحو التسلح والمشروعات الكبرى، مستعينًا بجوزيف جوبلز، وزير الدعاية النازي، في تشكيل الوعي العام. وفي إيطاليا، انتقل موسوليني من الاشتراكية إلى قومية تمجّد روما، ثم صعد بالحركة الفاشية قبل أن يهدم المؤسسات من داخلها. أما اليابان، فدفعتها الأزمة والعسكرة وتقديس الإمبراطور إلى التوسع في الصين، والتحالف مع ألمانيا وإيطاليا، ثم الهجوم على بيرل هاربور.
ويبلغ التحليل ذروته في فصل «الفاشية والنازية وفن الإقناع». يفسر الكاتب نجاح الأنظمة الشمولية بمزيج من الاختيار الشعبي المبكر، والعنف المنظم، والدعاية التي حولت مصالح النخب إلى «مصلحة قومية»، وقدمت القمع في صورة حماية «الأمن القومي». والمقارنة بين التجارب الثلاث من أفضل أجزاء المادة؛ فهي تجمع الاقتصاد والسياسة وعلم النفس والإعلام في تفسير واحد، وتبين أن الحرب بدأت داخل المجتمعات قبل أن تعبر الحدود.
ما بعد الكارثة.. نظام جديد يحمل امتيازات المنتصرين
تنتهي الحرب العالمية الثانية بدمار واسع وملايين القتلى، وإبادة اليهود والغجر والسلاف وأصحاب الإعاقات وغيرهم على يد النازية. يخصص الكتاب فصلًا للهولوكوست، يتتبع الانتقال من التمييز القانوني والمقاطعة والتشهير إلى الغيتوهات والعمل القسري ومعسكرات القتل. وتتجاوز وظيفة الفصل داخل البناء العام التوثيق؛ فالجريمة تفسر صعود حقوق الإنسان، ومحاكمات نورمبرغ وطوكيو، واتفاقيات جنيف، والسعي إلى تأسيس منظمة أقدر من عصبة الأمم على حماية السلم.
دخل ميثاق الأمم المتحدة حيز النفاذ في 24 أكتوبر 1945، وبدأت المنظمة بعضوية 51 دولة مؤسسة بعد تصديق الدول الخمس التي حصلت على المقاعد الدائمة في مجلس الأمن.

ميثاق الأمم المتحدة أثناء توقيعه سنة 1945
يرى الكاتب أن الأمم المتحدة ورثت حلم العصبة وورثت علتها الأساسية أيضًا. أعطى الميثاق الجمعية العامة مساواة صوتية بين الدول، ثم منح مجلس الأمن سلطة الإلزام، ومنح الدول الخمس المنتصرة حق النقض. هكذا دخل تفاوت القوة في صلب المؤسسة التي يفترض أن تطبق القانون على الجميع. ويأتي تقييم المؤلف متسقًا مع أطروحته: المنظمة وفرت مساحات للتعاون والتفاهم وحل بعض الصراعات، بينما بقي الحسم خاضعًا لمصالح الأقوياء.
يعرض مشروع مارشال بوصفه نموذجًا على تحول الاقتصاد إلى أداة استراتيجية. أعادت المساعدات بناء أوروبا الغربية، وربطت اقتصاداتها بالسوق الأمريكية، وساعدت على احتواء الشيوعية وتكوين كتلة قيمية وسياسية واقتصادية. وتوثق الأرشيفات الوطنية الأمريكية أن الكونجرس خصص 13.3 مليار دولار للتعافي الأوروبي على مدى أربع سنوات، وهو ما يوضح ضخامة الاستثمار السياسي والاقتصادي الذي مثله المشروع؛ هنا ينجح الكتاب في تقديم المساعدة بوصفها سياسة خارجية ذات عائد، تجمع الإعمار بالنفوذ والتحالف.
اليابان المحتلة.. ديمقراطية تحت سقف الهيمنة
يختبر المؤلف فكرة «نشر الديمقراطية بالقوة» من خلال الاحتلال الأمريكي لليابان. يتابع دور الجنرال دوغلاس ماك آرثر في نزع السلاح، وتوفير الغذاء والإيواء، وصياغة دستور جديد، وتقليص سلطات الإمبراطور، وإقرار حقوق المرأة والعمال، ومحاكمة بعض مجرمي الحرب. وفي الوقت نفسه، يشرح قرار حماية هيروهيتو من المحاكمة، والإبقاء على الإمبراطور رمزًا لتسهيل إدارة الاحتلال وكسب ثقة المجتمع.

الإمبراطور هيروهيتو بالزي العسكري
قيمة هذا الفصل في ازدواجيته. أحدث الاحتلال تحولًا ديمقراطيًا عميقًا، ثم أعاد توجيه الإصلاحات عندما بدأت الحرب الباردة؛ فتراجع التطهير السياسي، وعادت قوى محافظة إلى المجال العام، وظهرت قوات الدفاع الذاتي، واستمرت القواعد الأمريكية والاعتمادية الأمنية. يقدم الكتاب اليابان نموذجًا لنجاح مؤسسي مقيد بالسيادة، ويقارنه لاحقًا بفشل الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق. وتفتح المقارنة سؤالًا مهمًا حول الشروط الاجتماعية والدولية التي تسمح بإعادة بناء دولة، وتكشف حدود تحويل تجربة تاريخية استثنائية إلى وصفة قابلة للتكرار.
فلسطين.. الخيط الذي يعيد الكتاب إلى بدايته
تصل الصفحات الأخيرة إلى نشأة الحركة الصهيونية، ومؤتمر بازل، والهجرة اليهودية إلى فلسطين، والدعم البريطاني، ووعد بلفور، والانتداب، والثورة الفلسطينية، ثم اقتراحات التقسيم وقيام إسرائيل. يضع المؤلف هذه العملية داخل مسارين متوازيين: صعود الدولة القومية في أوروبا، واضطهاد اليهود الذي بلغ ذروته في الهولوكوست. ويؤكد أن معالجة المأساة الأوروبية جرت على أرض شعب آخر، تحت رعاية قوة استعمارية رسمت المستقبل السياسي لفلسطين قبل انسحابها.
اعتمدت الجمعية العامة القرار 181 في 29 نوفمبر 1947 بأغلبية 33 صوتًا مقابل 13، مع امتناع عشر دول؛ وقد جاء في صورة توصية صادرة عن الجمعية العامة ضمن نظام يضع سلطة الإلزام الأساسية في مجلس الأمن. ثم يروي الكتاب إعلان إسرائيل، والاعتراف الدولي السريع بها، ورفض العرب التقسيم، والحرب التي انتهت بهزيمتهم، قبل أن تتحول القضية الفلسطينية إلى المثال الأوضح، في نظره، على قانون دولي تتحكم فيه موازين القوة.
يعيد هذا الفصل القارئ إلى مشهد الميثاق الممزق في المقدمة، ويغلق دائرة سردية محكمة. كثافته الشديدة تمثل نقطة ضعفه أيضًا؛ فمسار بالغ التعقيد يمتد من الصهيونية الأوروبية إلى حرب 1948 يمر سريعًا داخل صفحات محدودة، فتحتاج قضايا الأرض والديموغرافيا والعنف السابق على إعلان الدولة والتهجير الفلسطيني إلى مساحة أوسع. وكان التوسع سيمنح الخاتمة التاريخية وزنًا يوازي مركزية فلسطين في أطروحة الكتاب كلها.
عصبة الأمم.. قانون وُلد من دون ذراع
يقدم الكتاب عرضًا لبنية العصبة: سكرتارية دائمة، وجمعية عامة، ومجلس تنفيذي، ومحكمة دائمة للعدل الدولي. وتبدو هذه المؤسسات سلفًا مباشرًا للأمم المتحدة، حتى في التوتر بين المساواة الشكلية للدول داخل الجمعية والامتيازات الممنوحة للقوى الكبرى داخل المجلس. ويحدد المؤلف أسباب الفشل في غموض الاختصاصات، وتقلب العضوية، وغياب قوة تنفيذية، وتقديم الدول مصالحها الذاتية على قرارات المنظمة.

الجلسة الافتتاحية لعصبة الأمم سنة 1920
وتوضح محفوظات الأمم المتحدة في جنيف أن العصبة بدأت بـ42 دولة مؤسسة، وأن الولايات المتحدة بقيت خارجها، بينما ظل جزء واسع من العالم واقعًا تحت الاستعمار؛ وهي خلفية تفسر محدودية ادعائها التمثيل العالمي منذ البداية.
يصل الكتاب هنا إلى واحدة من أقوى خالصاته: المؤسسة تستطيع صياغة معيار، وتحتاج إلى إرادة سياسية كي تحوله إلى أثر؛ وفشل العصبة هو فشل الدول التي أنشأتها ثم امتنعت عن دفع تكلفة إنجاحها.
مراجعة المنهج.. كتاب جذاب تحكمه أطروحته
يحقق الكتاب هدفه الأساسي في مخاطبة القارئ غير المتخصص. لغته مباشرة، وفصوله قصيرة نسبيًا، وانتقالاته واضحة، والأحداث الكبرى مرتبطة بأسئلة مفهومة عن القوة والقانون والسيادة والاقتصاد. كما يُحسب له دمج التاريخ الداخلي بالدولي؛ فالثورة الصينية، وتحولات الدولة العثمانية، والكساد، وصعود هتلر وموسوليني، وعسكرة اليابان، كلها حلقات تندمج في حكاية النظام الدولي الواحد.
ويُحسب له أيضًا أن التنظيم الدولي يظهر في سياقه التاريخي. تتدرج الفكرة من فيينا ولاهاي إلى عصبة الأمم، ثم إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وحقوق الإنسان. يرى القارئ كيف تعلم العالم من كل حرب، وكيف صمم مؤسسة جديدة لعلاج عيوب سابقتها، وكيف حمل التصميم الجديد امتيازات المنتصرين ومخاوفهم. وهذه القدرة على صنع خيط ممتد عبر قرن كامل من أبرز عناصر قوة الكتاب.
وتؤثر البداية الراهنة في اختيار المادة وطريقة ترتيبها. مشهد غزة يضع القارئ منذ أول صفحة أمام عالم تحكمه القوة، ثم تتوالى الأحداث بوصفها تاريخًا طويلًا لإثبات هذا الحكم. النتيجة سرد متماسك ومثير، مع مساحة محدودة للحالات التي نجحت فيها القاعدة القانونية في تقييد دولة قوية أو غيّرت فيها المؤسسة الدولية سلوكًا كان سيصبح أشد عنفًا. إدخال هذه الحالات كان سيختبر الواقعية اختبارًا أقسى، ويمنح الخلاصة قوة أكبر.
الحكم الأخير.. تاريخ للقانون من زاوية الإفلات منه
تقدم الصفحات المرفقة مراجعة واسعة لميلاد العالم الحديث: انهيار الإمبراطوريات، وصعود الدولة القومية، وحربان عالميتان، وأزمتان مؤسسيتان، وثورة اقتصادية، وأنظمة شمولية، ومشروع أمريكي لإعادة بناء أوروبا، واحتلال أعاد تشكيل اليابان، ثم قيام إسرائيل وبداية الصراع العربي الإسرائيلي. يجمع المؤلف هذا كله حول سؤال واحد: من يملك حق تعريف القاعدة، ومن يملك القدرة على تعطيلها؟
الإجابة التي يقترحها قاتمة؛ فالقانون الدولي يتقدم بعد الكوارث، وتظل قدرته مرتبطة بالقوى التي تنفذه. ومع ذلك، تمنح المادة نفسها القارئ سببًا للتفكير أبعد من هذه القتامة؛ فوجود عصبة الأمم مهّد للأمم المتحدة، وفشل مؤسسة أنتج معرفة ساعدت على بناء مؤسسة أكثر بقاء، وجرائم الحرب دفعت إلى مواثيق حقوق الإنسان والمحاكم الدولية. القوة تصنع جزءًا كبيرًا من النظام، والقواعد المتراكمة تصنع بدورها قيودًا ومعايير وأدوات مقاومة، حتى حين يجري تطبيقها بانتقائية.
لهذا ينجح «عالم بلا قانون.. سياسة بلا مبادئ» بوصفه مدخلًا سياسيًا مشوقًا لتاريخ العلاقات الدولية، وكتابًا ذا أطروحة صريحة يدفع قارئه إلى الاختلاف معه بقدر ما يدفعه إلى مواصلة القراءة. قوته الكبرى في الترابط وسهولة العبور بين الأزمنة والقارات، وحدوده الأوضح في الأحكام الواسعة والاختزال وتقديم الواقعية أحيانًا كخاتمة قبل اكتمال المحاكمة. ويظل السؤال الذي يتركه حيًا بعد الصفحة الأخيرة هو أفضل ما في هذه القراءة: هل تحمي المؤسسات العالم من القوة، أم تمنح القوة لغة قانونية جديدة؟