هشام مطر يشارك رؤيته حول مصير الفن والثقافة العالمية فى زمن كورونا - بوابة الشروق
الجمعة 29 مايو 2020 7:04 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هشام مطر يشارك رؤيته حول مصير الفن والثقافة العالمية فى زمن كورونا

هشام مطر
هشام مطر
ترجمة ــ منى غنيم:
نشر فى : الجمعة 22 مايو 2020 - 7:46 م | آخر تحديث : الجمعة 22 مايو 2020 - 7:46 م

ــ كيف يمكن للفن أن «يتنفس» فى ظل النظام العالمى الجديد؟
ــ الفيروس كيان مُستبد أرغم ثقافتنا على التفكير فيه طوال الوقت.. وخلق نظاما ديكتاتوريا شموليا كاملا
ــ كيف تعانق الفن الإنجليزى والألمانى ليساعدنا فى العبور من الأزمة الراهنة بسلام؟
ــ بعد انتهاء أزمة «كورونا».. هل سنظل محتفظين بـ «نسختنا الأفضل» التى تتسم بالبطولة والرحمة والكرم.. أم سيعلمنا التباعد الاجتماعى بناء ألف سور بيننا وبين الآخر؟

شارك الكاتب العالمى هشام مطر، بعضًا من خواطره حول مصير الفن والثقافة العالمية فى ظل الحظر بعد تفشى فيروس «كورونا» فى مقال كُتب خصيصا لـ«النيويورك تايمز».
وقال الكاتب هشام مطر إن صديقته التى تعمل أمينة للمعرض الوطنى بلندن، كارولين كامبل، راسلته لتخبره عما حدث فى أعقاب إغلاق المعرض أبوابه للجمهور، حين وجدت نفسها تتجول عبر قاعات العرض الفارغة، تتأمل انسدال الستائر، والصور المُعلّقة فى صمت مُفجع على الجدران، وقالت إن أكثر ما أزعجها كان حقيقة أن الوضع الجديد قد بدأ يغير علاقتها باللوحات الفنية. وأضافت: «فى هذه الأيام بالغة الغرابة، وجدتنى منجذبة بشكل غامض إلى لوحة لم ترق لى كثيرًا قبل ذلك؛ وهى لوحة الرسام الإنجليزى، توماس جينزبورو من القرن الثامن عشر، والتى تُصوِّر ابنتيه الصغيرتين أثناء مطاردتهما لإحدى الفراشات، وبرغم شهرة اللوحة الواسعة، إلا أننى قد شعرت دومًا وكأنها مشحونة بالعواطف الخاصة بالرسّام أكثر من اللازم، ولكنها الآن قد عادت لتأسرنى تمامًا».
وتابعت: «راودنى شعور أن حياتنا الماضية قبل تفشى الوباء كانت عقيمة ــ إلى حد ما ــ مثل الشروع فى مطاردة تلك الفراشات، وشعرت أن طفلتى «جينزبورو» محاصرتان داخل اللوحة، عالقتان داخل إطار على جدار المعرض، وأن نظرتنا فقط هى التى تقوى على تحريرهما؛ فاللوحات لا تعمل إلا عندما يقوم الأشخاص بتأملها، وبدون هؤلاء الأشخاص يُحكَم عليها بالنسيان».
وقال «مطر» إنه ــ مثل صديقته ــ لم يعر الكثير من الاهتمام لتلك اللوحة التى مر بها مرات عدة فى طريقه عبر أروقة المتحف لمشاهدة اللوحات الأخرى، ولكن ما قالته صديقته أحيا بداخله توق لرؤية اللوحة مرة أخرى، فقام بالبحث عنها عبر الإنترنت وراح يتأمل تفاصيلها الدقيقة؛ الثقة «الحذرة» التى تبدو على الفتاتين، الفراشة غير المستقرة التى تحلق بالقرب من حافة اللوحة حتى يبدو وكأنها ستتحرر من الإطار، وفى نفس الوقت توحى بخطر مجهول ينتظرها، الأختان متشابكتا الأيدى، المتباعدتان قليلًا برغم تشابك أناملهما فى إشارة لتفردهما عن بعضهما البعض، الأخت الكبرى التى تدع الصغرى تطارد الفراشة؛ من أجل كسر حاجز الخوف بداخلها من تجربة آفاق جديدة، الفضول البريء ــ والقاتل ــ الذى يبدو على ملامحهما، هيئتهما الخارجية، وانسيابية رداءيهما، التى تماثل فراشة ضخمة ترفرف بأجنحتها الكبيرة، بينما تغلفهما الظلمة من حولهما فى كل مكان؛ فى الأشجار الداكنة، وفى السماء البعيدة التى تحتضن ضوءًا صغيرًا على وشك الخبو.

وأكد «مطر» أنها لوحة تعبر عن مرور الوقت، وعن التنقل بين مرحلتى الشباب والشيخوخة، وعن البراءة التى قد تكون فى بعض الأحيان متوحشة، وعن مخاوف أب يفكر دائمًا فى المخاطر الغامضة المحتملة التى قد تهدد ابنتيه، وبيّن «مطر» أن التغيير فى ترتيب «أهمية اللوحات» فى عقولنا مثلما حدث مع تلك اللوحة إنما يؤكد العلاقة الوطيدة بين الفن والتاريخ، وكأنهما فى حالة حوار أزلى مع بعضهما البعض.
وأردف أنه مع تشديد إجراءات الحظر والعزل المجتمعى عبر العالم، ازداد شوقًا وحنينًا نحو روتين حياته القديم؛ فقد دأب على زيارة المتاحف على الأقل مرة واحدة فى الأسبوع، وكان يذهب فى لندن ــ حيث يعيش معظم السنة ــ إلى المعرض الوطنى، بينما كان يزور فى نيويورك متحف متروبوليتان للفنون، وأعرب عن حزنه لنجاح الفيروس التاجى فى التأثير على جميع جوانب الحياة؛ فقد أدى بنا للحياة فى خوف دائم من العدوى، وامتدت آثاره العقلية والجسدية الجسيمة لتهدد أهم حقوق الإنسان ــ وأكثرها بساطة وأولية ــ وهو حقه فى التنفس.
وأضاف أن الوباء الجديد أرغم ثقافتنا على التفكير فيه طوال الوقت؛ وكأنه الشيء الوحيد الذى يستحق التفكير فيه؛ لقد خلق الفيروس نظاما ديكتاتوريا شموليا كاملا، وأضحى كل ما يشغل تفكير المرء هو الكيفية التى سيحمى بها جسده من الكيان المستبد، ونوّه «مطر» أنه رفض كل الدعوات التى طالبته بالكتابة عن الوباء، وفضّل التركيز فى عمله والانخراط فى مشاغل الحياة اليومية التى أصبحت تشبه الدوامة؛ بلا معالم واضحة للوقت الذى يمر داخلها.
وأوضح أن الشىء العجيب أنه كان كلما ازداد توقًا لعودة الحياة إلى مجرياتها الطبيعية؛ والنزول إلى الشارع واستقلال الحافلة لزيارة المعرض الوطنى، فإن جلّ ما كان يدور بباله لم يكن ذكرى من ذكرياته بتلك الخصوص، ولكنه كان تخيُّلا أنه حلّ ــ بطريقة أعجوبية ما ــ فى جسد صديقته أمينة المعرض، وراح يتفقد أروقة المتحف الفارغة؛ وذهب ليلقى نظرة على لوحة «جينسبورو» بنفسه.
وقال إنه تذكر محادثة شيقة كان قد خاضها مع صديقته فى الأيام السالفة لنظام التباعد الاجتماعي؛ حين جلسا يناقشان الطبيعة الساحرة للوحات الفنية التى تجعل المرء لا يفرغ منها أبدًا، إن اللوحات الفنية «لا نهائية»، ليس فى العدد ولكن فى المضمون، وظيفتها تبدأ بعد أن يتم تعليقها على جدار المعرض، وتظل ناقصة حتى يأتى المتفرجون من عشاق الفن لمنحها التمام، وأضاف أن لهذا السبب آمن ــ هو وصديقته ــ بالضرورة «الثقافية» لفتح أبواب المتاحف للجمهور بالمجان، ولكن الآن فى ظل هذا النظام العالمى الجديد، كيف يمكن للفن أن يتنفس؟ كيف يمكن للوحات المتاحف المهجورة، المُعلّقة فى الظلام أن تؤدى وظيفتها.. ما مصير الفن فى تلك الحالة؟

وكشف الكاتب الكبير أن أجواء الحظر ذكرته أيضًا بمجموعة من الصور الخاصة بمصور ألمانى من القرن الماضى لم ينل شهرة كافية يُدعى ويلى روج، الذى قام «روج» بعمل سلسلة من الصور الفوتوغرافية لنفسه أثناء قيامه بممارسة رياضة القفز بالمظلات أسماها «تصويرى لنفسى أثناء القفز بالمظلة»، وتم التقاط صور تلك المجموعة فى وقت عصيب ــ وسوداوى ــ بعض الشىء؛ وهو العام 1931، الذى يمثل حلقة وصل بين حربين عظيمتين عصفتا بالبشرية، وقال «مطر» إن سوداويته تماثل دلالات الأشجار الداكنة فى لوحة «جينسبورو».
وعن «روج»، يُحدِّثنا «مطر» ويقول إنه كان يحلم منذ صباه أن يصير طيارًا، وقد أصقل موهبته فى الفوتوغرافيا خلال الحرب العالمية الأولى، عندما كان جنديًا فى سلاح الدفاع الجوي؛ فنشأت فى ذهنه آنذاك علاقة بين التصوير والخطر، ثم إنه سافر لاحقًا إلى الأرجنتين، وقام هناك بالتقاط مجموعة متنوعة من الصور تراوحت بين تصوير راقصى التانجو، ومحاولات التحكم فى حصان برى قام أحد مروِّضى الأحصنة بربطه إلى جذع شجرة تحت أشعة الشمس الحارقة من أجل ترويضه، والأشجار من منظور الطائرات الرأسى، كما قام بتصوير لحظة سقوط متسابق من على ظهر جواده فى أحد سباقات الحواجز عام 1920 فى إنجلترا، والتقط صورة لطيار سلاح الجو الملكى فريدريك ف. مينشين، قبل بضعة أشهر من انطلاقه فى محاولة لعبور المحيط الأطلسى، وهى المحاولة التى باءت بالفشل؛ حيث اختفت الطائرة فى ظروف غامضة وظل مصير الطيار لغزًا حتى الآن.

وأضاف «مطر» أنه فى العام 1936، نشر «روج» مجموعة أخرى من الصور بعنوان « بصحبة طيارينا المقاتلين فى الجو»، تضمنت صورًا مؤيدة لسلاح الجو الألماني؛ فمن المعروف أن «روج» كان مؤيدًا للنازية، وقد قام بتطويع عدسته فى الحرب العالمية الثانية لتكون «بوق دعاية» للجيش الألماني؛ فقام بتصوير العسكريين خلال الاجتماعات الاستراتيجية، وجنود سلاح المدفعية، والطيارين أثناء تأدية عملهم، كما قام بتوثيق «الوجوه المتفائلة» للمجندين الشباب الحالمين بألمانيا العظمى، وأوضح «مطر» أن دعم «روج » للحكم النازى أنعم عليه بالعديد من الامتيازات الشخصية والمالية، لا سيما فى ظل نظام قمعى كان يقوم بنفى وسجن وقتل المصورين الآخرين.

ولهذا فإن «مطر» يرى أن الروح الحقيقية لفن «روج» تتجسد فى أعماله قبل الحرب؛ كما فى مجموعته الفوتوغرافية «تصويرى لنفسى أثناء القفز بالمظلة»؛ حيث كان فيها بطل العمل فى روايته الخاصة، امتلك زمام أدواته وتوجهاته الفنية، وقال «مطر» إن هناك بعض الصور الرائعة بحق؛ مثل تلك الصورة التى جعل «روج» أحد زملائه يلتقطها لرد فعل زوجته وهى تشاهد زوجها يسقط من السماء، وصورة «صورتى لحظة القفز»، التى تُصوِّر «روج» لحظة السقوط من الطائرة، وظهره مُقوَّس إلى الخلف، وفمه مفتوح بطريقة عجيبة، وصورة «قررت القفز برأسى أولًا»، التى تم تصويرها من طائرة أخرى، ويظهر فيها «روج» فى وضع مقلوب، وقد فرد ذراعيه وساقيه فى الهواء، والصورة المُلحقة بها بعنوان «نفس الصورة من زاوية الأرض»، التى نرى فيها زوجته تحمل ابنهما الوليد، وتنظر إلى السماء وهى محاطة بمجموعة من المشاهدين المذهولين الآخرين؛ بالإضافة إلى الصورة المثيرة للذعر قليلًا التى أسماها «روج» «تدلى رأسى قبل فتح المظلة»، والتى تُظهِر وجهه من الأسفل، وقد شوّه الخوف والإجهاد ملامحة بصورة ما، وأضاف «مطر» أن تلك الصورة ذكرته بشكل ما بيد الابنة الصغرى لـ «جينزبورو» التى كانت تحاول الوصول إلى الفراشة.

وفى نفس العام الذى قام فيه «روج» بقفزاته المصوّرة الخطرة، قال «مطر» إن أيقونة الأدب الإنجليزى فيرجينيا وولف، كتبت رسالة بعنوان «رسالة إلى شاعر شاب» عام 1931، انتقدت فيها حقيقة أن الشعر أصبح «يتجنب الحياة» بشكل أو بآخر؛ وكأنه يخشى أن يجسدها كما هى، وعلّق «مطر» على ذلك قائلًا: « يالها من مصادفة غريبة؛ فى نفس الوقت الذى عكف فيه «روج» على تصوير ألبوم «تصويرى لنفسى أثناء القفز بالمظلة»، الذى يجسد ــ بشكل ما – مفاهيم التواصل وفقدان التواصل، عكفت «وولف» بدورها على مناقشة نفس القضية، ولكن على صعيد اللغة؛ حيث أشارت فى رسالتها لعجز الشعرعن تصوير الحياة بمشتملاتها فى العصر الحديث».
وأعرب «هشام مطر» عن حزنه من أننا أصبحنا نتخبط فى الجهل بالكيفية والتوقيت الذى سينتهى فيه هذا الكابوس، ولكنه يرى أننا على الأقل نعلم أن العالم لن يعود أبدًا كما كان؛ إن الأمر يبدو وكأن الحاضر أيقظنا من سبات عميق، وتابع أننا ــ برغم كل شىء ــ نشعر أننا نمر بتجربة حياتية من طراز خاص؛ مثل تجربة ابنتى الرسّام فى المطاردة، وتجربة المصور الألمانى فى السقوط، وأكد أننا الآن نقف بمفترق طرق؛ فهل بعد انجلاء الجائحة سنعيد تقييم موقفنا تجاه معاملتنا للطبيعة من حولنا؟ وللكوكب بأسره؟ هل سننصب لأنفسنا المحاكمات لإدانة الظلم المتفشى فى مجتمعاتنا؟ هل ستذكرنا فترة معانتنا المشتركة يومًا ما بمدى ترابطنا واحتياجنا لبعضنا البعض؟ بمعنى أدق، هل سنكون مخلصين للنسخة الأفضل التى اكتشفناها عن ذواتنا خلال تلك الأزمة العالمية؛ تلك التى تتسم بالبطولة والرحمة والكرم، أم أننا سنغرق فى الظلمات؛ ويعلمنا التباعد الاجتماعى بناء ألف سور بيننا وبين الآخر؟ ويجعلنا أكثر رهابًا من بعضنا البعض؟ هل سننتهج سياسة التطرف الفكرى وعدم التسامح تجاه اختلافتنا مع الغير فى طرق التفكير؟ يشير «مطر» إلى أن العجيب فى الأمر، أن التاريخ يقول إننا قادرون على فعل الأمرين؛ فنحن نتعلم من أخطاء الماضى، وفى نفس الوقت نفضل ثبوت الأمور على حالها، ونبذ التغيير.

ووفقًا لرؤية «مطر»، فإن هذه هى إحدى آليات عمل الفن؛ فهو يسعدنا، وفى نفس الوقت، يدفعنا للتفكير، يقوم بإضاءة الحاضر من حولنا لنتوقف وننظر إلى موضع أقدامنا فيه،. وهذا هو بالضبط ما حدث لـ «كامبل» عندما تأملت اللوحة الإنجليزية، وهو أيضًا ما ذكّره بالصور التى كان قد نسيها منذ عدة سنوات، ومن هذا المنظور، يبدو العملان الفنيان مترابطين؛ حيث إن حالة استشعار الخطر المرتقب فى لوحة «جينزبورو» إنما تنعكس على صور«روج»، وبدورها تنعكس أيضًا على واقعنا الحالى.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك