• ندرس تغذية الشواطئ برمال البحر بديلا عن المصدات والرءوس البحرية
• منظومة رصد وإنذار مبكر بالتغيرات في البحر والأرض والجو
بين حين وآخر، يتجدد الحديث عن سيناريوهات غرق الدلتا، مع ارتفاع منسوب البحر وانخفاض مستوى الأرض تدريجيا؛ ما يهدد بنزوح بعض سكانها وخسارة مساحات من التربة الخصبة، التي يُزرع فيها ما يزيد على نصف غذائنا.
لكن الخبر الجيد، أن مشروعات عديدة جارٍ تنفيذها على الأرض للتكيف مع هذه التغيرات وحماية الدلتا، ومنها مشروع تعزيز التكيف مع تغير المناخ في الدلتا والساحل الشمالي، المقرر أن تكتمل مرحلته الأولى بحلول نوفمبر المقبل.
وفي حوار مع «الشروق»، يعرض المدير التنفيذي للمشروع، محمد أحمد، أهم النتائج، ومنها: حماية الأراضي الأكثر عرضة للغمر، بطول 69 كيلومترًا، بمواد طبيعية صديقة للبيئة، ووضع أول نظام متكامل يرصد تغيرات البحر والطقس والتربة من السلوم غربًا حتى العريش شرقًا، ويقدم إنذارا مبكرًا بأى مخاطر.
كما أشار إلى وضع خرائط تفصيلية لمخاطر تغير المناخ حتى 2100 ، فيما جارٍ التجهيز لمرحلة جديدة لحماية شواطئ الساحل الشمالي من النحر أو التآكل بالاعتماد على رمال البحر.. وإلى نص الحوار:
< حدثنا عن طبيعة مشروع حماية الشواطئ المصرية؟ وماذا يستهدف؟
ــــ هو مشروع ضخم ومهم لحماية السواحل المصرية من تأثيرات تغير المناخ، خصوصًا ارتفاع منسوب سطح البحر والنوات الشديدة ونحر الشواطئ، باستخدام مواد طبيعية.
نعمل بالأساس على حماية مناطق محددة مهددة بالغمر، وإعداد خرائط تفصيلية لمخاطر تغير المناخ، المرتبطة بارتفاع سطح البحر، وإنشاء نظام يرصد التغيرات في البحر والجو والأرض بطول ساحل البحر المتوسط؛ بما يساعدنا في التنبؤ بأي مخاطر مقبلة، مثل النوات أو ارتفاع الأمواج أو تسرب مياه البحر إلى خزانات المياه الجوفية.
< ماذا تحقق على أرض الواقع في أعمال الحماية الساحلية حتى الآن؟
ـــــ انتهينا من تنفيذ أعمال الحماية المستهدفة بطول 69 كيلومترًا في 5 محافظات، هي كفر الشيخ والبحيرة وبورسعيد والدقهلية ودمياط، وهي المواقع الأكثر عرضة لمخاطر الغمر بمياه البحر، بناءً على دراسات فنية سبقت المشروع.
ومؤخرًا، بدأنا تنفيذ أعمال إضافية بطول 3.5 كيلومتر في إدكو بمحافظة البحيرة، بالميزانية نفسها المخصصة للمشروع، وهي منطقة تأتي في المرتبة الثانية من الخطورة.
< كيف تُنفذ أعمال الحماية باستخدام المواد الطبيعية؟
ـــــ المشروع يقوم على استخدام مواد طبيعية، مثل الرمال والبوص، لإقامة حواجز تصد هجوم مياه البحر عن الأراضي المنخفضة خلفها.
وهذه الفكرة جاءت من الأهالي، وبخاصة في منطقة البرلس، الذين طبقوها أولًا لحماية منازلهم بطريقة بدائية، ثم طورناها بتصميم هندسي ومواصفات معينة.
وتكلفة أعمال الحماية بهذه الطريقة تقل عن ربع تكلفة الحماية التقليدية باستخدام الأحجار والكتل الخرسانية، وقد وفرت الحماية للأهالى، وكذلك منشآت واستثمارات بمليارات الجنيهات.
< متى تنتهي هذه الأعمال؟
ـــــ المرحلة الحالية من المشروع تنتهي بالكامل في شهر نوفمبر المقبل، وتشمل أعمال الحماية الإضافية، ومنظومة الرصد الوطني أيضًا، بجانب خطة الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية.

جانب من أعمال حماية الشواطئ بالرمال والخوص
< ما مكونات منظومة الرصد الوطني؟ وكيف تعمل؟
ـــــ عبارة عن شبكة من الأجهزة الموزعة على طول الساحل، تقيس ارتفاع مستوى سطح البحر، وترصد حالة الطقس، مثل الرياح ودرجات الحرارة والأمطار، بشكل مستمر.
كما تشمل إنزال أجهزة متخصصة داخل البحر لقياس ارتفاع الأمواج واتجاهها، ومتابعة التيارات البحرية؛ بما يوفر صورة دقيقة عن حركة البحر، خاصة في أوقات النوات والعواصف.
وتتضمن المنظومة كذلك حفر 10 آبار، بأعمال تصل إلى 400 متر، لمراقبة المياه الجوفية وقياس نسبة الملوحة؛ لرصد أي تسرب لمياه البحر إلى الداخل، مع مراقبة مستوى سطح الأرض لرصد أي هبوط قد يحدث، وهو عامل مهم في تقدير مخاطر الغمر مستقبلًا.
أنهينا 80% من هذه المنظومة، وقد بدأت تزويد وزارة الري، والأجهزة المعنية الأخرى، ببيانات لحظية.
< ما أهمية هذه المنظومة؟
ـــــ هدفها الأساسي التنبؤ والإنذار المبكر بأي مخاطر مقبلة؛ لاتخاذ إجراءات الوقاية أو التكيف اللازمة.
فمن خلالها نستطيع التنبؤ بحالة البحر قبلها بعدة أيام: هل هناك موجة مرتفعة؟ هل هناك رياح شديدة؟ وأي المحافظات ستتأثر؟
وعلى سبيل المثال، يمكن التنبؤ بوصول موجات مرتفعة إلى محافظة الإسكندرية في توقيت محدد وبارتفاع معين، وهو ما يتيح تحذير الجهات التنفيذية لاتخاذ تدابير مثل تقليل التواجد على الكورنيش أو تعطيل الدراسة مؤقتًا حال الضرورة.
وهذه المنظومة تتيح متابعة ما يحدث على امتداد الساحل من مطروح إلى شمال سيناء، وتتنبأ ليس فقط بما سيحدث، ولكن أين ومتى وبأي شدة.
وعلى المدى الطويل، نستطيع رصد تغيرات المناخ نفسها: هل منسوب البحر يرتفع؟ وبأي معدل؟ هل الشواطئ تتآكل؟ هل هناك هبوط في الأرض؟ وهي معلومات مهمة جدًا في التخطيط لأي مشروعات مستقبلية، وليس فقط في إدارة الطوارئ.
< ما الفارق بين هذه المنظومة ومراكز التنبؤ بوزارة الري وهيئة الأرصاد؟
ـــــ مركز التنبؤ الحالي بوزارة الري مثلا يركز بالأساس على الأمطار والسيول، لكن هذه المنظومة تغطي التغيرات في البحر والجو والأرض.
لذلك تعد أول نظام وطني متكامل يغطي الساحل الشمالي من السلوم حتى العريش، بطول 1200 كيلومتر.

محطة قياس منسوب سطح البحر في العلمين
< ننتقل إلى موضوع خرائط المخاطر.. ماذا تعني؟ وكيف نستفاد منها؟
ـــــ وضعنا من خلال المشروع خرائط تفصيلية لمخاطر تغير المناخ على طول ساحل البحر المتوسط في الوقت الحالي وحتى عام 2100.
هذه الخرائط تحدد بدقة مستويات المخاطر، سواء من حيث احتمالات الغمر أو تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية.
وقد أعددناها باستخدام صور الأقمار الصناعية ونماذج رياضية متقدمة، وهي تغطي جميع المحافظات الساحلية، من مطروح إلى شمال سيناء، وتصنف كل منطقة إلى درجات خطورة مختلفة من مرتفعة إلى منخفضة أو منعدمة.
وهي مهمة للغاية عند التخطيط لتنفيذ مشروعات جديدة في المحافظات الساحلية، حيث يمكن من خلالها تحديد ما إذا كان المشروع يقع في منطقة معرضة للخطر، وطبيعة هذا الخطر، وتوقيته، سواء في الوقت الحالى أو قد يحدث مستقبلًا بعد 40 أو 50 سنة.
< ما أبرز نتائج هذه الخرائط؟
ـــــ في محافظة دمياط على سبيل المثال، كشفت لنا الخرائط عن منشآت مهمة، سواء محطات مياه شرب وصرف صحي ومدارس، قد تتعرض لمخاطر مستقبلية، وحددت توقيتات التدخل المطلوبة لتأمينها.
وبذلك أصبح هناك تصور واضح لكيفية التعامل مع المنشآت الحالية والتخطيط للمنشآت المستقبلية، وقد شكلت المحافظة لجنة لدراسة هذه النتائج.
< ما أهم النتائج الأخرى للمشروع؟
ـــــ نعمل على إيجاد إطار مؤسسي متكامل لإدارة ملف التغيرات المناخية وتأثيرها على السواحل المصرية، يشمل جهة عليا للإشراف، وأمانة فنية، ولجانا تنفيذية في المحافظات.
هذا الإطار يضمن أن العمل لا يكون مجهودًا مؤقتًا، بل نظام دائمًا يربط بين الرصد والتنفيذ واتخاذ القرار بشكل متكامل.
وقد قدمنا تصورًا لهذا الإطار إلى مجلس الوزراء، ونأمل أن يصدر قرار لتفعيله رسميا.
< هل هناك مراحل تالية مخطط تنفيذها ضمن المشروع؟
ـــــ وزارة الري تعمل بالفعل على الإعداد لمرحلة ثانية من المشروع، تركز على حماية الشواطئ من مشكلة أخرى، هي النحر أو التآكل، بطريقة طبيعية لا تؤثر في الحياة البحرية وتتوافق مع طبيعة الشواطئ المصرية.
< كيف يحدث ذلك؟
ــــ المشروع يعتمد على فكرة تغذية الشواطئ بالرمال المستخرجة من قاع البحر، بديلًا عن المصدات والرءوس البحرية، التى قد تحمي موقعًا معينًا، لكنها أحيانًا تؤثر على حركة الرمال في مناطق مجاورة، مما قد ينقل المشكلة إلى مكان آخر.
لذلك فالتغذية بالرمال أكثر مرونة في التعامل مع التغيرات الساحلية، وهي تجربة مطبقة بالفعل في هولندا، ونعمل على الاستفادة منها مع تكييفها مع ظروف البيئة المصرية.
< متى تبدأ هذه المرحلة؟
ــــــ حتى الآن لم يتحدد موعد نهائي للبداية لهذه المرحلة، لكن نأمل أن تبدأ بحلول العام المقبل.
< ما تكلفة الأعمال المطلوبة فى هذه المرحلة؟ ومن سيمولها؟
ــــ الأمر لا يزال يخضع للدراسة، لذلك فالتكلفة النهائية لم تتحدد بعد، ونسعى للحصول على تمويل من صندوق المناخ الأخضر لتنفيذ هذه الأعمال.