غرفة الحرف اليدوية: بعض تخصصات النحاس مهددة بالتراجع
حرفيون يفقدون فرص الدعم خارج المنظومة الرسمية
قبل أن يرفع المطرقة ويطرق بها على قطعة النحاس، يتفحص عم مسعد النقوش التي بدأها منذ أيام على تحفة فنية شكّلها بيده، داخل ورشته الصغيرة بحارة النحاسين في الجمالية، يتكرر المشهد نفسه منذ أكثر من 4 عقود، أصوات الطرق على المعدن لا تزال تتردد داخل الحارة، لكن الحرفيون أنفسهم أصبحوا أقل عددًا من أي وقت مضى.
خلف المشغولات النحاسية اللامعة التي تجذب أنظار السائحين في شارع المعز، تختبئ حكايات أصحاب المهنة أنفسهم، ففي حارة النحاسين، التي ارتبط اسمها بإحدى أقدم الحرف التقليدية في القاهرة، تتزايد مخاوف الحرفيين من غياب جيل جديد يتعلم أسرار الصنعة ويحافظ على استمرارها.
وتُعد حارة النحاسين من أشهر الحارات التاريخية بالقاهرة، حيث ازدهرت صناعة النحاس منذ العصر المملوكي، واشتهر حرفيوها بالنقش والتطعيم وصناعة الأدوات المنزلية والتحف الفنية التي وجدت طريقها إلى القصور والمساجد والبيوت المصرية لقرون طويلة.
اليوم، يخوض العاملون بالمهنة معركة مختلفة، ليس فقط مع ارتفاع أسعار الخامات وتراجع المبيعات، وإنما مع خطر اختفاء الحرفة نفسها بسبب عزوف الشباب عن تعلمها.
عم مسعد.. عمر كامل بين النحاس والنار
داخل ورشته المتواضعة، يجلس مسعد محمد، وسط أدواته التي رافقته لعقود طويلة، استأجر المكان منذ أكثر من 20 عامًا، لكن علاقته بالنحاس بدأت قبل ذلك بكثير.
يقول عم مسعد لـ«الشروق»: «أنا هنا من حوالي 45 سنة، واللي علّموني الصنعة إخواتي الكبار، زمان كانت المهنة أحسن والخامات أرخص، إنما دلوقتي كل حاجة بقت غالية جرام الفضة اللي بنطعم بيه المشغولات وصل لـ200 جنيه، والنحاس اللي كان بـ15 جنيه للكيلو بقى يقرب من ألف جنيه».
بدأ عم مسعد تعلم المهنة وهو في الـ12 من عمره داخل ورشة العائلة بالجمالية، بعدما ترك الدراسة واتجه إلى العمل، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت حياته بالنحاس وأدواته التقليدية من الشاكوش والقلم والبرجل وأدوات النقش والتطعيم.
ويؤكد مسعد، أن المهنة تحتاج إلى سنوات طويلة من التعلم والصبر، قائلا إن الخبرة لا تُكتسب من الكتب أو الدورات السريعة، وإنما من الوقوف يوميًا داخل الورش ومتابعة تفاصيل العمل خطوة بخطوة.

رحلة طويلة لصناعة قطعة واحدة
لا تخرج القطعة النحاسية إلى النور بسهولة، فخلف كل إبريق أو شمعدان أو صينية مزخرفة، تمر القطعة بعدة مراحل متتالية من التشكيل والدق والنقش والتطعيم والتلميع.
ويشرح مسعد، أن العمل يبدأ بشراء النحاس الخام ثم تشكيله وتجهيزه، قبل أن تبدأ مراحل النقش والتطعيم بالفضة أو النحاس الأحمر، لتنتقل القطعة بعد ذلك بين أكثر من حرفي حتى تخرج في صورتها النهائية.
ويضيف أن صناعة القطعة الواحدة قد تستغرق من شهر إلى ستة أشهر بحسب حجمها وطبيعة العمل المطلوب بها، لافتًا إلى أن أكبر قطعة نفذها كانت صينية نحاسية بقطر متر كامل استغرقت نحو شهر ونصف الشهر من العمل المتواصل.
خامات أغلى وزبائن أقل
لم تعد المشكلة مقتصرة على صعوبة العمل، فارتفاع أسعار الخامات انعكس بشكل مباشر على حركة البيع والشراء.
ويقول مسعد، إن أسعار النحاس والفضة شهدت زيادات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المنتجات النهائية وتراجع الإقبال عليها.
ويضيف أن أغلب زبائنه حاليًا من المغرب وسوريا وألمانيا وفرنسا، بينما يقتصر الإقبال المصري غالبًا على الهواة أو مقتني التحف والأنتيكات.
ويشير إلى أن بعض القطع النحاسية قد يصل سعرها إلى نحو 9 آلاف جنيه، بحسب حجمها وكمية العمل المبذول فيها.

صنايعية على أعتاب التقاعد
لكن ارتفاع الأسعار ليس أكثر ما يقلق عم مسعد، ويقول: «عدد الصنايعية قل جدًا، ومعظمهم كبار في السن. زمان كانت الورش مليانة ناس بتتعلم، دلوقتي الشباب بيدور على شغل يجيب دخل أسرع».
ويشير إلى أن بعض التخصصات المرتبطة بالمهنة، مثل الدقاقين الذين يتولون تشكيل القطع النحاسية، أصبح عدد العاملين بها محدودًا للغاية، ما يهدد باختفاء جزء من الخبرات المتوارثة عبر الأجيال.
ويضيف أن عدد الصنايعية في المنطقة أصبح أقل كثيرًا مما كان عليه في السابق، بينما تتراجع أعداد المتدربين الجدد عامًا بعد آخر.
أبناء الحرفيين يبتعدون عن الصنعة
المفارقة أن عم مسعد نفسه لم يورث المهنة لأبنائه، فالرجل الذي قضى عمره كله بين النحاس والمطرقة لم يرَ في المهنة مستقبلًا مناسبًا لهم. ويقول: «أولادي اتعلموا وخدوا دبلومات واتجهوا لشغل تاني».
ولا يقتصر الأمر على أبنائه فقط، فحتى الشباب الذين حاول تعليمهم الحرفة لم يستمر معظمهم فيها.
ويضيف: «اللي بيتعلم شوية بيسيبها، لأنها محتاجة مجهود وصبر، وفي الآخر فيه شغل تاني بيجيب فلوس أسرع وعدد كبير من الصنايعية الشباب بيشتغل على توك توك علشان مكسبه أكبر».

غرفة الحرف اليدوية: بعض التخصصات تواجه خطر التراجع
من جانبها، تقول نرمين الدمرداش، عضو مجلس إدارة غرفة الحرف اليدوية باتحاد الصناعات المصرية، إن الحرف التراثية بدأت تستعيد جزءًا من مكانتها خلال السنوات الأخيرة من خلال المعارض المتخصصة التي تستهدف الترويج للحرف اليدوية، ومنها معرض «تراثنا».
وتوضح الدمرداش لـ«الشروق» أن الوعي المجتمعي بأهمية الحرف التراثية أصبح أكبر من السابق، مشيرة إلى أن ملايين الحرفيين يعملون في هذا القطاع، بينما لا يزال عدد كبير منهم خارج المنظومة الرسمية، وهو ما يحرمهم من الاستفادة من المزايا والخدمات المتاحة.
لماذا يعزف الشباب عن المهنة؟
وترى الدمرداش أن حرفة النحاس ليست كلها مهددة بالاندثار، لكن بعض تخصصاتها الأكثر صعوبة تواجه تحديات حقيقية.
وتقول: «أغلب الحرفيين الذين كانوا يعملون في الحرف الصعبة، وعلى سبيل المثال حرفة التكفيت، وهي عبارة عن حفر ووضع أسلاك ألومنيوم مكان الحفر ثم دقها، تُعد من أصعب الحرف اليدوية. فالقطعة الواحدة قد تستغرق من أسبوعين إلى شهر كامل حتى تخرج بشكلها النهائي، ثم يواجه الحرفي صعوبة في بيعها بسهولة».
وتضيف: «رغم أنها حرفة قيّمة، فإن المقابل المادي لا يتناسب في كثير من الأحيان مع حجم الجهد المبذول، وهو ما يدفع بعض الحرفيين إلى البحث عن مصادر دخل أسرع من خلال مشروعات أخرى أكثر ربحية».
وتؤكد أن أغلب الحرف اليدوية الصعبة، وعلى رأسها حرفة النحاس، تواجه خطر التراجع، قائلة: «رغم القيمة الفنية الكبيرة لهذه الأعمال، فإن كثيرًا من الشباب يفضلون التوجه إلى أعمال توفر دخلًا أسرع، وهو ما يؤثر على استمرار بعض الحرف الدقيقة».

التسويق قبل الدعم المادي
وتؤكد الدمرداش أن الحفاظ على الحرف التراثية لا يعتمد فقط على الدعم المادي، وإنما يحتاج أيضًا إلى تطوير آليات التسويق والترويج للمنتجات، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتقول: «لابد للجهات الداعمة أن تُقدّم دعما عينيا للحرفيين، مثل توفير وسائل لتسويق المنتجات، وخاصة الترويج عبر منصات التواصل الاجتماعي التي قد يكون كثير من الحرفيين بعيدين عن استخدامها».
وتابعت: «كما يحتاج الحرفي إلى من يساعده في تغليف المنتجات وتوفير احتياجات المشروع الفعلية من خلال دراسة دقيقة لاحتياجاته».
وتشير إلى وجود إقبال من بعض الشباب على تعلم الحرف التراثية من خلال المدارس التكنولوجية وورش التدريب المتخصصة، إلا أن الحرفيين ما زالوا بحاجة إلى من يساعدهم في التسويق والتغليف والوصول إلى أسواق جديدة.
كما تؤكد أن دور غرفة الحرف اليدوية لا يقتصر على الحفاظ على حرفة النحاس وحدها، بل يمتد إلى دعم مختلف الحرف التراثية وتوفير خدمات متنوعة للعاملين بها، من بينها التأمين الصحي وبرامج التدريب.
هل يجد النحاس وريثًا؟
مع تقدم أغلب الحرفيين في العمر، وابتعاد أبنائهم عن الصنعة، وتراجع أعداد المتدربين الجدد، واتجاه عدد كبير من الصنايعية إلى مشروع التوك توك الأسرع ربحًا، تبدو المهنة في حاجة إلى أدوات جديدة للتسويق تتيح الترويج للمنتجات بصورة تدر ربحًا وتحقق عوائد كبيرة، وإلى جيل جديد يتوارث المهنة ويطورها ويضيف إليها حتى تظل حرفة النحاس حرفة رائدة لعقود طويلة قادمة.