يعيد المركز القومي للترجمة التذكير بكتاب "جغرافيات مختلفة.. كرسي الإسكندرية والتابعون والاغتراب الحداثي"، للمؤرخ جوشوا تي. جورجي، وترجمة جرجس يوسف، ليضع بين يدي القارئ دراسة عميقة تتجاوز حدود التاريخ الكنسي التقليدي إلى قراءة أوسع للجغرافيا والسياسة والهوية.
يتناول الكتاب التكوين الكنسي الأرثوذكسي للكرسي البابوي السكندري المناهض لمجمع خلقيدونية وتوابعه، عبر امتداد قرنين كاملين؛ الثامن عشر والتاسع عشر، وهي مرحلة تشكلت خلالها جغرافيا دينية وسياسية خاصة امتدت بين مصر والحبشة، لتكشف عن شبكة معقدة من العلاقات التي جمعت بين الأقباط المصريين والأثيوبيين الأحباش الأرثوذكس، كما ترصد أنماطًا متعددة من التفاعل بين المسيحيين والمسلمين، وبين الرهبان والبدو، في فضاء واسع تشابكت فيه العقائد بالمجتمعات، والدين بالواقع اليومي.
ولا يقف الكتاب عند حدود السرد التاريخي، بل يتتبع عبر فصوله التحولات السياسية التي فرضتها الدولة العثمانية والقوى الأوروبية، وكيف امتد تأثيرها إلى المناطق البعيدة، فأعادت تشكيل العلاقات بين الجماعات الدينية، ورسخت أنماطًا جديدة من التنظيم الطائفي والمؤسسي والإقليمي، بما أفضى إلى ظهور ثنائيات ثقافية، وأقليات قومية، وكنائس وطنية، في مشهد يعكس تعقيدات الانتقال إلى العصر الحديث.
كما يسلط المؤلف الضوء على ما يسميه "عولمة الكرسي البطريركي للإسكندرية"، بوصفها إحدى السمات البارزة للعصر الحديث، موضحًا كيف تجاوز هذا الكرسي حدوده المحلية ليصبح فاعلًا في فضاء ديني وجغرافي أكثر اتساعًا، في قراءة تربط بين التاريخ الكنسي والتحولات العالمية، وتمنح القارئ منظورًا جديدًا لفهم تشكل الهويات الدينية والسياسية في المنطقة.