تعرض الاقتصاد المصرى على مدى العقد الأخير لسلسلة من الصدمات المتتالية التى هزّت استقراره وأعاقت نموه، والتى بدأت بتعويم الجنيه عام 2016 وما تبعه من انخفاض حاد فى قيمته وارتفاع فى مستويات التضخم، ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتعمّق الأزمة بانكماش اقتصادى وتراجع فى إيرادات السياحة والصادرات. وتزايدت حدة هذه الضغوط مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية فى 2022، والتى رفعت أسعار الغذاء وأرهقت احتياطى العملة الصعبة. وفى أكتوبر 2023، جاءت حرب غزة لتلقى بظلال ثقيلة على الاقتصاد المصرى، وتؤثر على إيرادات السياحة وقناة السويس ونمو الناتج المحلى. وفى 2024 شهد الجنيه تعويمًا ثانيًا أفقده نحو 40% من قيمته. وترافق ذلك كله مع تضخم الدين الخارجى من 46 مليار دولار عام 2014 إلى أكثر من 160 مليارًا عام 2025، وارتفاع تكلفة خدمته إلى أكثر من نصف الإنفاق العام المتوقع فى موازنة 2025/2026، وهو ما دفع الاقتصاد إلى المزيد من إجراءات التقشف والضغوط المالية المتصاعدة.
• •
فى خضم هذه العواصف الاقتصادية المتلاحقة، واشتداد وطأة الاختناقات المالية، برزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج كأحد روافد الصمود الاقتصادى، وكشريان حياة يضخ السيولة فى جسد اقتصاد أنهكته الأزمات؛ لتعيد إليه بعضًا من عافيته، وترمم ما تصدّع من توازنه، وتثبت من جديد أن إنسان هذا الوطن هو أثمن موارده وأقواها حضورًا فى لحظات الشدة. فبينما تذبذبت عوائد السياحة، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية، وتقلصت تدفقات المحافظ المالية، ظل ملايين المصريين المغتربين يمدون أيديهم بالعطاء ويبنون جسور الدعم؛ لتغدو تحويلاتهم أحد أكثر مصادر النقد الأجنبى ثباتًا ونموًا. ويشير بيان البنك المركزى فى 23 يوليو 2025 إلى أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج قد بلغت نحو 32.5 مليار دولار فى الفترة من يوليو إلى مايو من العام المالى 2024/2025، بزيادة تتجاوز 69.6% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق. ووفقًا لبيان البنك المركزى فى 17 نوفمبر 2025، فقد تجاوزت قيمة التحويلات حاجز الثلاثين مليار دولار فى الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بارتفاع يقارب نحو 45.1% عن الفترة ذاتها من العام السابق.
وتنبع أهمية هذه التحويلات من أنها تتدفق مباشرة عبر القنوات الرسمية للجهاز المصرفى؛ ما يعزز الاحتياطى النقدى الأجنبى ويمنح الدولة القدرة على سد الفجوات التمويلية بفعالية فورية. كما أنها تمثل موارد غير مديونة، خالية من أعباء الفوائد أو الالتزامات المستقبلية، ما يجعلها أداة حاسمة وبالغة الأهمية فى وقت تتفاقم فيه أعباء الدين الخارجى. وقد ساهمت هذه التحويلات فعليًا فى تعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، حيث ساعدت فى تمويل أقساط وفوائد الدين الخارجى، لا سيما خلال الربع الأول من العام المالى 2024/2025، والتى اقتربت من 8 مليارات دولار.
وبالإضافة إلى ذلك، تلعب هذه التحويلات أدوارًا أخرى فى دعم الاقتصاد من خلال تعزيز الإنفاق الأسرى الذى يحفز النمو الاقتصادى، ويرفع مستوى المعيشة لملايين الأسر. وبهذا، يؤكد أبناء مصر المغتربين، مرة تلو الأخرى، أنهم رغم المسافات أحد أبرز أعمدة الصمود الاقتصادى حين تتعاظم التحديات.
• •
على الرغم من هذا التأثير الحيوى لتحويلات المصريين بالخارج فى دعم الاقتصاد الوطنى خلال الأزمات، فإننا نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة تكمن فى التراجع المستمر للاستثمار الحقيقى فى بناء الإنسان المصرى، الذى هو نفسه مصدر هذه التحويلات. فللأسف، تُظهر التقارير الاقتصادية أن الإنفاق على التعليم قد انخفض على مدار السنوات الخمس الماضية من 2.3% من الناتج المحلى الإجمالى فى 2020/2021 إلى 1.7% من الناتج المحلى الإجمالى فى ميزانية 2024/2025، وهو أدنى مستوى فى خمس سنوات، وأدنى بكثير مقارنة بالعام 2014/2015 حيث كان 3.9% من الناتج المحلى الإجمالى، رغم الالتزام الدستورى بتخصيص نسبة لا تقل عن 6% من الناتج المحلى الإجمالى للتعليم (بما فى ذلك 4% على التعليم قبل الجامعى). وانعكس هذا التراجع على جودة التعليم، من خلال تناقص أعداد المعلمين، واكتظاظ الفصول الدراسية فى المدارس الحكومية، وتدهور بيئة التعليم بشكل عام، حتى أصبحت مصر، بحسب مؤشرات التعليم والبحث العلمى الإقليمية والدولية، فى مراتب متأخرة مقارنة بدول أقلّ موارد.
ولا يختلف الأمر كثيرًا فى قطاع الصحة، حيث استقر الإنفاق الحكومى الفعلى عند مستوى أقل من نصف النسبة المقررة دستوريًا، وبنسبة أقل من المعدلات الدولية للدول ذات التصنيف الاقتصادى المماثل، ما أدى إلى تردى حالة المستشفيات والوحدات الصحية، لا سيما فى المناطق الريفية، وافتقارها لأبسط المعدات والأدوية، لينعكس ذلك سلبًا على جودة الخدمات الطبية ومستوى الرعاية المقدمة للفئات الأكثر احتياجًا، ويلقى بعبء ثقيل على كاهل المواطن العادى الذى اضطر إما لتحمل تكاليف باهظة فى المستشفيات الخاصة أو الانتظار فى طوابير طويلة تفتقر إلى أبسط معايير الكرامة الإنسانية.
• •
هكذا، فنحن أمام مفارقة مأساوية يتجسد فيها إهدار متعمد واستنزاف صارخ لاستدامة هذا المورد التمويلى الحيوي؛ ففى الوقت الذى يزداد فيه الاعتماد المالى للاقتصاد المصرى على تحويلات المغتربين لسد الفجوات التمويلية، نجد أن الحكومة نفسها تقوّض هذا المورد بإهماله وتهميشه والحدّ من الاستثمار فى بناء الإنسان المصرى، وهو الأصل الذى ينبثق منه هذا المورد. وهنا يطفو سؤال جوهرى على السطح: كيف إذن يمكن أن يستمر تدفق هذه التحويلات مستقبلًا، فى الوقت الذى يظل فيه المصرى فى الداخل محرومًا من التعليم الجيد الذى يطلق العقل، ومن الرعاية الصحية الكافية التى تحفز الإبداع وترفع الإنتاجية، ومن فرص التنمية الذاتية التى تؤهله ليكون قادرًا على المساهمة الفعالة فى دعم الاقتصاد الوطني؟ إنها معادلة مستحيلة؛ فكيف لشجرة أن تثمر وهى عطشى، وكيف نهمل رعاية الجذور ثم نشتكى قلة الثمر؟!
وفى الواقع، إن الاستمرار فى الاعتماد على تحويلات المصريين بالخارج ليس أصلًا سوى مسكن مؤقت يخدر الألم ويخفى عمق الأزمة ولا يعالجها. فهذه التحويلات، رغم دورها الحالى فى سد الثغرات التمويلية، قد تتحول إلى فخ اعتمادى خطير، يرسخ اختلالات الاقتصاد ويطيل عمر أزمته الهيكلية. والحقيقة الجوهرية التى يجب أن نعيها بكل وضوح وجرأة هى أن الخيار الاستراتيجى الحقيقى والوحيد يكمن فى الاستثمار طويل الأمد فى بناء رأس المال البشرى، ذلك الاستثمار الذى يمكن أن يحول الاعتماد الهش على التحويلات إلى نمو داخلى ومستدام، فيخلق بنيانًا اقتصاديًا متين الأركان تنبثق قوته من داخله لا من خارجه.
وتحقيق هذا التحول يتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا يضع الإنسان فى قلب أولوياته، من خلال تعليم يحرر العقل ولا يقيد الموهبة ويحفز الإبداع، ورعاية صحية تمنح المجتمع قوة العمل القادرة على الإنتاج والعطاء، وبيئة ابتكار توفر المناخ الخصب للأفكار لتنمو وتتحول إلى مشاريع تدفع عجلة التقدم الاقتصادى. عندئذٍ فقط، ستحتفظ مصر بثرواتها البشرية، التى هى أولى بهم من غيرها، ويتوقف نزيف الكفاءات والمواهب، ويتحول الاقتصاد من وضعه الهش المتأرجح بين إنقاذ ظرفى مؤقت وأزمة مستمرة، إلى مسار تنموى مستقر.
وعندما نُدرِك - بالفعل لا بالقول - أن ثروة الوطن الحقيقية ليست فى أرقام التحويلات، بل فى أرقام العقول المبدعة التى تُنتجها الأرض المصرية، سنفهم أن الصمود الحقيقى فى وجه العواصف الاقتصادية يبدأ من وطن يصون قيمة أبنائه، ومن أبناء يدركون قيمة بنائه، ليلتحم الجميع فى كيان واحد لصناعة مستقبل مستدام تصبح فيه أعظم تحويلات المصريين لوطنهم ليس أموالًا من الخارج بل جهدًا وعلمًا وابتكارًا يصنعون به مستقبل بلدهم على أرضه.
أستاذ اقتصاديات التنمية