عن جموح العقل الأمنى - فهمي هويدي - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 12:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

عن جموح العقل الأمنى

نشر فى : الخميس 4 ديسمبر 2014 - 8:05 ص | آخر تحديث : الخميس 4 ديسمبر 2014 - 8:05 ص

التصريحات التى أدلى بها الرئيس عبدالفتاح السيسى للصحفيين الشبان الذين التقاهم أمس الأول (الثلاثاء 2/12) كانت إيجابية ومطمئنة إلى حد كبير. لكن الممارسات التى تتم على أرض الواقع تبدو ماضية فى اتجاه آخر لا يعكس لغة الخطاب التى تبناها فى ذلك اللقاء أو غيره. وهى ملاحظة إذا صحت فإنها تثير بعض الأسئلة التى تفتح الأبواب لدرجات مختلفة من الحيرة والبلبلة.

فى أحد البرامج التليفزيونية التى جرى بثها مساء الثلاثاء قال صحفى من الذين حضروا اللقاء إن الرئيس السيسى فوجئ بما سمعه عن إيقاف الإعلامية عايدة سعودى العاملة بالإذاعة المصرية، بسبب تعليقها على خبر تبرئة الرئيس الأسبق حسنى مبارك وأعوانه، وقولها إنه إذا جاز للبعض أن يفرح لذلك فمن حق الذين صدمهم الخبر وأحزنهم أن يعبروا عن رأيهم أيضا. واستنكرت فى كلامها قمع المظاهرات التى خرجت معبرة عن ذلك الموقف الأخير. ومن الواضح أن الرئيس أصدر تعليماته بإعادتها إلى عملها وإلغاء القرار التأديبى الذى اتخذ بحقها، وهو ما تم على وجه السرعة فى مساء اليوم ذاته.

لحسن حظ المذيعة أن الرئيس التقى الصحفيين فى اليوم التالى لإيقافها عن العمل، وأن بين الصحفيين الشبان من نقل إليه قصتها. الأمر الذى يعنى أن إيقافها كان يمكن أن يستمر إلى أجل غير معلوم، وأن مستقبلها فى الإذاعة كان يمكن أن يتهدد، لو أن مثل تلك المصادفات لم تحدث.

ولأن الأمر حكمته المصادفة، فلست أشك فى أن الرئيس لم تصل إلى مسامعه قصة طالب الثانوى الذى فصل لأنه انتقد تبرئة مبارك فى الإذاعة المدرسية بالدقهلية. ولا قصة الشخص الذى ألقى القبض عليه حين حـَّدث ركاب مترو القاهرة عن أن تبرئة مبارك تستفز الرأى العام المصرى ودعا إلى التظاهر استنكارا لها.

وإذا كانت مواقع التواصل الاجتماعى قد تناقلت مثل تلك الأخبار. فإننا لا نستبعد تكرار الإجراءات القمعية ذاتها بحق آخرين استشعروا الغضب والمهانة حين تمت تبرئة مبارك وأعوانه. الأهم من ذلك أن السلوك القمعى سواء من جانب أدوات السلطة أو من الذين نصبوا أنفسهم حرسا للنظام ليس مقصورا على الموقف من قضية مبارك وحدها، وإنما هو سمة عامة لنهج التعامل مع أصحاب الرأى الآخر فى الأجواء الراهنة. وهو ما يستدعى ذات الأسئلة الحائرة حول مدى علم الرئيس بما يجرى، وما إذا كان ذلك يعبر عن سياسة للنظام القائم، أم أنه ينسب إلى المؤسسة الأمنية، أم أنه منسوب إلى بعض الأجنحة دون غيرها داخل السلطة والمؤسسة المذكورة، إلا أنه فى كل أحواله يظل منسوبا إلى النظام ولا يعفى رئيس الدولة من المسئولية، حيث يفترض أنه هو من اختار فريقه الذى اختط ذلك النهج، كله أو بعضه.

إذا ذهبنا إلى أبعد فى التحليل فسنجد أن هيمنة العقل الأمنى تمثل إحدى مشكلات الساعة فى مصر. ونحن نلمس شواهد تلك الهيمنة فى العديد من الإجراءات والخطوات التى اتخذت، بدءا من إصدار قانون تقييد حق التظاهر. إلى توسيع اختصاص المحاكم العسكرية، مرورا بإجراءات ملاحقة منظمات المجتمع المدنى والتعديلات التى اقترحت على قانون تنظيم الجامعات.. إلخ. وإذ يتضخم الملف الأمنى على ذلك النحو، فإن هامش السياسى يبدو ضئيلا ومتصاغرا. الأمر الذى لم يؤد إلى تراجع سقف الحريات العامة فحسب، وإنما اقترن ذلك أيضا بارتفاع منسوب الانتهاكات والإجراءات القمعية. وما جرى للإذاعية عايدة سعودى مجرد رمز ونموذج مخفف للغاية لنهج القمع السائد، فى حين أن النموذج أكثر وضوحا وأشد بطشا فى الجامعات. ولدى المنظمات الحقوقية المستقلة الكثير الذى يمكن أن يستشهد به فى هذا الصدد.

إن الإساءات التى تصدر عن خصوم النظام مفهومة ومقدور عليها فى نهاية المطاف. لكن الإساءات التى تأتى من داخل النظام ذاته، من بعض مؤسساته وحراسه، تمثل مشكلة حساسة للغاية. أزعم أنها أخطر وأكثر تعقيدا. لا تتوافر لدينا أدلة تؤيد ذلك التحليل، لكننا نستند إلى قرائن من قبيل مفارقة نموذج الإعلامية الذى سبقت الإشارة إليه، وإلى روائح نشمها ولغط نسمعه يعطى انطباعا بأن ثمة أوضاعا وأوراقا بحاجة إلى إعادة ترتيب فى طوابق السلطة العليا. لكن كل ذلك لا يغير من حقيقة الثمن الفادح الذى يدفعه المجتمع والجراح الدامية التى أصابته، جراء تغييب السياسة فيه، والخطيئة الكبرى المترتبة على التعويل على المؤسسة الأمنية فى صياغة حاضر مصر ومستقبلها. خصوصا فى ظل ثورة ممارسات تلك المؤسسة وكبح جماحها من أسباب اندلاعها.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.