أمريكا وثورات المصريين - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 6:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


أمريكا وثورات المصريين

نشر فى : الجمعة 5 يوليه 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 5 يوليه 2013 - 8:00 ص

مثلت وما زالت الثورات المصرية صدمة لأركان الحكم فى واشنطن، وذلك لفجائيتها، ولارتباط لفظ الثورة بالتجربة الإيرانية التى آلمت واشنطن كثيرا.

 

وضاعف من صدمة الموجة الأخيرة من الثورات المصرية عدم القدرة على توقعها بهذه السرعة ولكونها كانت بحجم واتساع يفوق أى توقع. ولهذا لم يكن مستغربا وصف نيكولاس بيرنز، نائب وزير الخارجية الأسبق، ما نشهده حاليا فى منطقتنا العربية على أنه زلزال كبير يراه الأهم منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ونصح الإدارة إدارة الرئيس بارك أوباما بأن تعيد حساباتها بصورة كاملة بما يتواءم مع هذه التغيرات الجارية.

 

●●●

وتعود علاقات أمريكا مع ثورات المصريين إلى تجربة 23 يوليو 1952، فبعد سيطرة القوات المسلحة المصرية على مراكز القوة فى مصر صبيحة 23 يوليو 1952، توجه مندوب خاص عن مجلس قيادة الثورة إلى السفير الأمريكى فى القاهرة جيفرسون كافرى، وأبلغه رسالة مضمونها أن «النظام القديم فى مصر قد سقط، وأن نظاما ثوريا جديدا قد قام لتحقيق الأمانى الوطنية للشعب المصرى». وحاولت واشنطن التأكد من عدم وجود ميول شيوعية لدى القيادة المصرية الجديدة، وعرضت تقديم مساعدات مالية واقتصادية. ثم حاولت واشنطن عن طريق وزير خارجيتها، جون فوستر دالاس، أن تجذب مصر إلى صفها فى حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتى، إلا أن مناقشات دالاس مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حول الأحلاف العسكرية أظهرت هوة بين أفكار القاهرة وتصورات واشنطن. فواشنطن أرادت أن تنضم مصر إلى مجموعة حلف بغداد، والقاهرة أرادت القضاء على بقايا الاستعمار وإنهاء سياسة الأحلاف فى المنطقة.

 

ورغم الدور القيادى لمصر فى تأسيس تجمع دول عدم الانحياز ليكون البديل الثالث أثناء الحرب الباردة، إلا أن مصر وقفت عمليا فى صف الاتحاد السوفييتى، ونشأت علاقات خاصة بين الدولتين كان محورها علاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة، كان حجر أساسها الواضح قيام الاتحاد السوفييتى بتوفير السلاح والتدريب للجيش المصرى.

 

وخلال عام 1956، ورغم الخلاف حول تمويل بناء السد العالى، ساندت واشنطن موقف مصر فى مواجهة العدوان الثلاثى على أراضيها من جانب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. وأسهم الموقف الأمريكى، مع الموقف السوفييتى، فى إنهاء هذا العدوان. وفقا لعدد من المقربين من عبدالناصر، فقد كان الرئيس مقتنعاً أن مشكلة واشنطن الفعلية تكمن فى رغبتها فى «قلب نظام الحكم فى مصر منذ عام 1965 لأن هدفهم الاستراتيجى هو إسقاط جميع الحكومات التقدمية العربية».

 

●●●

ثم جاءت ثورة 25 يناير لتختبر اتهامات الشعب المصرى لواشنطن بالازدواجية وتناقض المواقف، فمن ناحية كانت واشنطن تدعى دعمها للحريات والديمقراطية إلا أنها فى الواقع كانت تدعم نظاما استبدايا ديكتاتوريا. وحاولت إدارة أوباما تغليف موقفها بمزيد من الدبلوماسية العامة، فمن ناحية أعلنت تأييدها لتطلعات الشعب المصرى فى الحرية والديمقراطية، إلا أن إدارته انتظرت حتى تيقنت من رحيل مبارك، قبل أن تعلن وقوفها مع مطالب الشعب المصرى. وبعد سقوط مبارك حاولت واشنطن المحافظة على نفوذها التقليدى عن طريق احتواء هذه النظم الديمقراطية الوليدة، وعدم السماح بتغيير كبير فى السياسات، والاكتفاء بتغيير بعض رموز نظم الحكم.

 

وكان لغياب الشعارات المعادية لأمريكا عن ميدان التحرير، وبقية ميادين مصر دافعا لأن يذكر لرئيس الأمريكى باراك أوباما أن الثورات العربية تخدم مصالح واشنطن وتمنحها فرصة كبيرة، وتفتح آفاقا واسعة أمام الأجيال الجديدة فى الدول العربية، ووصف أوباما هذه الثورات فى خطابه الهام يوم 19 مايو 2011 بأنها رياح حرية هببت على المنطقة، وقال إن القوى التى أطاحت بالرئيس المصرى السابق حسنى مبارك يجب أن تتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

وعكست هذه الكلمات آمالا متزايدة فى واشنطن بأن المصريين بعد الثورة سيصبحون أكثر تأييدا لسياساتهم فى المنطقة، وأن شعبية الولايات المتحدة سترتفع نتيجة لنجاح الثورة المصرية.

 

●●●

ثم جاءت تطورات 30 يونيو وما تبعها لتعكس ارتباكا أمريكيا غير مسبوق فيما يتعلق بالشأن المصرى رغم مرور ما يقرب من عامين ونصف العام على بدء ثورة مصر.

 

ارتبك الموقف الأمريكى خصوصا بعد دخول القوات المسلحة على خط الأزمة، وخرجت تصريحات تشير إلى دعوة الرئيس محمد مرسى إلى إقرار انتخابات مبكرة. ثم تم التنصل من هذه التصريحات واستبدالها بأن إدارة أوباما تقول تحث مرسى على التفكير فى طريقة تسمح بإجراء انتخابات جديدة، إذا كان ذلك هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة.

 

ثم جاء تصريح مسئول رفيع يذكر «نحن لا نعرف إلى ماذا ستنتهى الأزمة السياسية كما لا نعرف الموقف المشترك الأساسى للمعارضة، نحن لسنا متأكدين من أنهم يعرفون ذلك».

 

ولعبت، ومازالت، عدة عوامل دورا كبيرا فى تعميق هذا الارتباك الذى برز فى محاولة تبنى موقف محايد، من أهمهما:

 

أولا: أن مصر الجديدة تشهد تزايد دور الرأى العام كمؤثر فى السياسات المصرية عقب بدء ثورة 25 يناير، وهو الأمر الذى كان غائبا طوال الثلاثين عاما إبان حكم مبارك، وهو ما قد يتعارض مع المصالح الأمريكية فى المنطقة. لذا خشيت واشنطن من أن يناصبها الشعب المصرى، أو أى قطاع كبير منه، العداء إذا ما أعلنت أى موقف آخر.

 

ثانيا: تزايد نفوذ القوى الإسلامية المعتدلة والمحافظة من إخوان وسلفيين، وزاد من أهمية هذا العامل أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الداخل المصرى فقط، وإنما تمتد لأغلب الدول العربية التى تشهد انتخابات حرة.

 

وتشير كل التجارب الأمريكية إلى خطأ حسابات واشنطن بما سيقدم عليه الشعب المصرى بعد بدء ثورات لم ترحب واشنطن أبدا بحدوثها.

 

خبير بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات