أن نتعايش مع الماء المالح - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 8:05 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أن نتعايش مع الماء المالح

نشر فى : الإثنين 9 سبتمبر 2019 - 11:05 م | آخر تحديث : الإثنين 9 سبتمبر 2019 - 11:05 م

الماء شرط ضرورى لحياتنا وحياة الكائنات ليس فقط لأن ثلثى أجسامنا أو أكثر هى ماء والأمر تقريبا هو نفسه بالنسبة لباقى الكائنات الحية نباتا أو حيوانا ولكن لأنه أيضا حاسم فى تحديد نوعية وجودة الحياة التى نعيشها. ويظهر لنا التاريخ كيف أن الحضارة بدأت فى تطورها الكبير بسبب التغير المناخى الذى تلى العصر الجليدى المتأخر والذى اعتاد البشر قبله على القنص وجمع الثمار من الغابات كوسيلة للحياة ثم تحولت تلك الغابات تدريجيا إلى صحراء جرداء واضطر البشر إلى الهجرة إلى المناطق القريبة من مسطحات الماء العذبة الدائمة وخاصة الأنهار الكبرى مثل دجلة والفرات والنيل وابتكر أسلافنا الزراعة التى أطلقت الثورة الحضارية الأولى للبشرية منذ حوالى سبعة آلاف عام. وانتظمت الحياة وتطورت الحضارة فى مصر القديمة وحتى العام الثالث والستين من القرن العشرين حول الفيضان السنوى.
لم يكن وجود الماء كافيا فى حد ذاته لإبداع الحضارة الإنسانية ولم يكن محصورا فى الأساطير والتصورات الأولى عن الخلق كما فى أساطير مصر القديمة ولكن كان للتقنيات الخاصة بالتحكم فى الرى دور كبير فى تحقيق تقدم هائل فى مساحة المزروعات وكمية المحصول. وكانت البداية باختراع رى الحياض ثم أدوات الرى مثل الشادوف ثم اختراع الساقية منذ أكثر من ألفى عام وكان التحكم فى الرى هو الوسيلة الرئيسية التى يمكن من خلالها زراعة محاصيل تنتج من الوفرة ما يمكن من إنشاء العمارة الضخمة والمبهرة بما تطلبته من عمل دام أحيانا عقودا من الزمن. وكان التحكم فى النيل أيضا أحد الأسباب التى مكنت الملك نارمر موحد مصر العليا والسفلى من إقامة مدينة منف العاصمة الأولى لمصر والتى استمرت فى مكانها تتزحزح وتتمدد وتتقلص مع النيل لما يقرب من ثلاثة آلاف عام والتى ما زال الجزء الأكبر من بقاياها فى انتظار أن يتم الكشف عنه والتعرف على ما يحمله.
***
فى بداية القرن الثامن عشر أدرك محمد على بعقله الكبير أن حسن إدارة مياه النيل هو وسيلته الأساسية لخلق أراضٍ جديدة وزيادة إنتاجية الأراضى القديمة فشرع فى حفر الترع والقنوات وأقام القناطر الخيرية للتحكم فى مياه النيل المنطلقة إلى أراضى الدلتا. واستكمل أولاده من بعده تلك السياسة واستمروا فى تحسين التحكم فى الماء القادم إلينا عبر النيل فكان خزان أسوان وتعليته فى مطلع القرن العشرين ثم تتابعت القناطر المختلفة من نجع حمادى واسنا جنوبا وحتى إدفينا وزفتى شمالا. ومع التحول السياسى فى يوليو 1952 قرر عبدالناصر أن يقوم بعمل حاسم فيما يخص السيطرة على مياه النيل وكان أن انتهى الفيضان فى عام 1963 كإحدى النتائج الرئيسية لبناء السد العالى وبنهاية الفيضان انتهت الدورة الطبيعية لمياه النهر والتى استمرت ربما مئات الآلاف من السنين. ومنذ منتصف التسعينيات من القرن السابق تقريبا لم تعد تطلق أى كمية من المياه العذبة لتقابل مياه البحر المالحة فى البحر المتوسط وتحول جزء بطول أكثر من أربعة عشرة كيلومترا من النيل إلى نهر بمياه البحر وأصبحت مدينة رشيد وتوابعها تطل على البحر ليس فقط إلى الشمال والغرب ولكن إلى الشرق أيضا.
أثر التحول الهائل فى الدورة الطبيعية لمياه نهر النيل والتى أوجدت الحياة والحضارة فى مصر منذ آلاف السنين على كل شىء فى رشيد وخاصة النشاطين الرئيسيين للناس هناك وهما الزراعة وصيد الأسماك. ويمكن الاطلاع على دراسة الدكتوره آمال شاور والباحثة منى حسين لرؤية التحولات التى حدثت على المكان منذ الحملة الفرنسية وحتى وقت قريب.
وبينما تشير الدراسات العديدة بشأن التغير المناخى عن منطقة الدلتا منذ منتصف التسعينيات وبداية الألفية الثالثة لتحديات كبيرة يواجهها الساحل الشمالى للدلتا عامة تشير البيانات الأخيرة التى لدينا لمنطقة رشيد تحديدا أن المناطق التى ظهرت فى خريطة 1947 كمناطق يغمرها البحر شتاء ستكون من أولى المناطق التى يستردها البحر بسبب ارتفاع منسوبه بالإضافة إلى مناطق أخرى عديدة. وسيرفع هذا الهجوم لماء البحر ليس فقط الماء الظاهر ولكن أيضا المياه الجوفية المالحة بمعدل أكبر لكى يزيد من خطورة المشكلة القائمة والخاصة بالملوحة العالية للتربة. سيحيط الماء المالح برشيد إذا ليس من الغرب والشمال والشرق فقط ولكن أيضا من أسفل منها.
***
ببساطة لن يكون هناك مهرب من الماء وسيكون الخيار الأوضح والأسلم أن نتعايش مع الماء المالح ولكن العيش مع الماء المالح هو ما لم نألفه وهو قد يختلف كثيرا عن العيش مع الماء العذب وسيكون علينا أن نتدبر كيف يمكن أن نقوم بذلك لكى نمكن قاطنى المناطق الأكثر عرضة للتأثيرات الضارة للتغيرات المناخية أن يستمروا فى العيش بسلام فى المستقبل. وبالرغم من كون ذلك تحديا كبيرا على المستوى البيئى والاقتصادى بل والاجتماعى أيضا فإن هذه التحديات يمكن النظر إليها أيضا كفرص للتنمية والتقدم وهذا التحدى ليس خاصا بنا وحدنا ولكنه عالمى وإن بدرجات متفاوتة. التحدى والسؤال الخاص بالماء فى مصر هو أن نعمل باستخدام قدراتنا ومواردنا المحلية للإعداد لهذا التحول الكبير واعتقادى المبنى على دراسات أولية بدأت منذ سنوات قليلة أنه من الممكن التعامل مع هذا التحدى على أن نبدأ من الآن.

التعليقات