حكاية نعوم شبيب الذى صمم برج القاهرة - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الإثنين 29 نوفمبر 2021 2:06 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

حكاية نعوم شبيب الذى صمم برج القاهرة

نشر فى : الأحد 10 مايو 2020 - 9:00 م | آخر تحديث : الأحد 10 مايو 2020 - 9:00 م

صباح الثلاثاء الماضى نشر حساب تابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية المعروف بـ«إسرائيل بالعربى» تغريدة عنوانها: «برج القاهرة من تصميم وبناء معمارى يهودى».
وفى تفاصيل التغريدة جاء الآتى:
«لا يوجد مواطن مصرى أو زائر إلى مصر لا يعرف برج القاهرة، لكن ما لا يعرفه كثيرون، أن من مصمم ونفذ هذا البرج، هو المهندس اليهودى المصرى نعوم شبيب، الذى يعد أحد أهم رواد العمارة المصرية الحديثة».
التغريدة أثارت ردود فعل واسعة على تويتر.
من الواضح أن القائم على حساب «تويتر» فى الخارجية الإسرائيلية، يشعر بالملل من فيروس كورونا والتباعد الاجتماعى، ولذلك بدأ ينبش فى الأرشيف القديم معتقدا أنه اخترع العجلة!.
التغريدة الإسرائيلية ليست بريئة، بل لها العديد من الأهداف الخبيثة، شأن العديد من السياسات والممارسات الصهيونية.
وبعيدا عن التحوير والتأويل الإسرائيلى فإن من ساهم فى تصميم البرج هو نعوم شبيب. باعتباره مهندسا معماريا مصريا وليس بصفته الدينية كيهودى. ولو قمنا بتصنيف المصممين والمبتكرين، فى العالم على أساس دينهم، فسوف ندخل جميعا فى فتن دينية وطائفية بلا نهاية.
ومساء اليوم نفسه قابلت بالمصادفة الصديق والكاتب إميل أمين، الذى قال لى، إن شبيب ليس يهوديا، بل ينتمى إلى طائفة الروم الكاثوليك. قلت له وحتى لو كان يهوديا، فهو فى النهاية مصرى، وليس لدينا مشكلة ولا ينبغى أن تكون مع الدين اليهودى واليهود، بل مشكلتنا مع الصهيونية التى احتلت فلسطين وشردت شعبها، وتمارس البلطجة على سوريا ولبنان وما تزال.
نعوم شبيب مواطن مصرى ولد عام ١٩١٥ وتخرج فى كلية الهندسة جامعة القاهرة عام ١٩٣٧. وساهم مع كثيرين فى تصميم برج القاهرة الذى بدأ بناؤه عام ١٩٥٩، وانتهى عام ١٩٦١.
كثيرون ــ ومنهم كاتب تغريدة الخارجية الاسرائيلية ــ ربما لا يعرفون أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت أن تستميل جمال عبدالناصر ونظام يوليو ١٩٥٢، وقدمت لهم خمسة ملايين دولار، فوجهها عبدالناصر لبناء برج القاهرة ليصبح رمزا وقتها على رفض الهيمنة الأمريكية، وبعدها بدأت العلاقات تتوتر، ورفضت أمريكا تمويل السد العالى، بل وحرضت البنك الدولى على ذلك، وكانت تلك بداية العلاقات المتميزة بين مصر والاتحاد السوفييتى.
من كتب التغريدة الإسرائيلية لم يلاحظ أن مصر لم تفرق بين أحد من أبنائها على أى أساس دينى. فشبيب كان يهوديا، ورغم ذلك هو من صمم البرج، وهى شهادة حق لمصر بأنها لم تبادر باتخاذ أى موقف من اليهود باعتبارهم يهودا.
إسرائيل هى من بادرت وارتكبت كل الجرائم لكى تجبر يهود مصر للهجرة إليها ووصل الأمر إلى تفجير بعض التجمعات اليهودية فى القاهرة، للايحاء بأن الحكومة المصرية هى من فعلت ذلك!!.
ظنى أن ثورة يوليو كان ينبغى عليها ألا تقع فى الشرك الصهيونى بفتح المجال لهجرة يهود مصر وتحافظ عليهم لكن علينا أن نناقش ذلك فى ظل الظروف التى كانت موجودة وقتها.
شبيب لم يصمم فقط برج القاهرة، بل ساهم فى تصميم العديد من الأبراج السكنية والمبانى التجارية والمدارس والكنائس والمصانع. وحينما هاجر عام ١٩٧٠، فإنه لم يتوجه إلى إسرائيل، كما فعل بعض اليهود، بل توجه إلى مونتريال بكندا التى مات ودفن فيها عام ١٩٨٥.
إذا نبوغ شبيب فى مصر، واستمراره حتى عام ١٩٧٠، هو شهادة بأنه لم يتم اضطهاده، وعاش كمصرى مثلما فعل العديد من اليهود ومنهم أسماء معروفة ظلوا هم وعائلاتهم مستمرون فى مصر مثل المحامى المصرى المعروف شحاتة هارون وبعض أفراد عائلته.
إسرائيل تصدعنا، وتصدع العالم ليل نهار بأنها واحة الديمقراطية، فى صحراء الديكتاتورية بالمنطقة العربية. لكن المفارقة التى يعرفها الجميع، أنها ديمقراطية قاصرة فقط على اليهود، بل وعلى اليهود الغربيين فقط «الاشكنازى»، وليس كل اليهود خصوصا الشرقيين «السفارديم» أو الإثيوبيين «الفلاشا».
هى لا تنكر أنها قائمة على أساس دينى، وربما هى الوحيدة فى العالم التى تتباهى بذلك، ولذلك تسعى بكل السبل لتفتيت المنطقة على أسس طائفية حتى لا تكون وحدها تقريبا القائمة على أساس دينى، ومن المفارقات ان التنظيمات الاسلامية المتطرفة والإرهابية تساعدها فى نفس المخطط، سواء بجهل أو بعلم.
تغريدة الخارجية الإسرائيلية تذكرنا بالمحاولات الصهيونية المستميتة التى تحاول أن تنسب كل شىء فى المنطقة لليهود، من أول بناء أهرامات الجيزة، نهاية بأنهم مخترعو أكلة الطعمية «الفلافل» والزى الشعبى الفلسطينى.
وإذا كانت إسرائيل قد سرقت أرض شعب بالكامل هو فلسطين وتحتل الجولان ومزارع شبعا، فهل نستكثر عليها الادعاء فيما يتعلق ببرج القاهرة؟!.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي