مئوية الثورة الوطنية الديمقراطية فى مصر - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الخميس 14 نوفمبر 2019 8:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

مئوية الثورة الوطنية الديمقراطية فى مصر

نشر فى : الإثنين 11 مارس 2019 - 10:40 م | آخر تحديث : الإثنين 11 مارس 2019 - 10:40 م

يحتفل الشعب المصرى هذه الأيام بمناسبة عزيزة على قلب كل مواطن مصرى وطنى وفخور بوطنيته وانتمائه لهذه البلد العريق وهذا الشعب البطل والمجاهد على مر الزمن، ألا وهى ثورة الشعب المصرى عام 1919، والتى جرى العرف على إحياء ذكراها فى التاسع من مارس من كل عام.
وثورة 1919 من المنظور التاريخى، وتحديدا فى حقبة التاريخ الحديث، هى ثورة مزدوجة، أى جمعت من جهة بين كونها ثورة وطنية شعبية واسعة ضمت مختلف فئات الشعب المصرى ضد الاحتلال الأجنبى، البريطانى فى هذه الحالة، ومن أجل إنجاز مهمة التحرر الوطنى وتحقيق الاستقلال للشعب المصرى آنذاك بعد سبع وثلاثين عاما من الاحتلال الصريح وسنوات سابقة عليه من أشكال مختلفة لارتهان الإرادة الوطنية والخضوع للسيطرة الأجنبية والنفوذ الخارجى، ومن جهة أخرى بين كونها ثورة ديمقراطية سعت لإنهاء استبداد أسرة محمد على، التى حكمت مصر من عام 1805، من خلال الإصرار على إصدار دستور عصرى يمنح الضمانات ويصون الحقوق والحريات ويحدد السلطات ويحقق الفصل فيما بين سلطات الدولة الثلاث، وانتخاب برلمان وطنى على أساس مبدأ الاقتراع الحر والمباشر وتحويل الدولة المصرية إلى نظام ملكى دستورى.
وفى هذا الصدد، فإن ثورة 1919 المصرية مثلت بلا شك حلقة جديدة من حلقات الثورة الوطنية الديمقراطية الممتدة على مدى عقود، بل ربما قرون، فى مصر، وهى ثورة يعيد البعض بواكيرها وإرهاصاتها تاريخيا إلى الفترة السابقة على الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وتحديدا فى القرنين السادس عشر والسابع عشر، بينما يعيدها البعض الآخر إلى الحركة الوطنية الدستورية التى نشأت فى عهد الخديوى اسماعيل ثم تواصلت بعده فى عهد خلفه الخديوى توفيق، والتى تضمنت النجاح فى إصدار وثيقة دستورية متقدمة بمعايير ذلك الزمان وتأسيس مجلس نيابى، وتبلورت فى نهاية الأمر فى الثورة العرابية وتطوراتها وتداعياتها وصولا إلى هزيمة تلك الثورة على يد الاحتلال البريطانى وما عانته التجربة الديمقراطية الوليدة آنذاك من مصاعب، حتى قبل هذا حدوث الغزو البريطانى.
وفى كل الأحوال، وما بين التاريخين، شهدت الثورة الوطنية الديمقراطية للشعب المصرى حالات مد وجزر ما بين مرحلة تاريخية وأخرى، فبعد الاحتلال سادت حالة من العتمة والسواد على المشهد الوطنى المصرى أدت بدورها إلى حالة من التشاؤم بشأن إمكانية التحرر من الاحتلال واستعادة المسيرة نحو الديمقراطية، ولكنها بدأت تزول من خلال دعوات إما وطنية صرفة تتبنى مفهوم الاستقلال الوطنى أو عبر الحديث عن العودة إلى دائرة إسلامية أوسع، سواء فى سياق الخلافة العثمانية أو خارج عباءتها، وكذلك كان هناك من يدعو للتحديث أولا كسبيل للتأهل للاستقلال الوطنى، وكان لهذه المرحلة نجومها وفى مقدمتهم مصطفى كامل ومن بعده محمد فريد، وكان تأسيس الحزب الوطنى واستمراره علامة من علامات تلك المرحلة، وكان لهذا الحزب تحديدا دوره المهم فى ثورة 1919 فيما بعد. كما كان لكوادر الحزب الوطنى دورها المهم فى إطار التنظيم السرى المسلح الذى قام بمعمليات مقاومة مسلحة متفرقة ومحدودة مؤثرة فى سياق ثورة 1919، كان لها دورها فى إجبار قوة الاحتلال على التجاوب مع المطالب الوطنية، ولو بشكل جزئى فى تلك الحقبة.
أما على مستوى النتائج على المحورين الأساسيين لثورة 1919 الشعبية المصرية، أى الاستقلال الوطنى والتحول الديمقراطى، فيتعين القول إن المحصلة النهائية لم تتسم بالكمال أو الشمول فى تحقيق الأهداف التى سعى إليها الشعب من خلال ثورته الوطنية الديمقراطية.
فعلى صعيد القضية الوطنية، أو ما كان آنذاك يسمى بالمسألة المصرية، كان إعلان 28 فبراير 1922 الأحادى الجانب من طرف سلطة الاحتلال البريطانى قد منح مصر الاستقلال الاسمى والرسمى ووعد بمساعدتها على الانضمام إلى عضوية عصبة الأمم، التنظيم الدولى الذى نشأ فى أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولكنه طرح تحفظات أربعة كانت كفيلة بأن تجعل هذا الاستقلال، ولسنوات قادمة، مرورا بمعاهدة 1936 المصرية البريطانية ووصولا إلى اتفاقية الجلاء فى أكتوبر 1954، استقلالا منقوصا، وهى التحفظات المتعلقة بما اسماه البريطانيون «حق بريطانيا فى حماية المصالح الأجنبية والأقليات فى مصر»، وحماية مصر من أى غزو أو تدخل خارجى، والاحتفاظ بالدور البريطانى فى السودان، وتأمين طرق المواصلات للإمبراطورية البريطانية، وهو ما عنى من الناحية الفعلية استمرار السيطرة البريطانية على قناة السويس وعلى منطقة القناة ككل.
أما على صعيد النضال الشعبى من أجل الديمقراطية، وإن كانت ثورة 1919 قد حققت دستور 1923 الذى كفل الكثير من الحقوق والحريات الديمقراطية، كما أنها وفرت البنية التحتية لنظام ديمقراطى من خلال نظام سياسى قائم على التعددية الحزبية كما أدت إلى انتخاب برلمان من خلال صناديق الاقتراع، حصل حزب الأغلبية، حزب الوفد على الغالبية فى أول انتخابات له فى حياة «زعيم الأمة» سعد زغلول رئيس الحزب والذى تحول إلى رمز لثورة 1919 التفت حوله جماهير الشعب، ومن ثم قام سعد زغلول بتشكيل أول حكومة فى ظل دستور 1923. إلا أن الحقيقة هى أنه على مدى الفترة الممتدة من انتخابات 1924 وحتى انتصار ثورة الضباط الأحرار فى 23 يوليو 1952، لم يحكم حزب الوفد، حزب الأغلبية، سوى فترات لم تزد فى مجموعها عن السبع سنوات كثيرا، وهو الأمر الذى جسد إحدى أزمات النظام الديمقراطى التعددى فى تلك الحقبة. وانتهى الأمر بالكثير من العوار لهذا النظام السياسى بسبب تدخلات الملك وتجاوزه سلطاته الدستورية من جهة، وتحالفه مع أحزاب الأقلية، والتى كان معظمها انشقاقات عن حزب الوفد، من جهة أخرى، ثم التدخلات المتكررة من جانب سلطة الاحتلال البريطانى للتأثير على النظام السياسى المصرى. وفى المرحلة التالية على انتهاء الحرب العالمية الثانية، أثبت هذا النظام السياسى عجزه عن استيعاب قوى ومعطيات وأيديولوجيات جديدة كان لها تواجدها وتأثيرها المتزايد فى الشارع المصرى ولكن لم تجد الاعتراف أو المكان على صعيد النظام السياسى.
ولا يعنى ما تقدم أن أهداف ثورة 1919 الوطنية والديمقراطية لم تتحقق، بل تحققت جزئيا، ولكن الأهم أنه بفضل تلك الثورة عاشت مصر وشعبها فيما يسمى بالحقبة الليبرالية أو شبه الليبرالية فى تاريخ مصر الحديث، سواء على الأصعدة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية، وهى الحقبة التى أفرزت تجربة بنك مصر ومؤسساته، وأوصلت المرأة المصرية لمكانة غير مسبوقة، وأنجبت لمصر فى الفكر والآداب والفنون نجوما تلألأت فى سماء الوطن وأثرت الحياة الثقافية، ليس فقط فى الوطن المصرى، بل وعلى امتداد العالم العربى بأسره، لسنوات بل ولعقود تالية.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات