الاتفاق الإطاري السوداني بين المؤيدين والمعارضين - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الجمعة 26 أبريل 2024 8:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الاتفاق الإطاري السوداني بين المؤيدين والمعارضين

نشر فى : الثلاثاء 13 ديسمبر 2022 - 8:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 ديسمبر 2022 - 8:25 م
بعد نحو عام من السيطرة الكاملة للمكون العسكرى السودانى على مقاليد الحكم فى 25 أكتوبر 2021، وبعد سلسلة من الصراعات والمظاهرات والمناكفات مع المكون المدنى، أمكن التوصل إلى اتفاق سياسى إطارى بين المكون العسكرى وقطاع كبير من المكون المدنى. وأقيمت مراسم توقيع الاتفاق فى 5 ديسمبر 2022 فى القصر الجمهورى فى احتفالية بحضور دولى وإقليمى، خاصة من ممثلى القوى التى ساهمت بجهودها المكثفة فى التوصل إلى هذا الاتفاق. وبالتوازى مع مراسم واحتفال التوقيع على الاتفاق، صدرت عدة بيانات وقامت مظاهرات فى الخرطوم ومدن أخرى من عدة قوى سياسية تعترض على الاتفاق وتندد به وتعتبره مفروضا من الخارج على السودان ويخدم المكون العسكرى وأنصار نظام البشير السابق على حساب مبادئ ثورة 2019.
وقد وقع الاتفاق عن المكون العسكرى رئيس مجلس السيادة الانتقالى الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، ونائبه قائد قوات الدفع السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتى)، وعن المكون المدنى القادة المدنيون من تحالف الحرية والتغيير، وعدد من الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية. وشارك فى حضور مراسم التوقيع الآلية الثلاثية الدولية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى ومنظمة الإيجاد، والآلية الرباعية المكونة من السعودية والولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية، وبريطانيا، وكذلك ممثلون عن الاتحاد الأوروبى والبعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى السودان. وهذه المشاركة إما بحكم المساهمة فى التوصل إلى الاتفاق، خاصة بالنسبة للآلية الثلاثية الدولية والآلية الرباعية، وإما ليكونوا شهودا على توقيع الاتفاق.
وقد شمل الاتفاق مقدمة مبادئ عامة لترسيخ مبدأ العدالة والمحاسبة وآليات العدالة الانتقالية، ووضع حد للإفلات من العقاب. ويتضمن الاتفاق النقاط الأساسية التالية:
ــ التأكيد على تكوين جيش قومى مهنى موحد وملتزم بالعقيدة العسكرية الموحدة. وهذا يقتضى توحيد قوات الدفع السريع وقوات الميليشيات ودمجها فى الجيش الوطنى السودانى.
ــ إقامة سلطة مدنية كاملة دون مشاركة القوات النظامية فيها.
ــ تحديد فترة انتقالية مدتها 24 شهرا من تاريخ تعيين رئيس وزراء مدنى يترأس حكومة انتقالية، ويتم اختيار رئيس الوزراء من قبل قوى الثورة الموقعة على الاتفاق السياسى الإطارى.
ــ أن يكون رئيس الدولة المدنى هو القائد العام للقوات المسلحة.
ــ توسيع صلاحيات رئيس الوزراء فى الفترة الانتقالية.
ــ إطلاق عملية شاملة لصياغة دستور جديد.
ــ تنظيم عملية انتخابية شاملة فى نهاية الفترة الانتقالية، على أن يتم تحديد متطلبات الانتخابات والتحضير لها فى الدستور الانتقالى لتكون ذات مصداقية وشفافة ونزيهة.
ــ أن ينأى الجيش بنفسه عن السياسة، مع ضرورة إصلاح الأجهزة النظامية وتحديد مهامها.
ــ تفكيك نظام الرئيس السابق عمر البشير فى كافة مؤسسات الدولة.
ــ استرداد الأموال والأصول المتحصل عليها بطرق غير شرعية.
ــ مراجعة القرارات التى تم بموجبها إلغاء لجنة إزالة التمكين.
وأكد المكون العسكرى خروج المؤسسة العسكرية من العملية السياسية نهائيا والالتزام بالمهنية العسكرية والاعتراف بالقيادة السياسية للمدنيين، وحصر مهمة الجيش فى حفظ الأمن من المهددات الخارجية، وأن هدف الاتفاق إنهاء المناكفات بين المكونين المدنى والعسكرى. ودعا السلطة المدنية إلى احترام المهنية العسكرية، وعدم التدخل فى الشئون العسكرية الفنية، وتترك للقوات المسلحة مسئولية تحديد التفاصيل والأعمال المطلوبة لإنفاذ سياسات الأمن الوطنى. وأن ما حدث فى 25 أكتوبر 2021 كان خطأ سياسا نتيجة للخلافات بين مكونات المرحلة الانتقالية والاعتراف بممارسة سياسة خاطئة فتحت الباب لعودة قوى الثورة المضادة، والتنويه بأهمية إقرار العدالة الانتقالية لرد المظالم وشفاء الجروح وبناء مجتمع متعاف ومتسامح. والتأكيد على عملية إجراء إصلاحات عميقة فى المؤسسات العسكرية لبناء جيش مهنى قوى مستقل عن السياسة ويحمى النظام الديمقراطى. ودعا المجتمع الدولى إلى الاستمرار فى دعم ومساندة الانتقال فى السودان، وذلك بإكمال رفع العقوبات وإزالة آثارها، ورفع تعليق عضوية السودان فى الاتحاد الأفريقى، والوفاء بالدعم الاقتصادى والتطبيع مع المؤسسات المالية الدولية لدعم متطلبات المرحلة الانتقالية، ودفع جهود السلام مع حركة العدالة والمساواة وحركة تحرير السودان للانضمام للاتفاق.
وأكد المكون المدنى أن هدف الاتفاق استعادة الحكم المدنى الديمقراطى وإكمال مهام الثورة المجيدة، وغايته توحيد الشعب السودانى تحت مظلة مشروع قومى قائم على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة وإقامة سلطة مدنية ديمقراطية، تنهى الحكم الشمولى للأبد، واحترام حقوق الإنسان، ووقف العنف، والالتزام بمناقشة القضايا المنصوص عليها فى الاتفاق السياسى الإطارى، بغية الوصول لاتفاق نهائى، وتحقيق أوسع مشاركة من قوى الثورة والانتقال إلى موضوعات الاتفاق النهائى.
• • •
وقد لقى الاتفاق ترحيبا وتأييدا إقليميا ودوليا، حيث أعربت عن تأييده كل من مصر، والسعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، والبحرين ودول أخرى، والاتحاد الأوروبى الذى أوضح أن تشكيل حكومة مدنية فى المستقبل القريب سيؤدى إلى تجديد التزام الاتحاد بدعم السودان لتوفير احتياجات الشعب والعمل معا لبناء مستقبل السودان. وأكد مبعوث الأمم المتحدة للسودان أن الاتفاق يعد أساسا جيدا لاستعادة الحكم المدنى الديمقراطى فى السودان، ونقطة تحول فى القضية السياسية السودانية. كما صدر بيان مشترك من الخارجية الأمريكية والإمارات العربية والنرويج والسعودية بترحيبها بالاتفاق، واعتباره خطوة أولى أساسية نحو تشكيل حكومة مدنية وتحديد ترتيبات دستورية لتوجيه السودان خلال فترة انتقالية تفضى إلى انتخابات عامة. وأكدت مصر أن الاتفاق خطوة هامة ومحورية لإرساء المبادئ المتعلقة بهياكل الحكم فى السودان، ودعمها الكامل للاتفاق واستعدادها للتعاون مع مختلف الأطراف السودانية للبناء عليه والوصول لاتفاق نهائى لتدعيم دور السودان فى المنطقة، ودعت المجتمع الدولى إلى توفير كل عناصر الدعم للسودان لعبور المرحلة الانتقالية بنجاح.
ويلاحظ أن المعارضين للاتفاق أعلنوا عن اعتراضهم عليه قبل وبعد توقيعه. فقد حذر أركو مناوى رئيس حركة تحرير السودان، من توقيع الاتفاق لأنه يرى أنه مفروض على السودان، كما أعلن جبريل إبراهيم رئيس حركة العدالة والمساواة، أنهم يرفضون أى اتفاق ثنائى بين المكون العسكرى وتحالف الحرية والتغيير. كما قاطع التوقيع جناح من الحزب الاتحادى الديمقراطى الأصل الذى يقوده جعفر الميرغنى، وعارض الاتفاق بعض لجان المقاومة الشعبية، التى سبق أن رفضت دعوة للمشاركة فى النقاش حول الاتفاق السياسى الإطارى. واعتبر الناطق باسم حزب البعث الاشتراكى – عضو تحالف الحرية والتغيير – أن الاتفاق استدراج لتحالف الحرية والتغيير من قائد الجيش لتطبيع العلاقة مع أحد المكونات المدنية، وأنه مجرد كسب للوقت، وإرباك للمشهد السياسى بتصدعات توسع الهوة بين الشارع وتحالف الحرية والتغيير. أما الحزب الشيوعى، فيرى أن توقيع الاتفاق يشرعن الانقلاب، ويحشد أعضاء النظام السابق ليتولوا أجهزة الدولة، وأنه بمثابة مؤامرة إقليمية للحفاظ على مصالح اقتصادية وسياسية.
وأظهرت بعض استطلاعات الرأى العشوائية أن الاتفاق لقى ارتياحا من جانب كثيرين من المواطنين المتأثرين بحالة الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية الناتجة عن الصراع بين المكونين العسكرى والمدنى منذ إسقاط نظام البشير فى أبريل 2019، وأدت إلى تدهور حياتهم بشكل كامل. بينما تحفظت شريحة أخرى من المواطنين على الاتفاق، وشككت شرائح أخرى فى مدى مقدرة الأطراف الموقعة على الاتفاق على الالتزام به. ووقفت ضده بشكل قاطع نخب سياسية وأحزاب يسارية، ولجان مقاومة، واعتبروه خيانة لثورة ودماء الشهداء، وتعهدوا بإسقاطه. ويراه مواطنون سودانيون أنه مخرجا من الأزمة السياسية التى عانت وتعانى منها البلاد والمواطنون لفترة طويلة، ولكنه ليس حلا نهائيا، وأن معضلته فى عدم وجود ضمانات للتنفيذ.
وقد أكد الموقعون على الاتفاق السياسى الإطارى، وجميع الأطراف الإقليمية والدولية التى ساعدت فى التوصل إليه، على أنه مفتوح لانضمام جميع القوى والأطراف التى لم توقع عليه، وذلك من خلال الدخول فى حوار ومناقشات هدفها التوصل إلى توافق فى الآراء والمطالب فى سبيل السعى من أجل توقيع الاتفاق النهائى.
• • •
ويلاحظ أن الاتفاق الإطارى قد أرجأ بعض القضايا دون حسم لإتاحة الفرصة لمزيد من النقاش حولها بمشاركة جماهيرية واسعة، وأصحاب المصلحة، من أجل التوصل إلى توافق بشأنها وضمها إلى الاتفاق النهائى. ومن هذه القضايا ملف العدالة الانتقالية، وملف الإصلاح الأمنى والعسكرى، وإجراء إعادة تقييم لاتفاقية جوبا للسلام، والعمل على توسيع عملية السلام من خلال ضم الحركات غير الموقعة على اتفاق جوبا للحاق بركب السلام.
ولا شك أن توقيع الاتفاق السياسى الإطارى يعد خطوة أولى مهمة للتخفيف من حدة الصراع تمهيدا للعمل على وقفه، ويتيح فرصة لالتقاط الأنفاس فى بلد أنهكته الصراعات والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الطاحنة، والتأثير السلبى على التعاون بين السودان والمجتمع الدولى، كما أن الاتفاق يؤسس لبداية الانتقال إلى حكم مدنى ديمقراطى.

ويواجه الاتفاق بعض التحديات، من أهمها:
ــ كيفية إقناع القوى الرافضة والمعارضة للاتفاق والمتحفظين عليه ببدء حوار من أجل التوصل إلى توافقات وحلول وسط مرضية، حتى يقبلوا الانضمام إلى الاتفاق.
ــ استعادة الثقة بين المكونين العسكرى والمدنى خلال مرحلة تنفيذ بنود الاتفاق ومناقشة البنود المهمة المؤجلة، وذلك بحسن النوايا الصادقة فى تحقيق المرحلة الانتقالية والوصول إلى إجراء الانتخابات.
ــ استمرار دعم المجتمع الإقليمى والدولى لعملية تنفيذ الاتفاق، وتشجيع الموقعين عليه على الإسراع باختيار رئيس وزراء مدنى وتشكيل حكومة مدنية، وتجنب إطالة هذه العملية، حتى تبدأ المرحلة الانتقالية المحدد لها عامين من بعد تشكيل الحكومة المدنية، وما قد يحدث من عودة ظهور خلافات كامنة أو طارئة بين أطراف الاتفاق، خاصة وأن صياغة الاتفاق السياسى الإطارى تتسم بالمرونة، مع عدم تحديد آلية وتوقيتات لبدء تنفيذ كل بند من بنوده، وهو ما قد يغرى طرف أو آخر باللجوء إلى تفسيرات معينة تخرج الاتفاق عن سياقه ولا تقبلها الأطراف الأخرى ويعود الوضع إلى ما كان عليه.
رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات