الدين والدولة فى الدستور - محمد منير مجاهد - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 11:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الدين والدولة فى الدستور

نشر فى : الأحد 15 يوليه 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 15 يوليه 2012 - 8:00 ص

الدستور هو «القانون الأعلى الذى يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة، ونظام الحكم، وشكل الحكومة، وينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين، والاختصاص، والعلاقات بين السلطات، وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضع الضمانات لها تجاه السلطة»، ولهذا سعت قوى الإسلام السياسى (الإخوان والسلفيين) بالتحالف مع المجلس العسكرى إلى الهيمنة على عملية صياغة الدستور لترسيخ نموذج الدولة الدينية التى يروجون لها، فى مقابل الحفاظ على الأوضاع غير العادية للمؤسسة العسكرية من ميزانية سرية وأنشطة اقتصادية لا تخضع للمحاسبة، وتحت تأثير ضغط الإحساس بالخطر من صدور حكم بحل الجمعية التأسيسية للمرة الثانية لتشكيلها بنفس الأسس المعيبة التى أدت لحلها فى المرة الأولى بدأ الانقضاض على التراث الدستورى المصرى لمسخه وتحويله إلى دستور للدولة الدينية الطائفية.

 

●●●

 

ما يحدث الآن يكاد يكون نتيجة مباشرة لاستخدام الرئيس السادات للدين فى إحكام قبضته على الحكم والذى كان أحد أهم تجلياته، هو إقحام المادة الثانية فى الدستور، وهى المادة التى تجعل الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع، ثم تعديلها بعد هذا لأسباب سياسية لتصبح الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، وتوافر هذه المادة الغطاء الدستورى للتفرقة بين المواطنين على أساس الدين، وقد استخدم نظام السادات وامتداده (مبارك) هذه المادة فى التحرش بغير المسلمين وإطلاق فتن طائفية، متصورا أنه يمكن استخدام التوترات الدينية والتحكم فيها لتعزيز سلطة النظام، ويلاحظ أن أول فتنة طائفية كانت فى الخانكة عام 1972 بعد إقرار الدستور، متضمنا هذه المادة.

 

كنت أتمنى ونحن نؤسس لدولة جديدة قامت بعد ثورة عظيمة كان هدفها المعلن «عيش  حرية  كرامة  عدالة اجتماعية»، أن نسلك طريق الدول التى سبقتنا، ويتم إلغاء هذه المادة من الدستور الجديد، وأن يتم الفصل بين الدولة ونظامها السياسى وبين الدين، فالدين شأن المتدينين، ومهمة الدولة أن تضمن حرية الجميع، وتحمى البعض من البغى على البعض باسم الدين، أو أن يتم تبنى نص كالنص التالى: «يقوم المجتمع المصرى على حقوق المواطنة واحترام التعددية والتنوع والتكافؤ بين المواطنين جميعا، واللغة العربية هى اللغة الرسمية للدولة، والإسلام دين غالبية شعبها وتمثل مقاصد الإسلام جنبا إلى جنب مع القيم التى استقرت عليها الإنسانية، ومواثيق حقوق الإنسان مصدرا رئيسيا للتشريع».

 

●●●

 

ولكن نظرا لقيام الثورة دون تنظيم جماهيرى أو قيادة سياسية لها، فقد انطلقت قوى ظلامية تريد إعادة عقارب الساعة مئات السنين إلى الوراء قبل أن تنجح قوى الثورة فى تنظيم نفسها وبلورة قيادة لها، لذا رأينا فى مداولات الجمعية التأسيسية من يريد تعديل نص المادة الثانية من دستور 1971 باستبدال «أحكام الشريعة» ب«مبادئ الشريعة» لأنه كما يرى الشيخ ياسر البرهامى أن المحكمة الدستورية العليا قضت بأن مبادئ الشريعة الإسلامية تقوم على النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وفى رأيه أنها نصوص قليلة للغاية فى الشريعة الإسلامية، وأن غالبية الأحكام فى الشريعة الإسلامية هى ظنية الدلالة، وهو ما يعكس رغبة هؤلاء فى التحكم فى الشعب المصرى بناء على فتاوى شيوخهم دون أى سند من شرع أو قانون، ثم رأيناهم لا يمانعون من إبقاء المادة الثانية بنصها الأصلى بعد إضافة أن الأزهر الشريف هو المرجعية النهائية لتفسير المقصود بمبادئ الشريعة، ولكن مع احترامنا للأزهر الشريف فهو هيئة غير منتخبة لا يجوز لها أن تراقب عمل هيئة منتخبة إلا إذا كنا سنتجه مباشرة لنظام «ولاية الفقيه» تنفيذا لما جاء فى برنامج الإخوان المسلمين الصادر عام 2007 من إنشاء هيئة لكبار العلماء تراقب عمل البرلمان، وهو استنساخ ل«مجلس تشخيص مصلحة النظام» فى إيران  وهو أيضا مجلس غير منتخب  ولكن من سلطته إلغاء أى قرارات وقوانين يصدرها البرلمان الإيرانى بحجة مخالفتها للشريعة، والنتيجة هى دولة دينية كاملة الأركان يحل فيها الأزهر محل الكنيسة فى العصور الوسطى بأوروبا رغم الزعم بأن الاسلام لا يعرف الدولة الدينية.

 

ورأينا من يريد النص فى الدستور على أن يكون رئيس الجمهورية ذكرا مسلما سنيا، وهو نص يحرم النساء ويحرم غير المسلمين السنة من حق تساوى المواطنين دون تمييز فى التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها فى العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية بما فى ذلك الترشح لرئاسة الجمهورية أو أى منصب آخر، بالطبع من حق المواطنين أيضا أن ينتخبوا من يرونه أصلح لمنصب الرئيس، وقد يدخل فى هذا دينه أو جنسه أو انتمائه السياسى.. إلخ، ولكن هذا لا يعنى أن ينص فى الدستور على حرمان فئة من المواطنين من حقهم فى الترشح بناء على أى من هذه المعايير التحكمية.

 

ورأينا من يريد التراجع عن النص الراقى للمادة 46 من دستور 1971 «تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية»، ليقصر حرية ممارسة الشعائر الدينية على أصحاب الديانات السماوية، وهو ما يعنى إضفاء صبغة دستورية على اضطهاد المواطنين من غير أصحاب الديانات السماوية، وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية المنصوص عليها فى المواثيق الدولية.

 

●●●

 

علينا جميعا أن نتضامن للدفاع عن الثورة، وأن نسعى لأن يكون الدستور الجديد هو دستور الثورة الذى يؤسس لدولة مدنية لا يحكمها العسكريون، ولا يحكمها من يزعمون الحكم باسم الله معلنين أنهم يطبقون شريعته ويستلهمون مقاصده، ويلتزمون أوامره ونواهيه، والمهمة الملحة الآن هى العمل بكل الوسائل على حل الجمعية التأسيسية ذات التشكيل المعيب، وإسقاط الإعلان الدستورى المكمل الذى يعطى للمجلس العسكرى غير المنتخب سلطة تشكيل جمعية تأسيسية ستستخدم فى إطار مناورات اقتسام السلطة مع الإخوان وحلفائهم، فى تدعيم موقعه فى السلطة، والحل الذى ندافع عنه أن يعود الأمر كله إلى الشعب لينتخب جمعية تأسيسية تضع دستورا يوفر الأساس الراسخ للتقدم إلى المستقبل، والحمد لله أن يأتى هذا بعد أن خبر الشعب ممارسات تيارات المتاجرين باسم الدين فى مجلس الشعب المنحل فى أمور السياسة، والممارسات الأخلاقية المنحطة لبعض أبرز رموز هذا التيار.

التعليقات