من الدولة.. إلى الشركة - جلال أمين - بوابة الشروق
الأحد 24 أكتوبر 2021 9:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

من الدولة.. إلى الشركة

نشر فى : الثلاثاء 18 أغسطس 2015 - 7:50 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 18 أغسطس 2015 - 7:50 ص

عندما كتب الكاتب الإسبانى سيرفانتيس (Cervantes) روايته الشهيرة (دون كيشوت)، فى أوائل القرن السابع عشر، كان يشعر بلا شك أن عصرا كاملا أخذ فى الأفول، بعاداته وقيمه الأخلاقية، ليحل محله عصر مختلف تماما. ولكن سيرفانتيس لم يعش ليرى ويصف هذا العصر الجديد وقيمه.

كان العصر الآخذ فى الأفول هو العصر الإقطاعى، حيث السيد المطاع هو صاحب الإقطاعية التى يقوم بزراعتها «أقنان»، ليسوا بالأشخاص الأحرار تماما، ولكنهم أفضل حالا من الرقيق، حيث الوحدة الاقتصادية هى القرية الصغيرة، أو عدد صغير من القرى التى لا تكاد تربطها علاقات اقتصادية بالعالم من حولها.

يقدر عمر هذا العصر الإقطاعى بألف عام. ثم أخذ فى الأفول مع بداية عصر النهضة فى القرن الخامس عشر، حين ازدهرت التجارة، فازدرهرت المدن، وارتبطت المدن بعضها ببعض، وبالقرى المحيطة بها بسبب نمو العلاقات الاقتصادية فيما بينها. احتاج هذا النمو الاقتصادى إلى سلطة مركزية لم تكن هناك حاجة إليها طالما بقيت كل قرية مكتفية بذاتها. وإذ بدأ التنافس التجارى بين مجموعة من المدن المتجاورة، ومجموعة أخرى، ظهرت الحاجة إلى جيش، واحتاج الجيش أيضا إلى سلطة مركزية.

كان لابد إذن أن تحل الدولة محل الإقطاعية، وأن يحل الملك محل السيد الاقطاعى. وأخذت السلطة المركزية، ممثلة فى الملك، تمد الطرق وتوحد العملة، وتصدر القوانين المنظمة للتجارة وتفرض احترام النظام والأمن، فى منطقة أكبر طبعا من الاقطاعية ولكنها محدودة أيضا بحاجات التجارة وبحدود العلاقات الاقتصادية. تغيرت الحدود السياسية، ولكن ظلت حدود السياسة ترسمها حدود الاقتصاد، كما كانت دائما.

استغرق هذا الانتقال من عصر «الإقطاعية» إلى عصر «الدولة»، فترة تزيد على خمسة قرون، تغيرت خلالها العادات والأخلاق وموضوع الولاء، طبقا لما حدث من تغير فى الحدود الاقتصادية والسياسية. انتقل الولاء، خلال هذه الفترة، من ولاء للحاكم الاقطاعى إلى ولاء للملك، وحل محل الشعور بالانتماء للقرية أو المدينة أو الاقطاعية، الانتماء القومى. وكلما زاد التنافس الاقتصادى والسياسى بين دولة وأخرى، قويت مشاعر الحب والكراهية فى الوقت نفسه: الحب للوطن والكراهية لأعدائه. وعملت السلطة المركزية على إلهاب هذه المشاعر فى أوقات الحروب، حيث طالبت الناس بأن يكونوا على استعداد للتضحية بالنفس للدفاع عن الوطن، وخلال الأزمات الاقتصادية، حيث طالبتهم بتفضيل السلع الوطنية على الأجنبية.

هل يمكننا الآن أن نقول إننا قد بدأنا منذ أربعة أو خمسة عقود، الدخول فى عصر جديد. نشاهد فيه بداية أفول الدولة، وبزوغ عصر له عاداته وأخلاقياته وولاءاته المختلفة؟

أظن أن هذا ممكن، وأسباب الانتقال فى هذه المرة من نفس الطبيعة التى كانت لأسباب الانتقال من عصر الإقطاع إلى عصر الدولة: التغير الاقتصادى والتكنولوجى. ولكننا لا يجب أن نتوقع أن يستغرق التحول هذه المرة، من عصر لآخر، مدة طويلة مثلما استغرق التحول السابق، أى عدة قرون. إن كل شىء يحدث الآن بمعدل أسرع بكثير مما كان يحدث فى الماضى، فها نحن نرى العادات والقيم وموضوع الولاء تتغير أمام أعيننا.

الذى يحل محل الدولة هذه المرة، هى الشركة الكبيرة. وهى تحل محل الدولة لأنها هى الآن التى تقوم برسم حدود العلاقات الاقتصادية. فتتغير طبقا لذلك حدود العلاقات السياسية أيضا. بل ان كثيرا من مظاهر حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، التى نعيشها الآن، يمكن أن نرى فيها أثر الانتقال من سيطرة الدولة إلى سيطرة الشركة.

* * *

هناك عبارة إنجليزية مشهورة، سمعتها لأول مرة فى صباى، وتتكون من ثلاث كلمات (Business is business)، ويمكن ترجمتها ببعض التصرف، لكى أنقل المعنى المقصود منها بالضبط، إلى الجملة الطويلة الآتية: «عندما يتعلق الأمر بعلاقة اقتصادية فلا يجب أن تسمح للاعتبارات غير الاقتصادية بالتدخل فى هذا الأمر». كنا نسمعها مثلا، عندما يحاول أحد تغليب بعض الاعتبارات الأخلاقية أو الإنسانية على شروط صفقة مادية بحتة، كالبيع والشراء. هذه العبارة لم أسمعها منذ زمن طويل، وربما كان سبب ذلك أن حياتنا كلها تقريبا قد تحولت إلى سلسلة من الصفقات الاقتصادية (أو هى سائرة بخطى حثيثة فى هذا الطريق)، فلم يعد يخطر ببال أحد أن يدخل فيها أو «يفسدها» أى اعتبار آخر، أخلاقى أو إنسانى. وأظن أن هذا التحول كان من بين آثار هذه الظاهرة التى أتكلم عنها الآن: أى حلول الشركة محل الدولة.

هل تلاحظون كيف نمت خلال العقود الأربعة الأخيرة فكرة «نظام السوق»، وضرورة الرضوخ لأحكامه، وان نتركه ليحكم مجالا بعد آخر من مجالات الحياة، وما يتطلبه ذلك من إبعاد يد الدولة عن التدخل فيه؟ الأسعار يجب أن تترك «حرة»، والملكية العامة يجب أن تتحول إلى ملكية خاصة، والاستثمار الخاص أفضل دائما من الاستثمار العام، والمدارس والجامعات الخاصة أفضل من المدارس والجامعات الحكومية، حتى لو أنشأت المدرسة دولة أجنبية بتمويل من شركات خاصة. والمسابقات الرياضية ترعاها شركات خاصة، ولو كانت شركات تنتج سلعا مضرة بالصحة، كالسجائر مثلا، والأنشطة والمهرجانات الثقافية لا تجد من يمولها إلا شركات خاصة... إلخ. وكل هذا يبرر بأن دافع الربح هو من أقوى الدوافع الإنسانية، وأن الدوافع الأخلاقية والإنسانية التى تقدم كتبرير لتدخل الدولة، ضعيفة الأثر وقصيرة العمر، ومن ثم فالموظف الحكومى هو بالضرورة منتج فاشل وتاجر فاشل ومصدّر فاشل، بل وكذلك راع فاشل للتعليم أو الرياضة أو الثقافة.

كنا فى صبانا كثيرا ما نسمع أيضا عبارة «إن فاتك الميرى (أى الحكومى) تمرغ فى ترابه»، وكانت هذه الحكمة تبرر بما تجلبه الوظيفة الحكومية لصاحبها من استقرار (حتى لو كان مرتبها أقل من المرتب الذى تدفعه الشركة)، وما تضمنه من معاش وتأمين صحى يكفل الحياة الكريمة مدى الحياة، وأيضا إجازات سنوية ومرضية تأخذ فى الاعتبار مختلف الاحتياجات الإنسانية للرجل والمرأة والأسرة. انظر الآن إلى مدى النفور الذى يشعر به شبابنا من الوظيفة الحكومية، واستعدادهم لقبول العمل فى شركة من الشركات، وتفضيلهم لها على أى عمل حكومى قد يكون متاحا لهم، ورغم أن العمل فى الشركة يكون فى العادة لعدد أكبر من الساعات، وأكثر مشقة وأقل استقرارا. نعم إن المرتب الأكبر الذى تدفعه الشركة يتيح لصاحبه الحصول على سلع أكثر وحياة أكثر تنوعا، وربما أيضا أسفارا أكثر والتنقل من بلد إلى بلد، فهل أصبح الشباب فى عصرنا يفضلون التنوع على الاستقرار؟ وهل أصبح مزيد من الحرية فى نظرهم يستحق الثمن الذى يقترن به، وهو مزيد من القلق والتوتر؟

كان الملك فى الماضى يوسع مملكته بتكوين جيش أقوى يسمح له بالزحف على الممالك المجاورة. الشركة الآن تفعل شيئا مماثلا فتوسع ممتلكاتها، ليس بتقوية الجيش، بل بمد نطاق «الخصخصة»، أى بأن تستولى على جزء بعد آخر من القطاع العام. كانت الدولة تستخدم شعارات القومية وحب الوطن لتبرير توسعها أو الدفاع عن نفسها، حتى لو تطلب ذلك أعمالا «غير إنسانية»، كالقتل والتدمير. أما الشركة فتستخدم شعارات الكفاءة الاقتصادية المجردة من أى التزام أخلاقى. فإلى أى مدى يمثل هذا الانتقال، من عصر الدولة إلى عصر الشركة. تقدما إنسانيا أو حضاريا؟

جلال أمين كاتب ومفكر مصري كبير ، وأستاذ مادة الاقتصاد في الجامعة الأمريكية ، من أشهر مؤلفاته : شخصيات لها تاريخ - ماذا حدث للمصريين؟ - عصر التشهير بالعرب والمسلمين - عولمة القهر : الولايات المتحدة والعرب والمسلمون قبل وبعد أحداث سبتمبر.
التعليقات