معالم الشرق الأوسط الجديد - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 17 فبراير 2020 12:58 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


معالم الشرق الأوسط الجديد

نشر فى : الأحد 19 يناير 2020 - 8:25 م | آخر تحديث : الأحد 19 يناير 2020 - 8:25 م

ليست هذه المرة الأولى التى يُستخدَم فيها هذا التعبير. لعل أشهر من أطلقته كانت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية، عندما جاءت إلى بيروت وسط احتدام الحرب الغاشمة التى بدأتها إسرائيل ضد لبنان فى يوليو 2006. وقد بلغ من وقاحتها أنها بشرت اللبنانيين وهم يعانون ويلات الدمار الذى ألحقته الطائرات الإسرائيلية ببلدهم أن تلك كانت علامة انبثاق ما كانت تعتبره إدارة جورج بوش الثانى وأنصاره من المحافظين الجدد بداية شرق أوسط جديد يختفى فيه أعداء الولايات المتحدة مثل حزب الله فى لبنان ونظام الجمهورية الإسلامية فى إيران ونظام حزب البعث فى سوريا بعد سقوط نظام البعث فى العراق قبل ذلك بثلاث سنوات، كان فى حسبان رايس والمحافظين الجدد أن الشرق الأوسط الجديد سيخلو من أعداء إسرائيل، وسوف تنهض فيه نظم ديمقراطية فى حماية الدبابات الأمريكية، وطبعا يسوده السلام لأن الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض، وفقا لما ذهبت إليه بعض نظريات العلاقات الدولية.
ولكن ليس هذا الشرق الأوسط الجديد هو موضوع هذا المقال، ولكن المقصود به شرق أوسط آخر يختلف تماما عما كانت تعنيه كوندوليزا رايس، بل هو شرق أوسط لم تتصور يوما أن يخرج إلى الوجود، وهو ليس شرق أوسط آمنا ينعم سكانه بالسلام والديمقراطية، ولكنه موقع صراعات محلية ودولية لا يبدو أن لها نهاية قريبة. والذى يدفع إلى ظهوره ليس فريقا جديدا من المحافظين يتولى الإدارة الأمريكية فى ظل رئاسة ترامب، ولكن لأن موقعه كإقليم فرعى فى نظام عالمى يجعله يعكس بالضرورة التغيرات الحادثة فى بنية هذا النظام العالمى. الشرق الأوسط الذى عرفته أدبيات العلاقات الدولية هو إقليم استقر فى منطقة النفوذ الغربى سواء فى ظل نظام توازن القوى الذى عرفه العالم قبل الحرب العالمية الثانية أو نظام القطبية الثنائية الذى عرفه العالم بعد هذه الحرب. توزعت دول الإقليم فى ظل نظام توازن القوى بين الإمبراطوريات الاستعمارية البريطانية والفرنسية والإيطالية، واستمر معظمها يدور فى الفلك الغربى فى ظل نظام القطبية الثنائية بعد الحرب الثانية على الرغم من النفوذ السوفيتى الذى لم يعمر فيه سوى عقدين من الزمن وبدأ فى الانحسار منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى. ومع التحول الحادث فى بنية النظام العالمى منذ بداية القرن الحادى والعشرين نحو نظام متعدد الأقطاب لا يسود الاتفاق على قواعده بين القوى الكبرى على قمته، لذلك أصبح الشرق الأوسط بدوره مرآة عاكسة لهذا التحول العالمى، وفى مقدمة معالم هذا التحول بداية أفول نفوذ الدول الغربية فى الإقليم وصعود قوى غير غربية تتنافس على تشكيل مستقبله بالتعاون مع قوى إقليمية فيه تخرج بدورها عن طوق الدول الغربية. ما هى معالم هذا التحول، وما هى آثاره على دول الإقليم؟

أولا: أفول النفوذ الغربى
علامات أفول النفوذ الغربى عديدة، فى مقدمتها أن الدول الغربية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا وهما الدولتان صاحبتا الماضى الاستعمارى فى الإقليم، غائبة عن الصراعات الجارية فى بعض دوله أو بين بعضها سواء كان ذلك فى سوريا أو اليمن أو ليبيا أو الأراضى الفلسطينية، وحتى عندما تهتم واحدة منها بأزمة مع أو فى دولة شرق أوسطية، فهى تفتقد رؤية واضحة للخروج من الأزمة المتعلقة بهذه الدولة أو عاجزة عن تنفيذ رؤيتها بصددها. المثل البارز على ذلك هو إيران. تود بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهى الدول الغربية الثلاث المهتمة ببرنامج إيران النووى عودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق الموقع معها ومع الدول الأخرى ذات العضوية الدائمة فى مجلس الأمن، ولكنها لا تملك إنفاذ إرادتها فى ظل إصرار إيران على التحلل من التزاماتها بموجب هذا الاتفاق الذى رفضته إدارة الرئيس ترامب فى الولايات المتحدة، ولكن هذه الإدارة لا تملك بدورها رغم كل العقوبات التى أوقعتها بإيران دفعها للدخول فى مفاوضات جديدة لإبرام اتفاق بديل.
لم يسقط النفوذ الغربى فى الإقليم سهوا، ولكنه جاء محصلة لعدد من المتغيرات، منها أن صراعات الإقليم لا تهدد أمن الدول الغربية بصورة مباشرة، وحتى عندما تكون لها مضاعفات تسبب لها القلق، فهى تجد أساليب أخرى للتعامل معها. ألقت هذه الدول مسئولية التعامل مع قضية اللاجئين والهجرة غير القانونية على دول الإقليم التى استوعبت معظم المهاجرين بسبب صراعات الإقليم فى العقد الأخير، كما قلت تدفقات المهاجرين من الدول العربية فى السنوات الأخيرة، وكذلك دخل خطر الإرهاب فى مرحلة انحسار بعد القضاء على القاعدة الإقليمية الثابتة لما سُمى بتنظيم الدولة الإسلامية، وأصبح مصدر خطر الهجمات الإرهابية فى الدول الغربية هو بين بعض مواطنى هذه الدول. كذلك تضاءل الوزن النسبى للشرق الأوسط فى الاقتصاد العالمى مع التطورات الاقتصادية الهائلة فيما كان يعرف بالدول النامية خارج الإقليم سواء فى شرق آسيا أو جنوبها أو فى أمريكا اللاتينية. وقلت حاجة الدول الغربية بعد الصناعية إلى النفط فى الشرق الأوسط وهى على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة التى يقل معها اعتمادها على مصادر الطاقة التقليدية والمواد الخام، أو أصبحت تجد مصادر بديلة للطاقة أقرب لها وأرخص وأكثر أمنا. وفى ظل هذه الظروف لا تجد هذه الدول داعيا للاحتفاظ بقوى عسكرية كبيرة فى الإقليم، وخصوصا بعد تزايد التهديدات لوجود هذه القوى.

ثانيا: صعود قوى دولية أخرى على مسرح الإقليم
الوجه المقابل لانحسار النفوذ الغربى فى الإقليم هو صعود قوى غير غربية سياسيا وعسكريا واقتصاديا. الفاعل الرئيسى فى تسوية العديد من الصراعات الجارية فى الإقليم هو الاتحاد الروسى الذى يرتبط بعلاقات قوية مع كل دول الإقليم العربية وغير العربية. علاقاته بكل من تركيا وإيران وإسرائيل قوية. كما تقيم أكبر الدول العربية علاقات متميزة معه وفى مقدمتها كل من مصر والمملكة العربية السعودية. الدور الروسى أساسى فى تشكيل مستقبل سوريا، وقد طرح جهود وساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل، وظهر كفاعل نشط فى الأزمة الليبية، وله موقفه الخاص من برنامج إيران النووى. وإذا كانت الصين لا تبدى حضورا مؤثرا فى بحث مخرج للصراعات الدائرة فى الإقليم، فهى أيضا لها موقفها بالنسبة لإيران. كما كان إجراء مناورات بحرية منذ أكثر من أسبوع بين الأساطيل الصينية والروسية والإيرانية علامة بارزة على انتهاء احتكار الدول الغربية للوجود العسكرى فى الإقليم، ليس فى البحر الأبيض المتوسط الذى تواجد فيه الأسطول الروسى منذ عقود، ولكن حتى على مقربة من دول الخليج التى لا تزال حصن النفوذ الغربى الأخير فى الإقليم.

ثالثا: نمط التحالفات الإقليمية
كانت أهم التحالفات العسكرية التى عرفها إقليم الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية هى تلك التى كانت تقودها الدول الغربية. منها مثلا حلف بغداد الذى ساندته الولايات المتحدة وبريطانيا وضم تركيا وإيران وباكستان والعراق قبل انسحاب الأخيرة منه فى سنة 1958، ومنها حلف الأطلنطى الذى ما زالت تركيا عضوا فيه. وارتبطت كل دول الخليج العربية تقريبا بعلاقات عسكرية وأمنية مع الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة التى احتفظت بقواعد عسكرية فى معظمها فى المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر، وترتبط الولايات المتحدة وإسرائيل بعلاقات متشعبة ومتنوعة لا تقتصر على الجانبين العسكرى والأمنى.
عادت روسيا إلى الشرق الأوسط كمصدر لتجارة السلاح، وبعلاقات وثيقة مع إيران ومصر وتركيا ودول أخرى فى الإقليم، ووصل تعاونها العسكرى مع تركيا إلى حد جعل تركيا عضو حلف الأطلنطى لا ترضخ لضغوط الولايات المتحدة لدفعها للتخلى عن صفقة نظام الدفاع الجوى S4 الذى يتنافى مع نظم الحلف، بل أصبح للاتحاد الروسى وجوده الثابت فى سوريا ومن خلال قوات غير نظامية فى ليبيا.
ومع أن العودة الروسية للشرق الأوسط كقوة فاعلة ومؤثرة لم تقترن بالضرورة بإبرام تحالفات عسكرية، إلا أن علاقاتها المتنوعة والمرنة مع بعض دول الإقليم تحولت إلى ما يشبه التحالف الذى تمتد آثاره إلى دول أخرى. لا شك فى وجود واقعى لهذا التحالف على أرض سوريا بين الاتحاد الروسى وكل من تركيا وإيران، وظهرت آثار هذا التحالف فى تصعيد روسيا لتركيا لتكون طرفا رئيسيا فى تشكيل الأوضاع فى ليبيا. وليس من المستبعد أن تنظر دول أخرى فى الإقليم إلى الاتحاد الروسى باعتباره الحليف المأمون الذى يمكن التعويل عليه ليقوم بدور نشط ومؤثر فى مواجهة تهديدات أمنية فى الإقليم.

أزمة الدول العربية فى الشرق الأوسط الجديد
من الخطأ اعتبار أن انحسار النفوذ الغربى فى الإقليم هو وضع مؤقت سينتهى بخروج دونالد ترامب من البيت الأبيض سواء عند انتهاء مدته الرئاسية الأولى أو بعد مدة ثانية. أسباب انحسار النفوذ الغربى فى الشرق الأوسط تعود إلى البنية المتحولة للنظام العالمى والذى يمكن أن يشهد فى الأعوام القادمة حضورا أكبر لقوى أخرى صاعدة فى هذا النظام مثل الصين والهند، ولا يعنى انحسار النفوذ الغربى اختفاء الدول الغربية الكبرى كفاعل على المسرح الإقليمى، فهذه الدول تملك اقتصادات متقدمة وقدرات عسكرية متفوقة ومستويات تكنولوجية راقية، فضلا عن قرب الأوروبى منها من الشرق الأوسط واستمرار العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكن انتهى عهد احتكار هذه الدول الغربية للقدرة على تشكيل مستقبل الإقليم أو رسم خريطة دوله أو حتى تقرير استمرارية بعض نظمه أو العائلات الحاكمة فى بعض دوله.
المأساة الكبرى فى هذه الأوضاع أنها تنطوى على أخطار كبيرة تتحملها كل الدول العربية ومن هذه الأخطار:
1ــ تحول الدول العربية إلى مسرح لصراع بين القوى الكبرى الجديدة والقديمة وحلفائها الإقليميين على نحو ما يجرى فى سوريا حاليا دون أن تجد فى نفسها المقدرة على التصدى لهذا التنافس أو استعادة أمنها الوطنى.
2ــ خروج الدول العربية من محاولات إعادة تشكيل الأوضاع الإقليمية (ما فى رسم حدود دوله أو مناطق النفوذ فيه مثلما يجرى فى سوريا وليبيا).
3ــ احتمال أن تجد بعض الدول العربية نفسها مضطرة للتدخل فى صراعات محلية فى بلد مجاور لها خشية أن يجد منافسوها الإقليميون فرصة لتوسيع نفوذهم فى هذا البلد المجاور على نحو يهدد أمنها، كما يشهد على ذلك دور المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات فى الصراع الجارى فى اليمن.
4ــ افتقاد الثقة فى نمط التحالفات القائم مع الدول الغربية والذى كان حصن الأمان ليس لبعض الدول ولكن حتى لبعض العائلات والنظم الحاكمة فى الوطن العربى.
والخطوة الأولى للتعامل الرشيد مع هذه الأوضاع هى أن يسود إدراك مشترك بين العرب أنهم هم الذين يدفعون الثمن، فمثل هذا الإدراك العام والمشترك والذى يعلو فوق خلافات النظم ومنافسات العائلات الحاكمة هو الذى يمكن أن يفتح الباب أمام عمل مشترك يتحول فيه العرب أخيرا إلى صانعين لمستقبلهم ومشاركين على قدم المساواة مع هذه القوى الأخرى العالمية والإقليمية فى تشكيل مستقبل العالم على نحو يضمن الأمن والرخاء للجميع.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات