الفئوية أم الحزبية.. أيهما ينتج تحولاً ديمقراطياً - سامح فوزي - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 4:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

الفئوية أم الحزبية.. أيهما ينتج تحولاً ديمقراطياً

نشر فى : الجمعة 24 أبريل 2009 - 5:54 م | آخر تحديث : الجمعة 24 أبريل 2009 - 5:54 م

 مسلمتان أساسيتان فى أى تحول ديمقراطى هما قوة المعارضة (وليس ضعف الحكم)، وارتفاع مستوى المنافسة السياسية (وليس توزيع الأنصبة بين محور وأطراف).

كلا الأمرين غير موجود فى الحياة السياسية المصرية. نجد فى صفوف المعارضة وبعض مثقفى الحكم من يصف هذه الحالة بغياب الحيوية السياسية، أو بشيوع الديمقراطية المنقوصة، أو ما يُطلق عليه أحيانا الديمقراطية الشكلية، التى تتمثل فى انعدام فرص المعارضة فى الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه.

بالطبع تختلف الأسباب. المدافعون عن الحزب الوطنى يرجعون ذلك إلى ضعف المعارضة، فى حين أن المعارضين يرون أن النظام الحالى وضع قيودا قاسية على حركة الأحزاب، وراعى انقسامات حادة فى داخلها، وأفرغها من أى مضمون سياسى حقيقى. إذا وضعنا هذا السجال جانبا، فإن الأمر الثابت أن غياب قدرة المعارضة باختلاف فصائلها عن تشكيل ائتلاف فيما بينها يجعل من فرص المنافسة السياسية باهتة. وشيوع خطابات تتحدث عن التمثيل الفئوى بدلا من الحزبى يشوه مفهوم الديمقراطية ذاته.
(1)
هناك ثلاثة أسباب مباشرة لا يمكن تغافلها وراء عدم قدرة الأحزاب على الدخول فى ائتلافات أو جبهات للنضال الديمقراطى. أولها هو التناقض بين «الشرعى» و»غير الشرعى»، فالأحزاب الشرعية محدودة التأثير والحضور العام، فى حين أن القوى غير الشرعية، وفى مقدمتها الإخوان المسلمين لها التأثير والحضور. وهنا يدخل الطرفان فى معادلة صفرية.

الأحزاب تخشى الإخوان، وترى الحكم أقرب لها، فى حين أن الإخوان يرون أن الأحزاب القائمة شكلية، لا تستطيع التعبئة، وتكن العداء الضمنى أحيانا والسافر أحيانا أخرى لهم. وحين يأتى الحديث عن الائتلاف بين قوى المعارضة، يسود منطق «العدد» و«موازين القوة»، وليس أدل على ذلك من تصريحات نسبت إلى قيادات فى الإخوان المسلمين يؤكدون فيها أنهم ليسوا «مقاولى أنفار»، ولا يريدون تصدر المشهد بالحشد الجماهيرى، فى حين يحتل المعارضون الآخرون شاشات الفضائيات.

وثانى الأسباب هو غياب الثقة بين قوى المعارضة. يعود ذلك فى جانب كبير منه إلى سيادة حالة من البرجماتية المفرطة فى العقود الأخيرة.

فالمتابع يرصد فى أكثر من مناسبة أعلنت فيها أحزاب المعارضة مقاطعة الانتخابات، خرج أحدها خارج السرب، بحثا عن بعض مقاعد فى البرلمان مكافأة له على إضفاء التنافس على العملية الانتخابية.

وبالطبع يجيد الحزب الوطنى إجراء مداولات وصفقات فى هذا الصدد، وعادة ما ترضى أحزاب المعارضة بالقليل، أى حفنة مقاعد فى مجلس الشعب، فقط لتأكيد الحضور الرمزى.

ولدت هذه الحالة انعدام الثقة بين الأحزاب، ضاعف منها أن الإخوان المسلمين أنفسهم ينهجون النهج ذاته، مثلما حدث فى الانتخابات البرلمانية الماضية، حين رفعوا شعار «المشاركة لا المغالبة»، فى الوقت الذى أسقطوا فيه رموز المعارضة، وأرجعوا ذلك إلى غياب التنسيق.

أما السبب الثالث المباشر وراء غياب أى فرص للائتلاف بين صفوف المعارضة، أن هناك ما يشبه أحزاب الشمال وأحزاب الجنوب فى النظام الحزبى الحالى. هناك أحزاب الشمال مثل الوفد، والتجمع، والناصرى، وأحزاب الجنوب التى لا يكاد أحد يتذكر أسماءها. فقط نسمع عنها فى البيانات التى تصدرها فى المواقف السياسية المختلفة التى تساند فيها نهج الحكومة، خاصة فى قضايا السياسة الخارجية.
(2)
قد تكون الأسباب الثلاثة السابقة مباشرة، واضحة، ولكن هناك أسبابا مطمورة، تعبر عن نفسها فقط فى المساجلات الملتهبة، أهمها على الإطلاق هى عدم الاتفاق على طبيعة العلاقة بين الدين والدولة. عندما ظهرت حركة «كفاية» كان من ضمن الأسئلة التى طرحت على مؤسسيها هو موقفهم من العلاقة بين الدين والدولة، فجاءت الإجابة أن هذه القضية غير مطروحة نظرا لأن الحركة تضم أعضاء من كل أطياف السياسة المصرية.

ولم يؤد تجاهل الإجابة عن السؤال إلى حله، والدليل على ذلك أنه فى أعقاب تصريحات وزير الثقافة بشأن الحجاب انكسرت «كفاية»، وحدث فيها شرخ داخلى، لم يلتئم بسبب الاختلاف حول هذه القضية. وعادة ما تؤدى مقولات مثل «تسييس الدين»، و»فصل الدين عن السياسة»، وغيرها إلى اختلافات فى وجهات النظر، وتصل إلى حد المزايدة، والتراشق، أو اللجوء إلى صياغات توفيقية لا معنى لها.

هذه الإشكالية هى واحدة من المشكلات التى تنكسر عندها كل الاتفاقات والحوارات. قد يتفق القوميون والإسلاميون واليساريون وفصيل من الليبراليين على قضايا محلية وإقليمية رئيسية، لكنهم لا يتفقون على العلاقة بين الدين والدولة فى المجتمع المصرى.

بالطبع أدى صعود التيار الإسلامى إلى طرح هذا السؤال بقوة، رغم أنه لم يكن مطروحا بمثل هذه الحدة إبان ما اصطلح على تسميته بالعهد الليبرالى (1923-1952)، حيث لجأت النخبة السياسية آنذاك فى صورة حزب الوفد إلى «ليبرالية متدينة»، أى ليبرالية تتصالح مع الدين، لا تخاصمه، أو تقف منه موقف الرفض، بل تعترف به دون أن تجعله أساسا للأيديولوجية السياسية.

بمثل هذه الروح وضعت مدونة القانون المدنى فى الأربعينيات، وعندما وضع الإخوان المسلمون مشروع دستور فى مطلع الخمسينيات جاء مدنيا، يختلف فى نظرته إلى دور الدين فى الدولة، عن تلك النظرة التى وردت فى مشروع الحزب الذى أعلنه الإخوان العام الماضى.

ومن يتأمل فى مشاريع الدساتير «الإسلامية» التى راجت فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى مثل مشروع مجمع البحوث الإسلامية، وأطروحات مصطفى كمال وصفى وعلى جريشة يصل إلى نتيجة مفادها أن هذه القضية، بوعى أو بدون وعى، تحولت إلى إشكالية فى سبيل تحقيق الديمقراطية فى المجتمع المصرى، ولابد من حل لها.

فى خبرة الائتلافات الحزبية الذى قادت التحول الديمقراطى فى الكتلة الشرقية من صربيا إلى أوكرانيا مرورا بجورجيا، لم تكن هناك تساؤلات حول العلاقة بين الدين والدولة، كما لم تطرح هواجس تطول بنية الدولة ذاتها، مما جعل الائتلافات الحزبية ذات طبيعة سياسية مباشرة، توارت فيها الأيديولوجية إلى حد بعيد.
(3)
خلاصة القول: إن فرض الائتلاف بين أحزاب المعارضة شبة معدومة. يعنى ذلك أن التحول الديمقراطى الشامل فى المجتمع المصرى غير وارد إلى حد بعيد. فالسياسات الحزبية تدار بالانقسامات، والحزب الوطنى فى حالة تداخل مع جهاز الدولة، مما يصعب الفصل بينهما.

كل ذلك يقود إلى نتيجة متوقعة أن تشهد انتخابات عام 2010 شهادة عملية على انتهاء المعارضة، فالإخوان المسلمون ــ لأسباب معقدة ــ لن يتمكنوا من الحصول على 88 مقعدا التى يتمتعون بها الآن، وأحزاب المعارضة مجتمعة قد تحصل على حفنة مقاعد، ربما بمباركة ورضاء الحزب الوطنى لإضفاء الشرعية على الانتخابات مثلما حدث فى الانتخابات المحلية الأخيرة، والتى تعد بكل المقاييس ــ حسب تعبير أحد النشطاء الحقوقيين ــ الأكثر بعدا عن مفهوم الانتخابات الحقيقية.

وسوف يغلب الحديث عن «التمثيل النوعى» للمرأة، على التمثيل السياسى للقوى الحزبية، وترتفع الأصوات التى تتحسر على مشاركة الأقباط، وهكذا سوف تتحول دفة الحديث من الحزبية إلى الفئوية، وفى ذلك تهدئة، وربما مغازلة للغرب، وبالأخص الولايات المتحدة.

ونظرا لأن «التمثيل الفئوى» لا ينتج تحولا ديمقراطيا لأنه يُطرح فى ذاته، ولذاته، دون ارتباط بمشروع ديمقراطى عام، فإنه لا مفر من إعادة البحث فى «التمثيل الحزبى» مرة أخرى، وأسس بناء ائتلاف بين قوى المعارضة، وهو موضوع مقال قادم.


سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات