الدنيا رمضان - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأحد 25 أغسطس 2019 9:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





الدنيا رمضان

نشر فى : الأربعاء 24 مايو 2017 - 9:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 مايو 2017 - 9:45 م

فى مثل هذا الوقت، يتم رص الثلاجة بأكياس فيها أقراص الكبة الجاهزة للقلى، وأخرى فيها حبات الشيش برك، وهى معجنات محشوة باللحمة يتم طبخها فيما بعد بصلصة من لبن الزبادى. فى مثل هذا الوقت يتم تحضير شراب التوت المركز وتخزين قوالب قمر الدين التى سوف تتحول إلى شراب كثيف. يدخل البيت الدقيق والسميد اللذان سوف يستخدمان طوال الشهر مع السمنة أو الزبدة لعمل الحلويات، ويتم التأكد من أن كمية ماء الزهر والمكسرات والبهارات سوف تغطى وجبات الشهر، وتساهم فى ترسيخ سمعة المطبخ بأنه سخى فى ما يقدم.
فى هذا الوقت أيضا تنشغل البيوت بتنظيف كل ما يمكن أن تطاله اليد والعين، من الحيطان إلى الشبابيك إلى الستائر، فكما يتم تحضير العروس ليوم عرسها، ينشغل أصحاب البيوت بتجميلها لاستقبال شهر رمضان. فى طفولتى، لطالما سألت والدتى عما إن كان الضيوف سوف يفتحون خزائن المطبخ وغرف النوم حين يأتون إلى بيتنا لتناول طعام الإفطار، إذ لماذا هذا الإصرار على اقتلاع كل محتوى البيت من مكانه ثم إعادته إليه؟ بعد أن يكون قد تم فرك ما أمامه وما وراءه وما تحته بشكل يسمح لسيدة المنزل أن تنام مرتاحة بعد أن وضعت قطع الصابون الحلبى بين المفارش وبين أغطية السرير المطوية بعناية؟
بعد عرس التنظيف والتحضير، وفى أيام شهر شعبان الأخيرة، تظهر مجموعات من الناس، سواء عائلات بأكملها أو مجموعات من النساء، فى البساتين وفى الحدائق، فقد حان وقت «تكريزة رمضان»، لا أحد يعلم بالتحديد من أين أتت هذه الكلمة الغريبة والتى لا تشبه كلمات أخرى فى لغتنا، إنما يعلم الجميع أن التكريزة هى بمثابة حفل وداع لإيقاع اليوم الطبيعى، وحفل استقبال لشهر رمضان، تخرج فيه العائلات إلى أماكن قريبة من المدينة وتأكل وجبة جماعية فى الهواء الطلق.
***
«الدنيا رمضان» عبارة غالبا ما نبدأ بها أى حديث لمدة شهر. فى طفولتى كنت أتخيل الكرة الأرضية كذلك المجسم المركون على طاولة أستاذ الجغرافيا فى المدرسة، وقد تم تزيينها بقصاصات من الورق الذهبى على أشكال هلال وفوانيس. كنت أفكر بعبارة «الدنيا رمضان» فأتخيل العالم كله عبارة عن غرف معيشة جلست فيها العائلة، بغض النظر عن مكان إقامتها، أوليس العالم كله رمضان؟ العائلة جالسة بين العصر والمغرب تشاهد مسلسلا مصريا (لم تكن فى طفولتى قد درجت عادة عرض المسلسلات السورية أو التركية بعد). الأم تضع على رأسها غطاء الصلاة الأبيض بأطرافه المطرزة بخيوط زرقاء سماوية، لا أعرف مصدر تلك الصورة النمطية، فحتى لو لم تكن الأم محجبة إلا أنها تقطع جلستها مع باقى العائلة أمام التلفزيون فتصلى ثم تعود بعد ذلك لتكمل المسلسل.
فى المطبخ الطعام شبه جاهز وينتظر «التقليبة الأخيرة»، ولا يظهر فى مخيلتى متى تم طبخه. حتى أننى لا أذكر بدقة تفاصيل الوجبات أو حتى لحظة الإفطار أى الاجتماع حول المائدة، بقدر ما أذكر ساعات ما بعد العودة من المدرسة وما قبل المدفع، مع العلم أننى لم أشهد المدفع الأصلى قط، إنما ورثت عبارة «دق المدفع» والتى على الأغلب لن يفهمها جيل أولادى أبدا، اللهم سوى من عاشوا الحرب فى سوريا فسمعوا قصف المدافع ولم يربطوا دويها مع ساعة كسر الصيام.
***
أعتقد أن بعض التفاصيل المتعلقة بمناسبات مثل رمضان قد بدأت بأخذ طابع رومانسى فى داخلى. بل أعتقد أيضا أننى لم أعد أستطيع أن أميز بدقة بين أشياء عشتها فعلا وبين تفاصيل تناقلتها أسرتى. فأنا كغيرى من السوريين، أسمع الكثير من القصص من أمى ومن أبى، عن طفولتهما وعن تقاليد عائلتيهما، وقد نقلا معهما بعضا من هذه التقاليد إلى أسرتهما التى كوناها معا. ومع البعد عن بيتنا فى سوريا، فقد صرت أنظر إلى حياتى هناك وكأننى أحيانا أنظر فى صندوق الدنيا، فقد اختلطت علىّ القصص والتفاصيل. طبعا أسمع صوت بائع «الناعم»، وهو خبز رقيق مقلى مقرمش تزينه خيوط من دبس العنب، يباع على عربات أو بسطات فى أغلب شوارع دمشق خلال شهر رمضان. أسمع أيضا الدعاء من الجامعين القريبين من بيتنا هناك كل ليلة مع صلاة التراويح. أرى جدتى من أمى وجدتى من أبى، إحداهما تصلى فى البيت والثانية فى المسجد، كلتاهما بغطاء خاص بالصلاة لونه أبيض وأطرافه مطرزة.
***
للبعد ولمرور السنوات أثر على تصورنا لتفاصيل حياتنا السابقة، حتى أننى أشعر أحيانا أن ما أتذكره إنما هو أشبه بما يحكيه لى والدى أو والدتى عن طفولتيهما فى حلب أو فى دمشق. الدنيا رمضان بولائمه ومسلسلاته التلفزيونية، الدنيا رمضان بساعات الانتظار بعد المدرسة، وبمحاولات جدتى إقناعى بالإكثار من الصلاة، بينما تقلى هى القطائف فى المطبخ وتغطيها فى القطر، فيتلقفها أطفال العائلة إذ هى أهم فى عرفهم من الطعام الذى سبقها.
الدنيا رمضان وأنا أنظر من شباكى إلى شارع لا أميزه، أرى نفسى فى عمر أولادى، أجرى خلف عربة الـ«الناعم» وبيدى خمس ليرات أعطتنى إياها جدتى فى يوم كنت أزورها فيه. أشترى الرغيف الكبير المقرمش وأتساءل إن كان الله فعلا سوف يحاسبنى على تذوقى للقطعة الصغيرة التى وقعت من طرف الرغيف. هو غالبا لن يحاسبنى وإلا فلماذا أوقعها فى يدى؟

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات