البحث عن أحفاد (عطا الله) - أحمد شوقي - بوابة الشروق
الأحد 30 نوفمبر 2025 11:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

كمشجع زملكاوي.. برأيك في الأنسب للإدارة الفنية للفريق؟

البحث عن أحفاد (عطا الله)

نشر فى : الثلاثاء 29 يونيو 2010 - 10:13 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 29 يونيو 2010 - 10:13 ص
فى أكتوبر 1920، أضاف القارئ عطا الله محمد إسماعيل كتابا إلى مكتبته وحرص على تسجيل هذا التاريخ بخط جميل على غلافه الداخلى. وبعد عشرات السنين اشترى لى تلميذى الدكتور علاء سعد الدين نسخة عطا الله من أحد باعة الكتب القديمة، لأنه يعرف حبى المتطرف للكتب القديمة جدا والحديثة جدا، فى آن واحد. فالكتب القديمة تعرفنا بالأساس الذى بنيت معارفنا العلمية عليه، والحديثة توضح لنا إلى أى مدى ارتفع البنيان.

إن الفهم الأفضل لحاضر العلم ومستقبله يقوم على استيعاب تاريخه وتطور مفاهيمه وأدواته. وعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع، ودعوتى إلى العناية به ثقافيا وتعليميا، فإننى فى هذا المقال أود أن نهتم «بنموذج عطا الله»؛ هذا القارئ الناقد والمدقق للكتب العلمية الجادة، فهو نموذج مستحق الإشادة والاستعادة لو صح التعبير.

إن عطا الله، الذى يعرف نفسه بأنه من مدرسة الحقوق، عاش فى أيام محمد عبده وطه حسين والعقاد وسلامة موسى وأحمد لطفى السيد وقاسم أمين وإسماعيل مظهر، بكل ألوان الطيف الذى يمثلونه. لقد تحدثنا عنهم كثيرا، وهم يستحقون ذلك. لكننا نكرر أننا نتحدث اليوم عن القارئ الذى عاش فى عصرهم. وأظن أنه لا يقل أهمية عنهم فى تشكيل المناخ الثقافى للأمة والمجتمع. انه يمثل الطلب المحترم على الثقافة الراقية.

لقد استشعر حاجته إلى أن يقرأ عن العلم، وكان من بين ما اختاره كتاب ألفه أحد أساطينه أعنى به كارل بيرسون مؤسس علم الإحصاء الرياضى. هذا الكتاب الذى سماه بيرسون «أجرومية العلم» يناقش طبيعة العلم وعلاقته بالفرد والمجتمع، ويشرح منهجه ومجالاته، ومعنى الحقائق والقوانين العلمية والسببية والاحتمالات، وغير ذلك. ويتطرق إلى ما أنجزه العلم فى زمانه، سواء فى دراسة ظواهر الفيزياء أو علم الحياة... وقد صدرت منه ثلاث طبعات (1892، 1900، 1911)، وأعيد طبعها مرات عديدة.

وبين يدى نسخة عطا الله من طبعة 1911، وهوامشه التى كتبها موضحا المراجع التى سيسعى إلى الحصول عليها للاستزادة، ومن بينها كتاب آخر لبيرسون نفسه أبدى إعجابه به لأنه يتحدث عن أخلاقيات التفكير الحر، وآخر عن تطور العقل، وثالث عن علاقة دراسة علم الوراثة والانتخاب بعلم الاجتماع. ألا يدفعنا ذلك إلى أن نتساءل: أين أحفاد عطا الله؟!.

إن هذا التساؤل عن أحفاد عطا الله يدفعنا إلى تساؤل آخر عن المناخ الذى يدعم ظهورهم، وعن «العرض والطلب السائدين فى أيامهم». الكتب الأجنبية مرتفعة الثمن وغير متاحة بالقدر الكافى فى المكتبات العامة، والكتب العلمية العربية «سداح مداح» غير دقيقة وغير محكمة. والحال أفضل نسبيا فيما يخص «بعض» الكتب المترجمة وأكرر كلمة «بعض» بإصرار.

والانترنت هى الأفضل، لمن يستطيع الفرز والانتقاء. هذا ما يستشعره من تقابلهم من أحفاد عطا الله.
إنهم موجودون، لكنهم محبطون. إن الفهم النقدى يجعلهم يستبعدون القنوات التليفزيونية العربية، الأرضية منها والفضائية، بشكل عام. فهى تقدم الكثير من البرامج التى تنشر الخرافة واللاعقلانية.

وتمتلئ باللغو والتسطيح والأخطاء العلمية. وعندما تناقش قضية علمية نقوم «بتبطيطها» لا تبسيطها. ويقدمون الأمثلة الدالة على ذلك: مذيع يعلن عن كشف علمى مهم بعد الفاصل، ويأتى المتخصص بصورة قديمة لحيوان منوى يتحرك، ليؤكد أنه كائن حى وليس خلية حية (مصيبة علمية)..

ويبنى على ذلك آراء ما أنزل الله بها من سلطان. وكتاب يتحدث عن ثورة الجينات ويصدر ضمن سلسلة شهيرة، فى فصله الأول ثلاثة أرقام شديدة التباين لعدد الجينات فى الإنسان (مصيبة أخرى). أرقام مغلوطة توحى بوجود البشر العماليق والبشر الصعاليك. ولا علاقة لها بما قاله العلم. ثم الخطأ الشائع فى التعامل مع العلماء ككائنات غريبة عنا، جاءت من كوكب العلم البعيد. يجلس المذيع ــــ أو المذيعة ــــ أمامهم بانبهار وعدم فهم، ويمطرهم بالأسئلة العبيطة. شكرا يا أحفاد عطا الله. لقد وضعتم أيديكم على الداء، ومن حقكم علينا أن نبحث عن الدواء.

إن الدواء الذى اقترحه يؤجل الأهداف متوسطة أو بعيدة المدى، التى تتعلق بصياغة إستراتيجية طموحة للثقافة العلمية، تتضافر المؤسسات التعليمية والعلمية والإعلامية لتنفيذها. إن هذه الإستراتيجية شديدة الأهمية، لكننى أتمنى بشكل واقعى التركيز فى المدى القصير على أمر واحد، يتمثل فى ضبط الجودة.

إن حالة الثقافة العلمية عندنا لا ترضى أحدا، سواء من حيث الكم أو الكيف. ولعل مطالبة الناشرين بتحكيم ما يعتزمون نشره من كتب علمية، ومراجعة ما يترجم منها، والإعداد الجيد المدعوم بالاستشارة العلمية للمواد التليفزيونية التى تدعى مناقشة العلم والعلماء، ووجود مرصد لكشف اللاعقلانية والخرافة فى برامج الطالع وقراءة الكف وتفسير الأحلام، واللاعلمية فى الدعوة إلى بعض الممارسات الضارة بالصحة بعيدا عن الضبط والتقنين، كل ذلك يعد خطوة أساسية منهجية لتهيئة المناخ لصياغة الإستراتيجية المنشودة وتفعيلها.

ومن المهم أن يصاحب ذلك تشجيع الشباب على الترجمة والتأليف فى المجالات العلمية المختلفة، وتحفيزهم بالمسابقات والمكافآت المجزية، حتى يصير لدينا كوادر جديدة قادرة على العطاء. إن ثقافتنا تستحق أن «نعطيها» هذا الدواء، الذى يجعل العلم جزءا لا يتجزأ من نسيجها. إننا فى حاجة إلى أن يكون مجتمعنا أكثر علمية وعقلانية واستنارة، ثلاث كلمات أكررها بلا ملل، وفى هذا فليتنافس المتنافسون.
أحمد شوقي أستاذ علم الوراثة بجامعة الزقازيق
التعليقات