فى حب فلسطين - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 25 سبتمبر 2021 5:13 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

فى حب فلسطين

نشر فى : الأحد 30 أغسطس 2020 - 8:00 م | آخر تحديث : الأحد 30 أغسطس 2020 - 8:00 م

كنت أردد فى طفولتى مع محمد عبدالوهاب قصيدة الشاعر على محمود طه: أخى جاوز الظالمون المدى، فحق الجهاد وحق الفدا، والتى دعيا فيها إلى مقاومة الظلم الذى لحق بالشعب الفلسطينى مع إنشاء دولة إسرائيل، وظلت فكرة الظلم هذه ثابتة فى ذهنى منذ ذلك العهد، وتصورت معها أن التضامن مع الشعب الفلسطينى فى محنته يكاد يكون فرض عين على كل إنسان يمقت الظلم ويتطلع إلى العدل. ولم أتصور أنه سيأتى على زمن أكتب فيه مبررات لهذا التضامن. ولكن مع مقدم عصر ما بعد الحقيقة الذى نعيش فيه منذ سنوات، أصبح من الضرورى بداية الدرس من أوله، وسرد الحجج التى يستند إليها موقف التضامن، والذى لا يرجع إلى ذكريات الطفولة العاطفية، ولا رابطة العصبية مع شعب تجمعنا وإياه روابط اللغة والجوار والتاريخ المشترك، ولكنه يرجع إلى مبادئ أخلاقية وقواعد قانونية وضرورات المصلحة الوطنية بل والقومية.
لقد عززت سنوات الدراسة والعمل وتجربة التنقل فى أوساط جامعية وفكرية فى دول مختلفة وانخراطى فى الشأن العام من هذه القناعات التى تولدت منذ الطفولة، ومن إدراكى أنها ليست وليدة السياق الوطنى والسياسى الذى أحاطنى فى أعوام تكوينى الأولى، وإنما هى قناعات يشترك فيها ملايين من البشر عبر أنحاء العالم، وصولا إلى الجامعيين فى مؤسسات أوروبية وأمريكية قادتهم هذه القناعات للمطالبة بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، بل وحتى الجناح التقدمى فى الحزب الديمقراطى فى الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة بيرنى ساندرز، والذى هو بالمناسبة يهودى متمسك بيهوديته، ولا يرى تناقضا بينها وتأييده لحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره. والعجيب أنه مع انتشار هذه القناعات عبر أنحاء العالم، نجد بين العرب الذين هم الأقرب بحكم الثقافة والتجربة التاريخية مع الفلسطينيين من يشيد بتجاهل هذه الاعتبارات الأخلاقية والقانونية والمصلحية، ويهرول، كما قال الزميل الأكاديمى الإماراتى الدكتور عبدالخالق عبدالله، للترحيب بالتطبيع مع إسرائيل.
السياق التاريخى لظلم الفلسطينيين
هذا الظلم الذى وقع على الفلسطينيين هو مجرد صورة لما أصاب أغلب شعوب العالم فى ظل الفترة الاستعمارية التى امتدت خمسة قرون، وخضع لها الوطن العربى منذ القرن التاسع عشر، ولكن ما لحق الفلسطينيين كان أبشع صور هذه الفترة، وهى الاستعمار الاستيطانى، والذى كانت أبرز تجلياته فى جنوب إفريقيا وفى روديسيا الجنوبية (زيمبابوى بعد الاستقلال) وفى الجزائر قبل استقلالها، وعلى حين أنه فى تلك المجتمعات تواجدت أقلية أوروبية مع أغلبية من السكان الوطنيين، وانتهى الأمر بإنهاء حكم الأقلية مع الاستقلال أو بوضع حد للحكم العنصرى، تعاملت الأقلية اليهودية الأوروبية مع الفلسطينيين على أن فلسطين كلها هى أرض بلا شعب، أصبح من المشروع أن يقيم فيها شعب بلا أرض. هذه العقيدة العنصرية المخالفة للواقع وللتاريخ هى التى وجهت ممارسات الحركة الصهيونية منذ منحها الاستعمار البريطانى كل التسهيلات لإقامة ما سمى فى وعد بلفور المشئوم وطن قومى لليهود. وبدأ مخطط طرد الشعب الفلسطينى من أرضه تدريجيا بوسائل مختلفة شملت الإرهاب أثناء حرب فلسطين الأولى، والاحتلال للضفة الغربية وغزة بعد حرب يونيو فى 1967، وبتوسع المستوطنات منذ ذلك التاريخ، وأخيرا بمشروع الضم الذى لم تتنازل عنه إدارة بنيامين نتنياهو حتى مع ما سمى بمشروع معاهدة سلام مع دولة الإمارات، واقترن ذلك كله بتجاهل القرى الفلسطينية داخل حدود إسرائيل قبل سنة 1967 فى الخرائط الرسمية لحكومتها تمهيدا لاقتلاع سكانها منها، مع ممارسة التمييز ضد من بقى من الفلسطينيين داخل هذه الحدود أو فى كل الأراضى التى احتلتها إسرائيل بعد يونيو 1967.
لن أدخل فى ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلية، فمجرد توصيف وجود إسرائيل بأنه مشروع استعمارى يسقط الشرعية عن هذا الوجود، ويجعله مرفوضا أخلاقيا، لأنه ينطوى على إنكار الحقوق المتساوية لكل البشر بل ويتجاهل تماما وجود الشعب الواقع تحت السيطرة الاستعمارية، وكل استعمار هو مؤسسة غير إنسانية، وعلى الرغم من ادعاءات فلاسفة الاستعمار الأوروبيين، ليس هناك استعمار ذو وجه إنسانى، وآخر يفتقد هذا الوجه، وليست هناك رسالة حضارية أو تمدينية للاستعمار، فجوهره هو الاستغلال الاقتصادى للشعوب المستعمرة، بل إن هذا الوجه القبيح للاستعمار هو أكثر وضوحا فى حالة الاستعمار الاستيطانى الذى تمثل إسرائيل أحدث صوره، لأنه يجاهر ليس فقط بأن المستعمرين هم أرقى ممن استعمروهم باعتبارهم شعب الله المختار، بل يود لو تجاهل تماما وجودهم، وتخلص منهم بمشروعات التهجير للتوطن فى بلد آخر مثل الأردن، وهى مشروعات دعا لها بعض قادة إسرائيل، أو بالتضييق عليهم فى حياتهم حتى يغادروا بلدهم بكامل إرادتهم.
ووصف المشروع الصهيونى بأنه ظلم وقع على الشعب الفلسطينى يتسق تماما مع إدانة أى ظلم أصاب شعبا من الشعوب أو جماعة من البشر. وبهذا المنطق لا ينكر المتضامنون مع الشعب الفلسطينى الظلم الذى كان اليهود ضحية له فى أوروبا، ولكنهم لا يقبلون أن يكون حل المشكلة اليهودية فى أوروبا هو على حساب الشعب الفلسطينى، ويتفقون فى ذلك مع كثيرين من المثقفين اليهود الذين يرون أن حل هذه المشكلة كان فى مكافحة الاضطهاد داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها، والتخلص من النظم التى كانت تتعيش على مواصلة هذا الاضطهاد.
الاستعمار الصهيونى انتهاك للقانون الدولى
ولا يستند التضامن مع الفلسطينيين فقط لاعتبارات أخلاقية، ولكنه ينهض أيضا على اعتبارات قانونية تعتبرها كل الإنسانية قواعد ملزمة لكل الدول والحكومات. والحق فى تقرير المصير هو أول هذه القواعد، وهو حق ينطبق أساسا على كل الشعوب المستعمرة، ويؤهلها لتختار بحرية مركزها السياسى، هل تكون لها دولتها أم تبقى فى نفس أوضاعها الراهنة، وأن تسعى لبلوغ غاياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن تتحكم فى مواردها الطبيعية وتديرها، وألا تحرم من وسائل عيشها، كما يقضى هذا الحق بضرورة حصول الشعوب تحت السيطرة الاستعمارية على استقلالها.. هذا الحق الأساسى الذى هو الأول فى قائمة كل من الحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى عهدى الحقوق المبرمين فى سنة ١٩٦٦، وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية قد انضمت إلى هذين العهدين فى سنة ١٩٩١، إلا أنها تنتهك كل عنصر فى المادة الأولى فى كل منهما. هى لا تترك للشعب الفلسطينى الحرية فى تحديد مركزه السياسى، ولا تقبل بخيار الدولة الفلسطينية، ولا تسمح للفلسطينيين بالتحكم فى مواردهم الطبيعية وإدارتها وفى مقدمتها الأراضى والمياه بإقامتها للمستوطنات والطرق الالتفافية، وتقييد استخدام الفلسطينيين للمياه، كما تحرم الشعب الفلسطينى من وسائل العيش بالقيود التى تفرضها على المعاملات المالية فى الضفة الغربية بما فى ذلك حصيلة الضرائب الجمركية، والحصار المستمر لقطاع غزة، كما أنها تبقيه تحت السيطرة الاستعمارية متنكرة أيضا لالتزاماتها كسلطة استعمارية بألا تغير الطابع الديموجرافى والثقافى للمناطق الخاضعة لاحتلالها بسبب سياسات التهجير التى تتبعها وباعتداءاتها المستمرة على المقدسات الفلسطينية وخصوصا فى الخليل.
وجود إسرائيل وأمن الشعوب العربية
هذه الاعتبارات الأخلاقية والقانونية تدفع الملايين من البشر فى كل أنحاء العالم، وليس العرب وحدهم، للتضامن مع الشعب الفلسطينى. فلا يمكن لأصحاب الضمائر الحية أن يتجاهلوا خروج إسرائيل على هذه المبادئ السامية باستمرار احتلالها العملى لأراضى فلسطين، حتى وإن كان ما لا يزيد عن ٢٢٪ من مساحة الضفة الغربية وغزة هما نظريا تحت سيطرة السلطة الفلسطينية وحركة حماس، ولكن حتى فيهما تتمتع القوات الإسرائيلية بكل الحرية فى التوغل فى أراضيهما كلما شاءت ذلك. ولكن يضاف إلى ذلك فيما يخص الدول العربية التهديدات الواضحة لأمنها، والتى تجد تعبيرا لها فى استمرار احتلال إسرائيل لأراض عربية فى جولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية، وغاراتها شبه اليومية على سوريا، وتكرار شنها للحروب على لبنان، بل ولم تسلم الدول العربية غير المجاورة لها من انتهاكات لسيادتها بغارة إسرائيلية على المفاعل النووى العراقى فى يونيو ١٩٨١، واغتيال قواتها الخاصة لقيادات فلسطينية فى تونس فى أكتوبر ١٩٨٥. ودعمها بالسلاح الحركات الانفصالية فى الدول العربية وخصوصا أكراد العراق وجنوب السودان.
وعلى عكس ما تشيعه كتابات إسرائيلية تشيد بما يمكن أن يحدث من تقدم فى الدول العربية إذا ما قبلت التعاون مع إسرائيل، فإن القادة الإسرائيليين يدركون جيدا أن عدوهم الحقيقى هو تقدم الدول العربية. التقدم العلمى والصناعى والعسكرى فى الدول العربية هو الذى يحقق التكافؤ الصحيح مع إسرائيل، ولذلك تحرص إسرائيل على أن يبقى لها التفوق التكنولوجى والعسكرى على الدول العربية كافة، بل وحتى عندما تبرم حكومة عربية معاهدة سلام معها، فإن ذلك لا يثنى إسرائيل عن مقاومة جهود تلك الحكومة فى تعزيز قدراتها العلمية والعسكرية، وهو ما تشهده دولة الإمارات من مقاومة الحكومة الإسرائيلية مساعيها للحصول على طائرات ف ٣٥ المتقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية. ولا شك أن أيادى المخابرات الإسرائيلية كانت وراء سلسلة الاغتيالات التى طالت علماء عراقيين بعد احتلال القوات الأمريكية للعراق فى سنة ٢٠٠٣ أو العالم النووى المصرى يحيى المشد فى باريس فى يونيو ١٩٨٠، وكان من العلماء البارزين فى تصميم المفاعلات النووية وكان يعمل فى تشييد المفاعل النووى العراقى. كما تحرص الحكومات الإسرائيلية على أن تستخدم علاقاتها بدول الجوار لإبقاء الدول العربية تحت تهديد التوتر فى علاقاتها مع هذه الدول. فلنراجع خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلية أمام البرلمان الإثيوبى فى يوليو ٢٠١٦ والذى أعلن فيه تأييد إسرائيل لمشروع السد الإثيوبى، وما أعقب ذلك من تزويد إسرائيل الحكومة الإثيوبية بنظام دفاع صاروخى لحماية موقع السد.
التضامن مع الشعب الفلسطينى والموقف من إسرائيل
يحلو لأنصار التطبيع بلا مقابل مع إسرائيل أن يسرعوا بطرح السؤال على من يعلنون عن تضامنهم مع الشعب الفلسطينى: هل تريدون أن تشن الحكومات العربية الحرب على إسرائيل؟ يتصور هؤلاء أن من يدعون إلى مناصرة الشعب الفلسطينى هم من السذج الذين لا يعرفون واقع العلاقات الدولية، أو من أنصار المغامرات العسكرية والقفز إلى المجهول. التضامن مع الشعب الفلسطينى هو الموقف الذى يتبناه بالفعل الكثيرون فى جميع أنحاء العالم، وهؤلاء، مع إدراكهم لأن الشعب الفلسطينى قد تعرض للظلم باحتلال إسرائيل لأراضيه، فإنهم لا يجدون الحل فى «رمى إسرائيل فى البحر» كما يقول البعض، وإنما يعرفون أن تاريخ العالم حافل بالمآسى التاريخية، ولذلك فإن معظمهم يتبنى فكرة حل الدولتين، دولة فلسطينية يتمتع فيها الفلسطينيون بحق تقرير المصير، إلى جانب دولة إسرائيل ضمن حدود ١٩٦٧، وهو الحل الذى يميل إليه المجتمع العالمى باستثناء إدارة ترامب فى الولايات المتحدة فى الوقت الحاضر. وقد يقفز البعض منهم ويحلم بدولة واحدة ديمقراطية علمانية يعيش فيها اليهود والعرب على قدم المساواة جنبا إلى جنب، ولكنه اقتراح لا يميل إليه الإسرائيليون الذين يريدون دولة يهودية خالصة. أصحاب هذا الموقف التضامنى مع الشعب الفلسطينى يرفضون أيضا هذه التنازلات المجانية التى تقدمها حكومات عربية لإسرائيل لأن مثل هذه التنازلات فى رأيهم تشجع إسرائيل على تجاهل التزاماتها القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطينى، كما أن تضامنهم مع الشعب الفلسطينى لا ينسحب إلى تأييد القيادات الفلسطينية المنقسمة على نفسها فى هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ القضية الفلسطينية، ويرون فى هذا الانقسام مصدرا رئيسيا لضعف القضية الفلسطينية ومسوغا لأنصار التطبيع بلا مقابل لكى يواصلوا مسيرته خدمة لغايات لا علاقة لها بأوضاع الفلسطينيين.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات