اللاجئات السوريَات إلى لبنان.. وتحدِيات الأمومة - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 6:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

اللاجئات السوريَات إلى لبنان.. وتحدِيات الأمومة

نشر فى : الخميس 31 مارس 2022 - 9:25 م | آخر تحديث : الخميس 31 مارس 2022 - 9:25 م

نشر مركز الفكر العربى مقالا للكاتبة نجلاء حمادة تناولت فيه الدراسة التى قامت بها فاديا حطيط ونهوند القادرى عن الأمومة، وهى دراسة تميزت فى نظر الكاتبة بأنها دراسة ميدانية تقربت من واقع الأمهات وابتعدت عن النظريات والقوالب السائدة.. نعرض منه ما يلى. 

حاولنا مرارا فى «تجمع الباحثات اللبنانيات» أن نضع كتابا سنويا عن الأمومة، ولم نوفَق، ذلك أن هالة الشغف والامتنان المُحيطة بالأمومة تُصعِب الاقتراب الذهنى منها، كما أن التناقضات حولها تجعلها موضوعا شائكا ومُحيرا. فالأمومة تُبجَل بل تُقدَس تارة ويُجحَف بحقها تارات.

لليلى أحمد فى كِتابها «المرأة فى الإسلام» فصلٌ رائعٌ عن التفاوُت بين نظرة الإسلام الأخلاقية المُمجِدة للأُمهات وبين الشرع الذى يبخسهن معظم حقوقهن. وفى كتابهما الإلكترونى المدعوم بمنحة بحثية من المعهد الدولى للتربية، عبرت الباحثتَان فاديا حطيط ونهوند القادرى عن مثل هذا التوجُه، من خلال «إعطاء الأمهات مكانة رمزية ثمنا للإجحاف بحقهن».

فى كلامه عن المَعنيين باستقصاء الحقيقة مُقارنة بغَير الآبهين لها أو المُتلاعبين بها، يقول الفيلسوف الروسى إسكندر بوغين إن العِلم يبحث عن الحقيقة بينما يعمل الإعلام على قَوْلَبة الحقائق أو تحويرها أو إغفالها وفق مرامى الإعلامى و/ أو توجُه المؤسسة التى يعمل فيها. وقد سبق أن لحظَ فلاسفةُ المعرفة وجود نوعَيْن من العلوم: علومٌ صلبة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات تتوافر لها البراهين الحسية أو/ والمنطقية الدامغة، وعلومٌ لينة هى مجمل العلوم الإنسانية التى يصعب الجزم بمقولاتها أو البرْهنة على ما تدعيه. ومَن يطلع على نظرياتٍ واستنتاجاتٍ فى مجال العلوم الإنسانية يرى أنها كثيرا ما تُشبه الإعلام بتكاذُبِها المغرض. وبالنسبة إلى ما يتناول النساء من هذه «العلوم» تَذكر الباحثتان نقلا عن فوكو القمعَ المبطَن لهن فى إغفال كل ما هو نسائى وكأنه «نافل الوجود». وجلى أن النظريات التى وضَعها فلاسفةٌ رجال أو رجالُ دين تُبالغ فى تسطيح النساء وتشييئهن، أما المُنظِرات النسويات فيسعَيْن إلى رد الاعتبار لجنسهن وصولا أحيانا إلى الادعاء بتفوقه أخلاقيا وإنسانيا على الجنس الآخر. 

فى مُواجَهة التناقُض فى الكلام على الأمومة وقلة مصداقية الحقل الذى يقع فيه هذا الموضوع، اختارت الباحثتان فاديا حطيط ونهوند القادرى التركيز على الاستقصاء الميدانى وعدم الخروج عن حيزه، إلا فى ما ندر. وانطوى خيارهما هذا على تضحيةٍ بسعة نِطاق الدراسة، لكنه خيار حل لهما مشكلتَيْ التناقُض والمصداقية. فالتناقُض الذى من شأنه أن يُقوِض النظريات والجدليات يبقى مقبولا ومألوفا عند توصيفِ واقعٍ وجودى. وفى مُواجَهة التشكيك المشروع بنظريات العلوم الإنسانية، جاء خيار القادرى وحطيط وكأنه استجابة للقول الشعبى: «إذا كان الكذب حجى (حجة) فالصدق بينجى»؛ إذ لا شك أن أصدق ما يُقال عن الأمهات هو تعبيرهن عن معيشهن ومَشاعهرن بدل تحدُث المُنظرين باسمهن. ولعل واقع أن الأمهات فى عينة الدراسة، ولكونهن من بين الأقل ثقافة، وبالتالى الأقل تأثُرا بالنظريات وبالبروباجندا الإعلامية، قد ضاعَفَ من مصداقيتهن، وبالتالى مما تنطوى عليه الدراسة من دلالات.

• • •

استعرضت حطيط والقادرى فى الجزء الأول من الدراسة نظرياتٍ عن الأمومة بين تقليديةٍ أبوية ونسويةٍ مُتدرجة فى اعتراضها وصولا إلى المستوى الجندرى الساعى إلى المُساواة عن طريق التنمية. فذكَرَتا أن النظرة الأبوية التقليدية للأمومة جمَدتها أو «سجَنتها» داخل طبيعتها البيولوجية. أما ما ذكرتاه عن مُناقَضة المنظرات من النساء لهذا التجميد فاشتمل على اعتبار سيمون دو بوفوار وغيرها الأنوثة والأمومة أدوارا اجتماعية غير حتمية. ولم تغفل الباحثتان ذكر بعض المنظرين العرب أمثال جميل حمداوى وداليا أحمد، فذكرتا أن الأول يصر على أن تقييم الأدوار هو مسألة اجتماعية متحركة وأن الثانية توصى بأن تتم دراسة الأمومة بمعزل عن الانحياز النسوى.

وفى توصيفهما للأوضاع المادية والقيَمية للاجئات، ميَزت الباحثتان بين الهجرة المُختارة واللجوء القسرى، ولَحظتا أن للجوء السوريين إلى لبنان خصوصية تكمن فى التقارُب الجغرافى بين البلدَيْن، فضلا عن علاقات النسب والتقاليد المتشابهة، فى حين أن اللاجئات السوريات فى ألمانيا يُعانين نفسيا بقدرٍ أكبر مما تُكابده نظيراتهن فى لبنان.

وتسهب حطيط والقادرى فى توصيف الأوضاع التى وجدت نساء العينة أنفسهن فى حيزها من لجوء وفقر وحروب، فى مساكن ضيقة أو فى مخيمات تغيب فيها الخصوصية، وحيث يُعانين من ضيق العيش حتى فى تأمين الغذاء لأسرهن، فى ظل قوانين لا تسمح لهن بالعمل إلا فى قطاعات غير رسمية، وحيث يخضعْن لـ«شاويش المخيم» من أجل تسيير أمورهن الضرورية، بما فى ذلك استحصالهن على الأوراق الثبوتية لهن ولأولادهن.

وبالإضافة إلى أوضاعهن المادية، تُذكِر الباحثتان بما نمت عنه الدراسة الميدانية من تقاليد نشأت الأمهات عليها، كمقولة أن «السترة» أولوية وأن التضحية أو الرضوخ لقيَمٍ بطركية ولإرادة الزوج حتى فى أمور التربية مطلوبة ومتوقعة منهن. 

وقد بدا من المخطط الذى اتبعته الباحثتان أن غايتهما من ذكر النظريات عن الأمومة ومن توصيف الأوضاع الثابتة كما المستجدة لما تعيشه الأمهات كانت توفير خلفية يستعين بها القارئ أكثر منها وسيلة للإضاءة على ما تنم عنه الدراسة أو تساعدهما فى استخلاص الأحكام و/ أو فى تبرير مقولاتهما.

• • •

كما فى كثير من الدراسات الميدانية، تبنت القادرى وحطيط ثلاث أدوات لجمْع البيانات، هى الاستبيان والمقابلة والمجموعة المركزة. فالاستبيان لوحده كثيرا ما يؤدى إلى مُغالطاتٍ مردها أن المُجيبين عليه قد يتسرعون أو قد يعطون الإجابات المتوقعة أو السائدة أو المُنمَطة. وبما أن المُقابلة تركز أكثر على الفرد فقد تستحثه على مُواجَهة واقعه ومشاعره بعُمق وفرادة أكبر. أما النقاش ضمن المجموعة المركزة فغالبا ما يؤدى، بفضل ما يستدعيه من عودةٍ إلى قيمتَيْ العدالة والجدوى ومن تبادُلٍ للخبرات والأفكار، إلى بلْورةِ مواقف وقناعات لم تكُن قد وصلت تماما من قَبل إلى الوعى أو القناعة أو الهدف. وقد وجدتِ الباحثتان أن القناعة والرضا عند الأمهات كانا أقل فى المقابلة منهما فى الاستبيان وأقل فى المجموعة المركزة مما كانا عليه فى المُقابلة. ونمَ النقاش المركز عن مُراجعة الأمهات لدَور البذل والتضحية الذى تقمصْنه، ما أشعرهن بالتقصير بحق أنفسهن.

واستنتجت الباحثتان من التفاوُت بين ما تقوله الأمهات عن الإنجاب وما قلْنه عن التربية أن النساء يكن أكثر استكانة لمصيرهن فى الإقبال على الزواج ــ الأمومة وفى القبول بسلطةٍ هرمية قبل أن يلدن وتُصبح أمومتهن «أمومة عارفة» بالقوانين وبهشاشة أوضاعهن وبدورهن التربوى، حيث ينزعن أو يرغبن بدَور أكبر فى اتخاذ القرارات، بخاصة بعد تأثُر كثيرات منهن بالبيئة الجديدة وبتوصياتِ الجمعيات وبعد سقوط هالة الرجل بسبب التهجير.

وقد أظهرت الدراسة الميدانية أن للبيئة التى تعيش فيها الأمهات ضمن المكان تأثيرا وازِنا فى تقبلهن للوضع المستجد وفى تأقلمهن معه، فبدا أن مَعيش الأمهات اللاجئات مع أسرهن فى بنايات يحرسها أزواجهن أصعب عليهن من السكن فى خيام داخل المخيم. فعائلة ناطور البناية تسكن ضمن جدران ضيقة ويكون معظم تعاطيها مع سكان البناية المُختلفين عنها فى العادات وفى المستوى المعيشى. أما ساكنات المُخيم فيجدن عضدا اجتماعيا وراحة نفسية فى مُساندة الجيران وفى التعاطى مع مَن تتماثل أوضاعهم مع أوضاعهن. ولمُساندة الأنداد مزية على مساندة الأهل لكونها طوعية ومُتبادَلة وغير مقرونة بسلطةٍ تُفرض على المتلقى. وقد رحبت معظم النساء بتواجد الزوج بصورة أكبر ضمن الأسرة بعد التهجير وحتى بتدخله أكثر فى تربية الأولاد، مُقرات بحقه فى أن تكون له الكلمة الأخيرة. ويُقرأ بين السطور أن سقوط هالة الزوج وتواجده الأكبر مع الأسرة قربا الزوجَين من بعضهما البعض وأضفيا حميمية ندية على العلاقة بينهما، الأمر الذى عزَز الاندماج بين أعضاء الأسرة المصغرة (النووية). وعبرت بعض الأمهات عن أن الزوج غدا بيتهن فى غياب الجدران. وبدت غالبية الأمُهات سعيدات بأمومتهن، على الرغم من قلقهن على سلامة أولادهن من الأذى الجسدى والاستغلال الجنسى والإدمان وعلى نظافتهم (كرامة، سُمعة) وخوفهن مما يُخبئه لهم المُستقبل. وأقرت غالبية الأمهات بأن أسلوبهن فى التربية اختلف عما خبرْنه عند أهاليهن بسبب اللجوء وتغيُر الجو العام، بخاصة مع توافُر وسائل التواصُل الاجتماعى التى تُشجع الأطفال على التعبير عن آرائهم أو التشبث بها على حساب إطاعة الأهل.

• • •

أختم بالقول إن هذه الدراسة تتميز بطزاجة مُنعشة مردها النظرة المُحايدة وغير السلطوية للباحثتَيْن، واستقلاليتهما عن المعايير والقوالب السائدة المُستقدَمة فى غالبها من الغرب. وقد أضافت الأمهات إلى موضوع الدراسة هذه المزايا، بحيث تجلى ذلك من خلال وعيهن لأوضاعهن الجماعية كلاجئات وضمن الأسرة، وفى عدم تأثرهن بما لم يقتنعن به، بتبنيهن بعض ما أملته عليهن الجهات المانحة من معايير تغييرية وعزوفهن عن بعضها الآخر. فعلى الرغم مثلا من التركيز على أهمية تعليم الأولاد، بدت الأمهات أكثر اعتمادا على ارتزاق أولادهن فى المستقبل من العمل اليدوى أو الصنائعى.

وما عبرت عنه الأمهات من ارتياحهن للتضامُن الجماعى داخل المخيم ينفى بصورة غير مباشرة التثمين المُطلق للفردانية المستقلة، مُذكرا بأن الذات التواصلية فى الحضارات الشرقية هى غير الذات المُغلقة الحدود التى يتربى عليها الغربيون. فاعتبار اللاجئات السوريات أن أمومتهن تؤنْسِنُهن وتؤنِسُهُن ويلذْن بها وبالعائلة من صعوبات التهجير والفقر، يُعبِر أو يصف منحى يُناقض الكثير من النظريات النسوية السائدة الساعية إلى تحجيم دَور الأمومة فى حياة النساء. فقد أضاءت الدراسة على ما تمنحه الأمومة للنساء من سعادة، بينما السعادة قيمة لم تلْحظها بعض النسويات المتقدمات فى الغرب.

بدت الأمهات والباحثتان فى هذه الدراسة مُتجاوزات للأسلوب والتقييم الغربيَيْن الشغوفَيْن بالبحث عن تعارُضٍ بين العقل والجسد أو السيد والعبد أو العقل والعاطفة. وفى ظنى أنه لو سألنا الأمهات موضوع الدراسة إن كانت أمومتهن غريزية أم دَورا مُكتسبا أو إن كان مبعثها العقل أو العاطفة أو إن كن راضيات أم لا عن مدى قدرتهن على فرْض إراداتهن ضمن الأسرة وعلى تربية الأولاد لتَثَاءَبْن وتشاغَلْن بأمرٍ أكثر جدوى وأقرب إلى معيشهن وإلى تحقيق ما فيه خير جماعتهن. ولا غرْوَ، فالتوحيد نشأ فى الشرق والرأسمالية هى من بنات الفكر الغربى التى ما فتئ الغربُ يروج لها ويتمسك بها.

النص الأصلى

التعليقات