مقاربة نقدية من منظور سيكولوجي في رواية «اسمها حياة» للكاتب أحمد صبري أبو الفتوح.. من قلق الموت إلى مصالحة الذات - رشا الفوال - بوابة الشروق
الخميس 10 سبتمبر 2026 9:17 م القاهرة

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

مقاربة نقدية من منظور سيكولوجي في رواية «اسمها حياة» للكاتب أحمد صبري أبو الفتوح.. من قلق الموت إلى مصالحة الذات

نشر فى : الخميس 10 سبتمبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الخميس 10 سبتمبر 2026 - 6:35 م

على افتراض أن قلق الموت يُمثل خوفًا حقيقيًا، يستطيع الإنسان إدراته من خلال الانسجام مع فكرة الخلود إما عن طريق الإيمان بالحياة الآخرة، أو رمزيًا عن طريق العلاقات الداعمة اعتمادًا على آلية التوحد بشخص ما لإبقاء القلق تحت السيطرة.(1)

 


في رواية: اسمها حياة الصادرة عن دار الشروق عام 2026م، لا يستخدم الكاتب: أحمد صبري أبو الفتوح تجربة المرض بوصفها موضوعًا روائيًا، إنما بوصفها حدثًا كاشفًا للوعي؛ فالمرض يُعيد ترتيب الذاكرة ويُعيد طرح التساؤلات الوجودية، وهو ما يجعلها -أى الرواية- أقرب إلى ما يسمى في النقد الحديث بالرواية التأملية النفسية؛ فلم يعد الخطاب الروائي معنيًا بتتبع الحدث الخارجي فحسب، وإنما أصبح معنيًا أيضًا باستكشاف المناطق المعتمة في بنية الذات، ومحاولة تفسير ما يختبىء فيها من مخاوف ورغبات وصراعات، وما في ذلك التتبع من قدرة على تمثل التجربة الحياتية في أكثر صورها تعقيدًا، بداية من الوقوف على الحافة الفاصلة بين الموت والحياة، بعد أن يتلقى البطل خبرًا طبيًا بقُرب رحيله يقضي بما يمكن تسميته الصدمة المؤسسة ؛ فما أن يسمع عبارة الطبيب: It is too late… I'm sorry حتى يبدأ النص في التحول من رواية عن المرض والموت إلى رواية عن الإنسان، يمكننا تناولها عبر المحاور التالية:

المحور الأول: ما قبل الرواية (العنوان، الإهداء، الاستهلال السردي)

 


إذا تناولنا العنوان: اسمها حياة من الدِلالة إلى أفق التأويل، نكتشف أنه عنوانٌ يؤدي وظيفة جمالية تمنح المتلقي مفتاح الدخول إلى عالم الحكاية؛ فالكاتب يقدم الحياة بوصفها شخصية، لا بوصفها مفهومًا مجردًا، ثم تتشكل المفارقة -التي تُمثل البنية الفكرية العميقة للرواية- عندما يصطدم المتلقي منذ صفحاتها الأولى بخبر اقتراب موت الشخصية المحورية، بالتالي فالعنوان لا يُحيل إلى حياة الإنسان بمعناها الزمني، بل إلى معناها الوجودي كخبرة يُعاد فهمها ومحاولة الوصول إلى معناها.
فإذا انتقلنا إلى الإهداء باعتباره المفتاح العاطفي الأول، يقول الكاتب: "أهدي هذه الرواية إلى روح أمي وحبها للبهجة والحياة" وهو إهداء يخلق منذ البداية ثنائية (الأم/ الحياة) في مجابهة ثنائية (الفقد/ الموت)؛ كأن الأم -موضوع الحب الأول- هى الأصل الرمزي لحياة الشخصية المحورية، والوسيط النفسي بينه وبين العالم.
ثم يبدأ الاستهلال السردي من الخارج إلى الداخل، حيث تبدأ الرواية بمشهد سفر يبدو في ظاهره مشهدًا واقعيًا؛ سيارة تتحرك وطريق يمتد وراوٍ يتنقل من مكان إلى آخر، غير أن الحكي لا يلبث أن ينقلب إلى حركة تنقلات داخلية؛ فبينما تستمر السيارة في قطع الطريق، يبدأ الوعي في قطع مسافات نفسية أطول داخل الذاكرة، حتى يصبح الزمن النفسي هو المحرك الحقيقي للأحداث.


المحور الثاني: قلق الموت وإعادة تنظيم الذات

 


اعتادت المحكيات العربية في معظم نماذجها، على أن تجعل الموت خاتمة تُمثل لحظة إنهاء المصير الإنساني، غير أن الرواية الحالية تقلب هذا الاعتياد رأسًا على عقب؛ فالموت يحتل الصفحات الأولى ويمكننا اعتباره المحرك الأساسي للأحداث الفرعية اللاحقة؛ فإذا بالسؤال التالي يطرح نفسه: كيف يحيا الإنسان عندما يعرف أن موته صار قريبًا؟ هنا يأتي دور الصدمة النفسية في إعادة تنظيم الوعي عبر المراجعة الوجودية للذات(وهى عملية معرفية تبدأ عندما يُسيطر على الإنسان قلق الموت)، هذا يعني أن مصدر القلق الحقيقي ليس الموت بوصفه حدثًا، وإنما ما يتركه الموت خلفه من ذاكرة لم تُغلق ملفاتها بعد.

 


المحور الثالث: الزمن النفسي وإعادة بناء المعنى

 


على افتراض أن حركية الزمن النفسي تتم وفق إيقاع الوعي؛ إذ ترتد النفس عند التورط في قلق الموت إلى جذورها؛ فتكون أولى الذكريات التي تتداعى متصلة بشخصية الأب والطفولة والبيت القديم في القرية، هذه العودة وسيلة للتصالح مع الماضي ومحاولة فهمه، في هذا السياق نجح الكاتب في تحويل تجربة المرض التي يمر بها البطل إلى تجربة إنسانية عامة. بالتالي يمكننا اعتبار الشخصية المحورية في الرواية تنتمي إلى نمط الشخصيات التي يسميها النقد الحديث الشخصية الوعي Consciousness Character، وهي الشخصية التي تكتسب أهميتها من كثافتها السيكولوجية التي تُمكنها من تحويل تجربة المرض إلى موضوع للتأمل وإعادة إنتاج المعنى من خلال ما يسميه علماء النفس الوعي الانعكاسيReflective Self-Awareness.
بداية تتجلى شخصية الأب صاحب الرؤية الوطنية والاجتماعية، بوصفها المرجعية الأخلاقية والمنظومة الداخلية التي تضبط السلوك التي تشكلت من خلالها شخصية البطل، يبدو ذلك واضحًا في حديثه عن الإصلاح الزراعي، والربط بين امتلاك الأرض وبين الإحساس بالكرامة أولًا، وفي حرصه على تعليم ابنه قيمة النزاهة والعمل ثانيًا، ثم شخصية الأم باعتبارها الذاكرة الوجدانية الأولى، وشخصية الابنة التي تُعد امتدادًا جوهريًا لوجود شخصية البطل، ثم الجُرح المتمثل في الأثر النفسي الذي تركه غياب شخصية الزوجة، بعيدًا عن الرغبة في الانتقام منها أو إدانتها، كأن الكاتب يحول حدث الانفصال إلى مناسبة للكشف عن نضجه النفسي، وشخصية الأخ (الذات المضادة)؛ فهو ليس خصمًا بالمعنى التقليدي، والخلاف بينهما فكري وثقافي وسياسي، تم تجسيده في اختلاف وجهات النظر في الدين، والوطنية، والسلطة، والمجتمع.

 


المحور الرابع: التداعي الحر... وصورة المرأة

 


من أبرز السمات الفنية في الرواية اعتمادها على آلية التداعي الحر حين يقود حركة الحكي، بالتالي فالرواية تحقق توازنًا خفيًا بين حرية التداعي وانضباط البناء الفني؛ فلا تقع الحكاية في التفكك -الذي قد يصاحب بعض روايات تيار الوعي- بل تحافظ على استمرارية الهوية التي تجعل المتلقي قادرًا على تتبع تطور الشخصية المحورية رغم كثرة التنقلات الزمنية.
في هذا السياق تؤدي الأغنية وظيفتها كوسيط نفسي بين الحاضر والماضي؛ فالرواية لا تقدم أحداث الماضي كما وقعت، بل كما بقيت آثارها داخل النفس، وهو فارق جوهري بين تاريخ الإنسان وذاكرته؛ فالتاريخ يُعيد ترتيب الوقائع، أما الذاكرة فتُعيد ترتيب المشاعر، هنا تتحول الذاكرة إلى عملية نقد ذاتي في ضوء وعي جديد تشكل تحت ضغط اقتراب النهاية
فإذا انتقلنا إلى دراسة صورة المرأة؛ للكشف عن طبيعة الرؤية التي يتبناها الكاتب تجاه المرأة، ووظيفتها في بناء عالمه الروائي؛ فالمرأة لا تُقدم بوصفها موضوعًا للعلاقة العاطفية، إنما بوصفها مستودعًا للحياة، تتنوع صورها بين الأم (المرجع الوجداني الأول) الذي تستند إليه ذات البطل في مجابهة القلق، والزوجة التي غادرت وتركت ابنتها، والابنة التي كلما استشعر البطل هشاشة وجوده تجلت صورتها، والأخت حاملة الذاكرة ومانحة للأمان والحبيبة: حياة بوصفها مصدرًا للتوازن النفسي؛ فهى ليست موضوعًا للرغبة بل موضوعًا للوجود، كأن الكاتب يُعيد الاعتبار إلى الوظيفة الإنسانية للمرأة داخل البناء الروائي ويجعلها عنصرًا من عناصر مقاومة الفناء.


المحور الخامس: المكان كمؤسس للهوية

 


على افتراض أن الرواية التأملية تعتمد على المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الشخصيات، يتعامل الكاتب مع المكان باعتباره كيانًا نفسيًا وثقافيًا تتشكل داخله الذات الإنسانية، فبداية من صفحاتها الأولى يتجاور فضاءان متقابلان: أمريكا بوصفها مكانًا للعلاج، والقرية بوصفها مكانًا للحياة، عبر هذا التقابل يؤسس البطل رؤية فلسفية ترى أن قيمة الأماكن تُقاس بما تمنحه للإنسان من شعور بالانتماء؛ أيضًا عندما ننظر إلى جذر المكان وعلاقته ببطل الرواية، نجد أن بيت الطفولة هو الجذر الذي يمنحه القدرة على استعادة تجاربه المكانية(2)؛ فالقرية كمكان مؤسس للهوية تعني أول دروس العدالة، وأول معاني الكرامة وأول اختبارات المحبة، هنا تتجاوز الرواية الثنائية السطحية بين الشرق والغرب، لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: أين يشعر الإنسان بأنه حي؟.
ثم يأتي ذِكر الطريق الذي يُمثل مسافة فاصلة بين المستقبل القصير الذي ينتظره، والماضي الطويل الذي يستدعيه؛ فالسيارة تتحرك إلى الأمام بينما الذاكرة تتحرك إلى الخلف، بعد ذلك تبدأ المرحلة الانتقالية التي تُعيد فيها شخصية البطل تأويل هُويتها بعد الصدمة، فيتجلى البيت بوصفه امتدادًا ماديًا للذات، تنبع قيمته النفسية من شبكة العلاقات الإنسانية التي احتضنها؛ فيصبح الدفاع عن الأرض دفاعًا عن الذاكرة وفقدان العلاقة بالمكان نوعًا من فقدان جذور الذات. وبذلك تتكون شبكة وجدانية معقدة يصبح فيها المكان حاملًا للزمن، ويصبح الزمن سجلًا للاحتفاظ بصورة المكان، هكذا يمكننا اعتبار المكان بطلًا صامتًا يرافق الشخصية المحورية في كل تحولاتها، ويشارك في بناء رؤيتها للعالم.


المحور السادس: الرمز والمعنى الكامن خلف الخطاب

 


لأن الروايات الكبرى لا تُصرح بكل ما تُريد قوله، بل تترك جانبًا كبيرًا من معناها يتشكل عبر شبكة من الرموز والصور والإشارات التي تعمل داخل البنية اللاشعورية للنص. تبدو الرواية عملًا يقوم على اقتصاد رمزي دقيق؛ فللوهلة الأولى قد يبدو المرض الحدث الذي تنطلق منه الرواية؛ غير أن قراءة ما وراء الخطاب تكشف أن الكاتب لا يهتم بوصف المرض ولا يجعل منه موضوعًا طبيًا، بل يحوله إلى استعارة وجودية تهدم الصورة الذهنية التي كونها عن نفسه، وتدفعه إلى الانتقال من وعى الاعتياد إلى وعى الأصالة.
من أكثر العناصر التي تعبر رمزيًا عن كل ما تعجز الشخصية المحورية عن التصريح به في الرواية، قدرة الكاتب على توظيف أغنية: بكرة السفر، التي تُستخدم بوصفها محفزًا نفسيًا يوقظ الذاكرة ويُحرر التداعي؛ فالسفر في مستواه الرمزي يقترب من رحلة الإنسان الأخيرة التي لا عودة منها، لذا تتجاوز الأرض معناها الواقعي لتصبح رمزًا للثبات في مواجهة هشاشة الوجود. فإذا كان الجسد مهددًا بالزوال، فإن الأرض تمثل ما يبقى ويستمر، من هذا المنظور تصبح الابنة رمزًا لانتصار الحياة على الفناء؛ فإذا كان المرض يمثل حضور النهاية، فإن الابنة تمثل استمرار البداية، وهكذا ينجح الكاتب في بناء رواية لا تعتمد على كثرة الرموز، بل على ترابطها العضوي، بحيث تتشكل منها رؤية فلسفية ونفسية متماسكة.


المحور السابع: الرواية في سياق المحكيات العربية المعاصرة

 


تمكنت الرواية من التكريس للبطولة في شكلها الجديد؛ فبطل الرواية ليس مناضلًا أو ثائرًا أو ضحية بشكل مطلق، كل ما يمنح شخصيته فرادتها هو قدرته على التفكير في ذاته والتحول إلى بطولة الوعى، بالتالي فانتصاره الحقيقي يتحقق بالوصول إلى فهم أعمق للحياة.
نضيف إلى ذلك علاقة الرواية بالخصوصية الثقافية التي جعلت الأرض والذاكرة والعلاقة بالوالدين واللغة جزءًا من مكونات شخصية البطل. ولأن الأعمال الروائية الكبرى تتحدد قيمتها الحقيقية من خلال قدرتها على الحوار مع المحكيات السابقة، وإضافة رؤية جديدة إلى الأسئلة التي شغلت الكُتاب؛ فإن رواية: اسمها حياة تحتفظ بخصوصيتها الفكرية التي لم تقم على ابتكار موضوع جديد، إنما تقوم على اختلاف زاوية الرؤية التي أعاد الكاتب من خلالها تشكيل الموضوعات؛ فهو لم يجعل المرض بطلًا للحكاية، بل تعامل معه بوصفه أداة معرفية، ولم يجعل الموت خاتمتها، وإنما جعلهما مدخلًا لإعادة اكتشاف الحياة، أيضًا لم يعتمد على فكرة الصراع الاجتماعي بوصفه محركًا للشخصيات، إنما اعتمد على فكرة الصدمات الوجودية واكتشاف محدودية الزمن، وهذ الأسلوب في الكتابة يقترب من التصورات الوجودية التي ترى أن الإنسان لا يكتشف حقيقته إلا عندما يدرك هشاشة وجوده.
ولأن المعنى في الرواية لا يتشكل من خلال الحدث وحده، بل من تنظيمه وإيقاعه، وزاوية رؤية الكاتب؛ فإن الكاتب لم يعتمد على البناء السردي التقليدي الذي يقوم على التتابع الزمني، إنما يشيد الحكاية وفق هندسة دقيقة تجعل الوعي هو مركز التنظيم. ربما لذلك استخدم راويًا بضمير المتكلم يؤدي وظيفة معرفية تتضح من خلال التفسير والتحليل وإعادة التأويل، هذه الوظيفة جعلت الرواية أقرب إلى السرد التأملي الذي يتسم إيقاعه بالبطء المقصود، وتمدد الزمن النفسي والمرونة الكبيرة بين الوقفات الوصفية مع هيمنة التبئير الداخلي على معظم المشاهد، وهو ما يتوافق مع طبيعة الرواية بوصفها نصًا ينشغل بتحولات الوعي أكثر من انشغاله بالأحداث الخارجية.
هذا وتقوم لغة الرواية على التوازن الدقيق بين بساطة الحكي وعمق الفكرة واختيار مفردات قادرة على حمل أبعاد وجدانية متعددة؛ فعندما يتحدث البطل عن أبيه وأمه تصبح اللغة أكثر دفئًا، وعندما يتأمل الموت تميل إلى التكثيف، وعندما يستعيد الطفولة تقترب من النبرة الغنائية، إضافة إلى الاقتصاد اللغوي المنتج للدِلالة في الحوارات، من ثم يمكن النظر إلى علاقة البطل بشخصية: حياة وتبادل الحكايات بينهما باعتبارها ممارسة علاجية Therapeutic Narrative بمعنى أن الحكي يعيد تنظيم التجربة الحاضرة ويمنحها معنًى يمكن تقبله. وهذا يؤكد أن مركز الثقل في الرواية ليست الأحداث، وإنما الإدراك النفسي لتلك الأحداث.


الهوامش:

 


1_ رشا الفوال(2023)، " قلق الموت ودوافع الحياة في القصة القصيرة: مجموعة مخاوف نهاية العمر نموذجًا"، مجلة علم النفس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد138، القاهرة.
2_ غاستون باشلار(1984)، "جماليات المكان"، ترجمة: غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط2.

رشا الفوال كاتبة ودكتوراة في الأدب
التعليقات