دخلت الأزمة السودانية الحالية المتمثلة فى الحرب الأهلية بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع هذا الشهر عامها الرابع، والتى ترجع إلى إنشاء حكومة الرئيس السودانى المخلوع عمر البشير ميليشيات الجنجويد من بعض القبائل العربية البدوية، ودفعها لمواجهة التمرد فى إقليم دارفور عام 2003، ثم تحويلها إلى «قوات الدعم السريع» فى 2013، ثم تغولها من حيث النفوذ السياسى والاقتصادى والعسكرى مع الوقت، خاصة منذ عام 2017 حينما صدق البرلمان على القانون الذى يؤسس ويشرعن لوضعها تحت رئاسة رئيس الجمهورية، وليس قيادة الجيش وذلك فى ازدواجية صريحة بإنشاء كيان عسكرى موازٍ للجيش ولا يخضع لقيادته وهيكله التنظيمى، كما أن سيطرة هذه الميليشيات على بعض المشاريع الاقتصادية ومنها مناجم الذهب قد جعلها مستقلة ماليا عن الاحتياج لموازنة الدولة ومن ثم سيطرتها، بل وبدأت فى تكوين علاقات خارجية مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وهذا الوضع الذى لا يتفق مع أسس وأعمدة استقرار أى دولة كان حتما مرشحا للانفجار، وهو ما حدث بعد اشتراك الدعم السريع مع الجيش فى إزاحة عمر البشير فى 2019، على خلفية المظاهرات الشعبية ضده، ثم إنشاء مجلس السيادة السودانى برئاسة الفريق البرهان، و تولى حميدتى قائد الدعم السريع منصب النائب بعد إزاحة حكومة حمدوك المدنية العسكرية المشتركة، ثم الخلاف بين الطرفين على النفوذ والسيطرة والحكم، كما يمكن إضافة عنصر الصراع على السيطرة على الثروة، فضلا عن وجود الارتباطات والمصالح الممتدة مع أطراف الخارج من الإقليم ومن خارجه، وهو ما فجر الصراع العسكرى بينهما فى أبريل 2023.
وحسب تقرير للاتحاد الأوروبى صادر فى 14 أبريل 2026، فقد أدت هذه الحرب الأهلية إلى نزوح نحو 15 مليون سودانى من أماكنهم داخليا وخارجيا، بينهم نحو 3.5 مليون طالب لجوء ولاجئ فى الدول السبع المجاورة للسودان ومنها مصر، كما أصبح نحو 30 مليونا يعانون من مجاعة مزمنة ويحتاجون لمساعدات إنسانية عاجلة، علما بأن عدد سكان السودان ككل نحو خمسين مليونا.
المعضلات المزمنة فى طريق الحل
لا يوجد إلى الآن أى مؤشرات ناجحة لحل الأزمة السودانية رغم عديد المبادرات الإقليمية والدولية وأهمها جهود الرباعية الدولية التى تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة.
حيث يواجه السودان منذ استقلاله عام 1956 عدة معضلات مزمنة تمثل جذور أزمته الحالية ولا مناص فى تقديرى من أخذها فى الاعتبار عند البحث عن حلول لهذه الأزمة وتتمثل فيما يلى:
أولًا: تضخم الجغرافيا على قدرات المركز
كانت السودان قبل انفصال الجنوب، ولا تزال أكبر دولة فى إفريقيا من حيث المساحة والتى كانت تشكل وحدها 8% من مساحة القارة الإفريقية و2% من مساحة اليابسة، وتبلغ مساحته حاليا نحو 1.9 مليون كيلومتر مربع، وهذه المساحة الكبرى مع امتداد السكان لأماكن بعيدة عن مركز الحكم ومع ضعف الإمكانيات وخطوط الاتصال والمواصلات، جعل سيطرة الحكم على هذه المساحة صعبا، وطغت الجغرافيا على قدرات الخرطوم، فلم تشعر الأقاليم البعيدة خاصة فى الجنوب أو دارفور وكردفان وجبال النوبة بوجود الدولة أمنيا وخدميا فى التعليم والصحة والتنمية، مما أدى لظهور مراكز قوى فى هذه الهوامش خارج سيطرة المركز والدولة، وتشعر بالولاءات لقبائلها وأقاليمها وليس للدولة، وعبرت عن نفسها فى شكل حركات تمرد مسلحة، أو حركات مناهضة للدولة سياسيا.
ثانيًا: إشكالية علاقة الدين بالدولة
لعب الدين دورًا مهمًا دائمًا فى تاريخ السودان السياسى، ولنتذكر دور الحركة المهدية بجانب العديد من الجماعات الصوفية الدينية وتحول بعضها لحركات سياسية، حيث نشأت الحركة المهدية فى ثمانينات القرن التاسع عشر كما جاء عمر البشير للحكم بانقلاب عام 1989 فى إطار تحالف مع تنظيم الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابى، والتى تحولت بعد ذلك لحزب المؤتمر الوطنى، ولكن هذا الدور السياسى للدين لم يلق دائما الإجماع الوطنى، أو الإطار المؤسسى الذى يطمئن قطاعات أخرى كبيرة من الدولة على وضعها، سواء لاختلاف الدين كما فى حالة جنوب السودان، أو لأسباب أيديولوجية أو سياسية لا تقبل بسيطرة فصيل أو توجه واحد على الحكم وإقصاء الآخرين. فقد أصر البشير وحكومته على فرض الشريعة حتى فى مناطق جنوب السودان وغالبيتهم من غير المسلمين أو ذوى الأديان التقليدية، وكان ذلك من أسباب استمرار التمرد والتصويت بالانفصال الذى تم فى 2011.
ثالثًا: معضلة عدم القدرة على استيعاب التنوع العرقى
السودان بلد ذو تنوع عرقى كبير يوجد بين سكانه الخمسين مليونًا نحو 19 جماعة عرقية كبرى ونحو 597 جماعة عرقية فرعية داخلها، ومئات اللغات واللهجات المحلية لدى هذه الجماعات بالرغم من أن اللغة العربية هى السائدة، إضافة للتنوع فى العادات والتقاليد ما بين الأقاليم المختلفة فى هذه المساحة الشاسعة، بل حتى بين القبائل العربية هناك القبائل التى تسكن الصحراء ومن البدو الرحل، وهناك من يسكن الحضر فى وادى النيل والمدن الرئيسية، وجزء من هذا التباين يظهر فى الحرب الأهلية الجارية، حيث ينتمى معظم قيادات الجيش السودانى والنخبة السياسية والاقتصادية إلى المدن والحواضر، بينما ينتمى معظم قيادات ميليشيات الدعم السريع لأماكن البداوة والصحراء والهوامش.
وقد فشلت كل حكومات السودان منذ الاستقلال فى التفاعل مع قضايا الأقاليم والأعراق المهمشة وتوزيع الثروة والتنمية، كما تعاملت بالعنف المفرط مع تمرد دارفور من خلال ميليشيات الدعم السريع المدعومة من الحكومة السودانية، الأمر الذى أدى لتوجيه اتهامات للرئيس البشير بالضلوع فى جرائم ضد الإنسانية عام 2009، ثم اتهامه بالضلوع فى جرائم إبادة عام 2010، من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ولا يزال مسجونًا فى السودان.
كما أن العديد من المنظمات الدولية قد وثقت جرائم ضد الإنسانية خاصة من قبل ميليشيا الدعم السريع فى دارفور وخاصة فى مدينة الفاشر التى سقطت فى أيديهم فى أكتوبر 2025 بعد حصارها لنحو عام ونصف، الأمر الذى ترك مرارات كثيرة لدى قبائل هذه المناطق خاصة بين المساليط مما يصعب أى حلول مستقبلية ما لم تقم على أساس المحاسبة والمحاكمة.
رابعًا: معضلة تحول الصراع لمباراة صفرية وجودية
يبدو أن كلًا من طرفى الصراع (الجيش السودانى، والدعم السريع) إلى الآن يعتبران أن الصراع هو صراع وجودى أى ضرورة القضاء التام على الطرف الآخر، أو استمرار الصراع لأطول فترة ممكنة لإنهاكه ومن ثم خضوعه لشروطه، أو استمرار الصراع لتكريس أمر واقع يعنى انقساما فعليا على الأرض، مع استمرار سيطرة كل طرف على الولايات التى يحكمها، بالشكل الذى يضمن وجود كل منهما وهو أمر خطير على السودان كدولة، وعلى المنطقة ككل وعلى استقرارها، وقد أدى هذا التصور إلى فشل كل المبادرات الإقليمية والدولية، وعلى سبيل المثال فبعد قرار مجلس الأمن فى 8 مارس 2024 بالوقف الفورى للعنف، قبل الدعم السريع المفاوضات غير المباشرة التى قامت بها تركيا وليبيا، ولكن رفضها الجيش الذى يعتبر أن وقف إطلاق النار مع استمرار سيطرة الدعم السريع على المناطق التى استولى عليها، هو تكريس للأمر الواقع الذى يعنى هزيمة للجيش وتفتيتا للدولة. على الجانب الآخر فقد أعلن الدعم السريع من نيروبى فى يناير 2025 ومعه بعض حلفائه عن تشكيل حكومة موازية، وميثاق ثم أعلن عن دستور جديد، وهو ما يكرس عدم اعترافه بسلطة الجيش، ويهدد أسس الدولة السودانية ووحدتها ويؤسس لاستمرار الازدواجية، ويزرع بذور الانقسام وإطالة أمد الصراع وعدم الاستقرار.
•••
لذلك فإن الحلول المقترحة لهذه الأزمة تقتضى فى تقديرى ما يلى:
1- أخذ المعضلات المشار إليها سابقا، والتى تواجه السودان منذ الاستقلال، فى أى تصور دستورى مقترح على المدى البعيد، بهدف تحقيق الاستقرار، ومعالجة الأزمة السودانية من جذورها وخاصة النظر فى مطالب الأقاليم والقبائل المهمشة فى دارفور، وجنوب كردفان، وجبال النوبة.
2- الواقعية السياسية التى تفترض أن الدعم السريع أصبح قوة عسكرية نافذة على الأرض ويسيطر على مساحة كبيرة من أرض السودان، ولديه داعميه ومموليه من الجوار ومن الإقليم، فإذا كان الجيش السودانى قد حقق نجاحات كبيرة منذ منتصف عام 2024 بالسيطرة على الخرطوم وأم درمان وبحرى، وأصبح يسيطر على نحو تسع ولايات، إلا أن الدعم السريع لا يزال يسيطر على نحو خمس ولايات منها الجزء الأكبر من دارفور وعلى أجزاء كبيرة من غرب وشمال ولاية كردفان، ومن جيوب عند المثلث الحدودى مع مصر وتشاد، كما نجح فى إسقاط الفاشر فى أكتوبر 2025 بعد محاصرتها لنحو عام ونصف، لذلك من المهم التواصل معه، ولكن فى نفس الوقت الضغط عليه عسكريا لكى يرضخ لمطالب وحدة الدولة ووحدة المؤسسة العسكرية، وأن يخضع لسلطة واحدة بما يضمن استقرار الدولة وسلامة أراضيها.
3- ضرورة محاسبة مقترفى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وضد المدنيين، خاصة من الدعم السريع، والكثير منها وثقته المنظمات الدولية، وأن يكون ذلك ضمن مشاريع الاتفاقيات وعناصر المفاوضات المطروحة.
4- أهمية المعالجة السريعة للأزمة الإنسانية كأولوية أولى عاجلة من خلال ممرات إنسانية والدفع نحو زيادة الضغوط الإقليمية والدولية فى هذا الاتجاه، وهناك بالفعل مبادرة مطروحة لهدنة إنسانية من المطلوب تنفيذها بشكل كامل.
5- باعتبار أن الجيش السودانى هو المؤسسة الأساسية لأمن الدولة بل وبقائها، يصبح من الأهمية بل والضرورة المتعلقة بالأمن القومى لوادى النيل، دعمه بكل السبل تجنبا لتحول الدولة إلى مستنقع ما يسمى بالدولة الفاشلة، التى ستكون مرتعا للإرهاب والفوضى بما يؤثر ليس فقط على الدول السبع المجاورة للسودان، بل سينتقل صداه وقلاقله لكل المنطقة بمن فيهم من يعادون الجيش السودانى أيا كانت أسبابهم.
مساعد وزير الخارجية الأسبق للسودان وجنوب السودان