كان لدى ارتباط يوم 14 فبراير 2026 فى منطقة جاردن سيتى بوسط القاهرة، وعلى وجه التحديد فى المنطقة المجاورة لشارع قصر العينى والمقابلة لموقع البرلمان المصرى، فهالنى وجود أعداد كبيرة من الكلاب الضالة والتى تنتشر فى الشوارع الجانبية، وتسير فى مجموعات لا تقل عن خمسة، ويستلقى كثير منها على السيارات المركونة فى الشوارع أو بالقرب منها.
أخذت سيارتى وغادرت متوجهًا إلى المعادى، ولما كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا فقد كان المرور بطيئًا جدًا أو ما يُطلق عليه كثافة مرورية، وذلك بداية من الكورنيش عند فندق شبرد، الأمر الذى أتاح لى أن أحاول الاستمتاع بالنظر إلى النيل عن يمينى، ولكن لفت نظرى وجود أعداد ليست قليلة من الكلاب الضالة على كورنيش النيل، وما بين نحو عشرين مترًا وأخرى إلا ويوجد كلب ضال أو أكثر. ظللت أراقب هذه الظاهرة المستمرة إلى أن وصلت إلى مطلع كوبرى المنيب حيث اختفت الكلاب الضالة، أو ربما لم ألحظها لأنها توارت خلف الأعداد الكبيرة من المقاهى (الكافتيريات) والنوادى، وصالات الأفراح، بل ومحل مبيعات (سوبر ماركت) والتى حجبت رؤية النيل. وتبين لى أن سبب الكثافة المرورية بداية من فندقى شبرد وسميراميس إلى بداية مدخل المعادى عند المحكمة الدستورية، هو هذه الأعداد الكبيرة من سيارات رواد هذه الأماكن التى تركن سياراتها على الرصيف، بل وصف أول وثانى مما ضيق حركة المرور على الكورنيش وتسبب فى بطئه الشديد.
وصلت إلى المعادى لزيارة قريب لى، وعلى وجه التحديد فى شارع 105، وكان الوقت ليلًا، فظهرت أمامى مجموعات أخرى من الكلاب الضالة يمرحون فى الشوارع الجانبية فى كل مكان، ولم يمر وقت طويل حتى بدأ نباح بعضها فى سيمفونية مزعجة للسكان. ثم جاءنى اتصال تليفونى من صديق خارج مصر، وأثناء المكالمة سمع هذا النباح فأبدى اندهاشه ظانًا منه، فى البداية، أننى أقتنى أعدادًا كبيرة من الكلاب، ونصحنى أن أبحث عن أسباب نباحها، فشرحت له أنها كلاب ضالة فى الشارع، وبدى لى أنه لم يفهم ما أقول أو ربما لم يقتنع. التمست له العذر وتذكرت مرحلة عملى الدبلوماسى فى العاصمة الدانماركية كوبنهاجن؛ حيث تنتشر ظاهرة اقتناء الكلاب وتلقى عناية شديدة للغاية، فلكل كلب بطاقة رسمية تحدد تاريخ مولده، والسلالة التى ينتمى إليها، وجدول التطعيمات التى يحصل عليها، ولا أنسى أننى قد استرعى انتباهى وجود حديقة غناء كبيرة بالقرب من حى هيليروب الراقى حيث كنت أسكن، وبها أشجار غناء، وأحواض من الورود بألوان زاهية، وبعض نافورات المياه، وممشى ممهد، فذهبت للتنزه فيها والاستمتاع بهذا الجمال، ثم لاحظت أثناء تجولى وجود أعداد كبيرة من تماثيل لكلاب بأشكال وأحجام مختلفة، فظننت فى البداية أن الحديقة بها متحف لتماثيل الكلاب، خاصة وأنها من الرخام الغالى، ولدهشتى بل ولصدمتى اكتشفت أن هذه الحديقة الرائعة ما هى إلا مقبرة للكلاب، وقد كتب صاحب أو صاحبة الكلب المدفون على شاهد القبر مرثية طويلة عنه، وعن الذكريات معه، وعن إخلاصه وحبه، ومشاعر الحزن العميقة لفقده! وكلف أو كلفت فنانًا بأن ينحت له تمثالًا فوق قبره حتى يتذكروه عند كل زيارة، ويضعوا أكاليل الورود بجوار قبره وتمثاله!
ثم أيقظنى من هذه الذكريات نباح الكلاب الضالة لدينا. فأتساءل إذا كان هذا هو الوضع بانتشار هذه الظاهرة وبأعداد كبيرة من منطقة وسط المدينة وقلبها وأرقى أحيائها القديمة أى جاردن سيتى، مرورًا بكورنيش النيل إلى أرقى أحيائها الحديثة نسبيًا أى المعادى، فما بالنا بالوضع فى الأحياء الشعبية والعشوائيات، والمدن فى الأقاليم، وفى المراكز والنجوع؟
لقد أصبحت ظاهرة تهدد صحة وحياة المواطنين كبارًا وصغارًا، ويتحدث كثير من الخبراء عن تحول أعداد كبيرة منها من أليفة إلى كلاب برية تهاجم الكائنات الحية ومنها البشر، وتتسبب فى عاهات مستديمة فضلًا عن خطورة نقل الأمراض، خاصة مرض السعار القاتل، فهى تتغذى على بقايا الطعام فى صناديق القمامة، وإن لم تجد فسوف تهاجم أى كائنات أخرى، كما أنها تتكاثر بمعدل كبير جدًا.
أذكر ونحن أطفال، كنا نشاهد بعض الأشخاص الذين يرتدون زيًّا خاصًا وتابعين للدولة، ويقومون بصيد الكلاب الضالة باحترافية عالية ووضعها فى سيارات مخصصة لذلك، ولا أدرى ماذا كان يتم معها، ولكن كان أسلوبًا ناجحًا فى عدم وصول هذه الظاهرة إلى ما وصلت إليه حاليًا، والتى تذهب بعض التقديرات إلى أن عدد الكلاب الضالة بلغ نحو 40 مليون كلب فى مصر.
لقد تحدث عن هذه الظاهرة الكثيرون، وأفردت لها برامج فى أجهزة الإعلام، خاصة عقب بعض الحوادث التى تسببت فيها بعقرها لأطفال أو كبار، أو الهجوم عليهم وترويعهم، واقترح البعض أن يتم تصدير هذه الكلاب للدول الآسيوية التى تأكلها، ولكن ذلك قد يقتضى إجراءات صحية معينة لا تتوافر فى كلابنا الضالة.
ونظرًا لخطورة هذه الظاهرة وآثارها السلبية على المجتمع وصحته وراحته، والشكل العام لشوارعنا ومدننا ومظهرها الحضارى اللازم، أظن أنها قد تحتاج إلى خطة قومية لمكافحتها تتشارك فيها جميع الأجهزة المعنية، وخبراء الطب البيطرى، وكذلك منظمات المجتمع المدنى، بل ومن يستطيع من المواطنين ورجال الأعمال، وأن تتوافر لها الموازنة المطلوبة، والاتفاق على أفضل الأساليب المتاحة عمليًا وعلميًا للحد منها، حرصًا على المواطنين وحياتهم وصحتهم البدنية والنفسية، وأخيرًا أخشى أن يكون إحدى ضحاياها يومًا ما من السياح الأجانب، فيؤثر ذلك على سمعة مصر سلبًا وعلى أحد أهم مواردنا من السياحة، خاصة وأن منطقة كورنيش جاردن سيتى بها العديد من الفنادق الكبرى التى يرتادها السياح.
مساعد وزير الخارجية الأسبق وسفير مصر السابق لدى باكستان