لم يعد المشهد فى قطاع غزة قابلاً للتوصيف ضمن كوارث الحروب التقليدية، بل بات يمثل فصلاً مظلمًا وغير مسبوق فى تاريخ النزاعات الحديثة، حيث تحوّل «التجويع» من نتيجة جانبية للحرب إلى سلاح استراتيجى يُدار ويُحكَم بأدوات الذكاء الاصطناعى.
تاريخيًا، ارتبطت المجاعات بعوامل طبيعية كالقحط وتغيّر المناخ أو فشل المحاصيل، لكن التجربة الغزية تكشف بوضوح أن التجويع هو نتاج قرارات سياسية وعسكرية واعية. ووفق تعريفات مؤسسات دولية معنية بالسلام والأمن الغذائى، فإن المجاعة ليست حدثًا طبيعيًا بل عملية متعمّدة لتدمير أو حرمان البشر من شروط البقاء. فى غزة، يتجسد هذا التعريف بأقسى صوره: حصار شامل، تحكم مطلق بالموارد، وتحويل الغذاء والماء والطاقة إلى أدوات ضغط وإبادة.
ما يميز هذه الكارثة عن سابقاتها هو دخول العامل التكنولوجى بوصفه أداة مركزية فى «إدارة الجوع». فقد شَهِد قطاع غزة توظيفًا غير مسبوق لأنظمة ذكاء اصطناعى مثل «لافندر» و«جوسبيل»، لم تُستخدم فقط لتحديد الأهداف العسكرية، بل لتفكيك منظومة الحياة ذاتها. استُهدفت المخابز، مخازن الحبوب، طواحين القمح، قوارب الصيد، وحقول الزراعة، عبر خوارزميات صُممت لضمان شلّ قدرة المجتمع على إطعام نفسه. التكنولوجيا التى كان من المفترض أن تُسخَّر لتحسين سلاسل الإمداد الإنسانية، تحوّلت إلى أداة لضبط مستويات الحرمان بدقة رقمية. بل إن البحث عن الغذاء نفسه أصبح فعلًا مميتًا، حيث تُراقَب قوافل المساعدات والمدنيون الجائعون عبر الطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية، ليُستهدفوا ببرودة حسابية.
يعانى أكثر من 40 ألف طفل دون سن العام من سوء تغذية حاد، إننا أمام تدمير طويل الأمد للقدرات الجسدية والعقلية لشعب بأكمله. هذه الأرقام تعكس انهيارًا أخلاقيًا لمنظومة الحماية الدولية، وتطرح سؤالًا خطيرًا حول مستقبل الأمن الصحى العالمى: ماذا يعنى أن يصبح استخدام التكنولوجيا المتقدمة لفرض المجاعة سابقة مقبولة أو صامتًا عنها؟ إن غزة، فى هذا السياق، تتحول إلى مختبر مرعب لتطبيع سياسات الإخضاع الرقمى عبر الجوع.
الذكاء الاصطناعى الذى استُخدم فى غزة لتسليح الجوع، يمكن - لو أُعيد توجيهه - أن يكون أداة للحياة، ولإعادة البناء، ولتحقيق الازدهار. يمكن لهذه الأدوات ذاتها أن تُستخدم فى إدارة الموارد بعدالة، تحسين الأمن الغذائى، تطوير أنظمة صحية وتعليمية ذكية، وبناء اقتصاد معرفى حديث، لا فى فلسطين وحدها بل فى المنطقة بأسرها.
من هنا، تبرز أهمية المبادرات المستقبلية التى تطرحها مجالس السلام وخطط إعادة الإعمار القائمة على مفهوم المدن الذكية فى غزة، ليس كترف تخطيطى أو حلم مؤجل، بل كخيار سياسى وأخلاقى بديل. فالذكاء الاصطناعى الذى استُخدم لتدمير سلاسل الغذاء يمكن أن يُعاد توظيفه فى بناء مدن ذكية قادرة على إدارة الموارد بعدالة، وضمان الأمن الغذائى، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وخلق اقتصاد معرفى حديث يعيد للإنسان الغزى حقه فى الحياة الكريمة. إن تحويل غزة من مختبر للحصار الرقمى إلى نموذج لمدينة ذكية للسلام والتنمية هو التحدى الحقيقى أمام المجتمع الدولى.
دلال صائب عريقات
جريدة القدس الفلسطينية