مصر والدواء: رحلة عبر الزمن من المعابد إلى المعامل.. كتاب جديدة لهيئة الدواء المصرية يحكي تاريخ صناعة الدواء في مصر - بوابة الشروق
الخميس 5 نوفمبر 2026 2:31 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

مصر والدواء: رحلة عبر الزمن من المعابد إلى المعامل.. كتاب جديدة لهيئة الدواء المصرية يحكي تاريخ صناعة الدواء في مصر

ملك رفيق
نشر في: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 2:17 م | آخر تحديث: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 2:17 م

- برديتا إيبرس وإدوين سميث تكشفان أسرار العلاج قبل آلاف السنين.. وصفات طبيعية وجراحات دقيقة وتخصصات طبية أبهرت العالم القديم.. وأساطير ارتبطت بالشفاء والعقاقير

رصدت هيئة الدواء المصرية، في كتاب حديثة أصدرته مؤخرا، يحمل عنوان " مصر والدواء: رحلة عبر الزمن من المعابد إلى المعامل"، تاريخ صناعة الأدوية في مصر منذ مصر القديمة حتى الآن، ويوضح كيف استطاع المصري القديم اختراع وعمل أدوية لعلاج بعض الأمراض التي عاني منها المواطن المصري، والتي أصبحت بمثابة أسس علمية لصناعة الدواء فيما بعد.

لم تكن عظمة الحضارة المصرية القديمة مقتصرة على بناء المعابد والأهرامات أو ما حققته من إبداع في الفنون والعمارة والفلك، وإنما امتدت لتشمل مجالات الطب والصيدلة والعلاج، حيث ترك المصريون القدماء تراثًا طبيًا استثنائيًا يكشف عن معرفة متقدمة بجسم الإنسان، وطرق التعامل مع الأمراض والإصابات، واستخدام النباتات والمواد الطبيعية في صناعة الأدوية.

وتشهد البرديات الطبية المصرية، وفي مقدمتها برديتا «إيبرس» و«إدوين سميث»، على جانب مهم من هذا التقدم، إذ تضمنت وصفات علاجية وتشخيصات طبية دقيقة، إلى جانب إرشادات للتعامل مع الجروح والكسور والإصابات، بما يعكس خبرة تراكمية في الممارسة الطبية سبقت كثيرًا من المعارف التي عرفتها الحضارات القديمة الأخرى.

برديات طبية تكشف أسرار العلاج عند الفراعنة

تعد بردية إدوين سميث من أبرز الوثائق الطبية التي وصلت إلينا من مصر القديمة، إذ تتناول إصابات الجسم، خاصة إصابات الرأس والعمود الفقري والصدر، وتعرض حالات طبية بأسلوب يقوم على الفحص والملاحظة والتشخيص وتحديد أسلوب العلاج أو بيان مدى إمكانية التعامل مع الإصابة.

أما بردية إيبرس، فتُعد من أهم الموسوعات الطبية المصرية القديمة، حيث تضم مئات الوصفات والإرشادات العلاجية المتعلقة بأمراض مختلفة، وتكشف عن معرفة واسعة بالنباتات والمواد الطبيعية وطرق تحضير المستحضرات الدوائية.

واستخدم المصريون القدماء الضمادات والجبائر في التعامل مع الجروح والكسور، كما عرفوا عددًا من الإجراءات الجراحية، واستعانوا بمواد نباتية ذات تأثير مسكن، من بينها الخشخاش والبنج، في إطار محاولاتهم لتخفيف الألم أثناء العلاج.

وتشير بعض المكتشفات الأثرية إلى محاولات مبكرة للعناية بالأسنان وتعويض الأسنان المفقودة، وإن كانت طبيعة هذه الممارسات ومدى انتشارها لا تزال محل دراسة بين الباحثين.

الدواء المصري.. قيمة حضارية تجاوزت حدود وادي النيل

لم تقتصر أهمية الطب المصري القديم على ما تركه من وصفات علاجية، بل امتدت إلى تأثيره الحضاري والمعرفي في الشعوب المجاورة، حيث اكتسب الأطباء المصريون شهرة واسعة في العالم القديم، وأصبحت خبراتهم موضع تقدير لدى عدد من الملوك والحكام.

وقد أشار عدد من المؤرخين والباحثين إلى المكانة التي احتلها الطبيب المصري، وما امتلكه من معرفة في تشخيص الأمراض واستخدام العقاقير، حتى ارتبط اسم مصر القديمة في الذاكرة التاريخية بالخبرة الطبية والدوائية.

ومن الشواهد اللافتة على هذه المكانة ما ورد في ملحمة «الأوديسة» للشاعر الإغريقي هوميروس، التي تحدثت عن مصر باعتبارها أرضًا غنية بالأعشاب والعقاقير، وأشارت إلى براعة أهلها في العلاج، حتى وصفتهم بأنهم من أكثر الشعوب معرفة بفنون الطب.

كما وردت إشارات إلى العقاقير والمواد العلاجية في نصوص العهد القديم، ومن بينها الإشارة إلى بلسم جلعاد في سفر إرميا، وهو ما يعكس حضور المواد الطبية والعطرية في الموروث القديم، وإن لم تكن هذه الإشارات دليلًا مستقلًا على مصدرها المصري.

«كيميت».. هل كانت مصر القديمة مهد الكيمياء؟

يرتبط تاريخ الكيمياء بروايات لغوية وحضارية متعددة، ومن أبرزها الرأي الذي يربط أصل كلمة «كيمياء» باللفظة المصرية القديمة «كيميت» (Kemet)، التي تعني الأرض السوداء، في إشارة إلى تربة وادي النيل الخصبة التي ميزت مصر عن الأراضي الصحراوية المحيطة بها.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن المصطلح ارتبط بمصر القديمة، ثم انتقل عبر مراحل تاريخية ولغوية مختلفة، وصولًا إلى المصطلحات اليونانية والعربية التي عُرفت بها الكيمياء.

وقد ارتبطت الممارسات الكيميائية في مصر القديمة بصناعة العقاقير والأصباغ ومستحضرات التجميل والتحنيط ومعالجة المعادن، وهي أنشطة تطلبت معرفة عملية بخصائص المواد وطرق خلطها وتسخينها وتحضيرها.

كما ارتبطت بعض التقاليد المعرفية باسم الإله تحوت، الذي نسب إليه المصريون القدماء الحكمة والكتابة والعلوم، بينما عرفه الإغريق باسم هرمس، وارتبطت به لاحقًا تقاليد هرمسية تناولت الكيمياء والمعارف القديمة.

هيرودوت يشهد بتقدم الطب المصري

كان المؤرخ الإغريقي هيرودوت من أبرز الذين نقلوا صورة عن الحياة الطبية في مصر القديمة، إذ أشار في كتابه «التواريخ» إلى وجود تخصصات طبية لدى المصريين، وذكر أن الطبيب قد يتخصص في علاج عضو معين من الجسم، بدلًا من ممارسة الطب بصورة عامة.

وتكشف هذه الشهادة عن تصور مبكر لتقسيم العمل الطبي وتنوع الخبرات العلاجية، وهو ما يعكس التنظيم الذي عرفته بعض الممارسات الطبية المصرية.

كما تحدث هيرودوت عن اهتمام المصريين بالنظافة والاغتسال والعادات الغذائية، وهي ممارسات ارتبطت لديهم بالصحة والوقاية، إلى جانب حضور المعتقدات الدينية والطقوس الروحية في بعض أساليب العلاج.

وكانت هذه المزاوجة بين المعرفة العملية والمعتقدات الدينية من السمات المميزة للطب في الحضارات القديمة، حيث لم يكن الفصل بين الجسد والروح قد أصبح مفهومًا مستقلًا كما هو الحال في العلوم الحديثة.

الأطباء المصريون في قصور ملوك العالم القديم

امتدت شهرة الطب المصري إلى خارج حدود البلاد، وتشير روايات تاريخية إلى استعانة حكام وملوك أجانب بأطباء مصريين، تقديرًا لما اكتسبوه من خبرة في العلاج وصناعة الأدوية.

ويذكر الباحث كمال حسين أن ملوكًا فارسيين، من بينهم قورش ودارا، ارتبطوا بتقدير الأطباء المصريين والاستعانة بخبراتهم، كما يشير إلى إرسال أطباء من البلاط المصري لعلاج بعض حكام البلاد المجاورة.

وتعكس هذه الروايات جانبًا من العلاقات الحضارية بين مصر القديمة ومحيطها الإقليمي، حيث لم تكن المعرفة الطبية مجرد نشاط داخلي، بل أصبحت إحدى أدوات التواصل والتبادل الثقافي بين الممالك والشعوب.

كما أشار عدد من الباحثين والمستشرقين إلى تأثير المدرسة الطبية المصرية في العالم القديم، وإلى المكانة التي احتلها الطبيب المصري لدى الإغريق والحيثيين والفرس.

سنوحي المصري.. الطبيب الفرعوني في الأدب العالمي

لم يتوقف حضور الطب المصري القديم عند حدود البرديات والكتب التاريخية، بل امتد إلى الأدب العالمي، ومن أبرز النماذج رواية «سنـوحي المصري» للروائي الفنلندي ميكا فالتاري، التي صدرت عام 1945، وحققت شهرة واسعة وترجمت إلى لغات عديدة.

وتدور الرواية حول طبيب مصري قديم يُدعى سنوحي، نشأ في بيئة طبية وتعلم أسرار المهنة على يد والده، الذي كان يمارس العلاج ويستقبل المرضى ويستخدم أدوات طبية متنوعة.

وتقدم الرواية صورة أدبية للحياة الطبية في مصر القديمة، من خلال وصف أدوات الجراحة والمشارط والملاقط وقوارير الدواء، فضلًا عن تحضير الوصفات الطبية وكتابتها على أوراق البردي، ثم إرسال المرضى لصرفها من المؤسسات المرتبطة بالمعبد.

ورغم أن الرواية عمل أدبي وليست وثيقة تاريخية، فإنها تعكس مدى حضور الحضارة المصرية القديمة في المخيلة الأدبية العالمية، وما أثارته من اهتمام بتاريخ الطب والصيدلة.

أساطير الدواء.. عندما امتزج العلاج بالمعتقد الديني

لم يكن الطب في مصر القديمة قائمًا على الملاحظة والتجربة وحدهما، بل تداخلت معه المعتقدات الدينية والأساطير، خاصة في تفسير الأمراض التي عجز الإنسان القديم عن معرفة أسبابها.

فقد ارتبط المرض أحيانًا بقوى شريرة أو تأثيرات غير مرئية، بينما ارتبط الشفاء بالحماية الإلهية والتعاويذ والتمائم والطقوس الدينية، وهو ما انعكس على الممارسات العلاجية التي جمعت بين الوصفات الدوائية والجانب الروحي.

وتأتي أسطورة إيزيس وأوزيريس في مقدمة الأساطير المرتبطة بالشفاء، حيث ارتبطت إيزيس في الموروث المصري القديم بالحماية والقدرة على استعادة الحياة، بعد أن جمعت أشلاء أوزيريس وأعادت إحياءه بمساعدة قوى إلهية.

كما ارتبط الإله تحوت بالحكمة والعلوم والكتابة، ونُسبت إليه معارف متعددة، من بينها الطب والكيمياء، حتى أصبح في بعض التقاليد اللاحقة رمزًا للمعرفة الطبية والعلمية.

هيكا.. إله السحر والشفاء

يبرز الإله «هيكا» ضمن المعتقدات المصرية القديمة المرتبطة بالسحر والقوى التي تحكم العالم، وكان السحر في التصور المصري القديم جزءًا من منظومة الحماية والعلاج، وليس مجرد ممارسة منفصلة عن الحياة اليومية.

وقد ارتبطت المعتقدات المصرية القديمة بعدد من الرموز الدينية التي ظهرت لاحقًا في ثقافات أخرى، ومن بينها الرموز المرتبطة بالثعابين والعصي والقوى الحامية للإنسان.

ومن المهم هنا التمييز بين الصولجان ذي الثعبانين، المعروف باسم الكادوسيوس والمرتبط بالإله اليوناني هرمس ونظيره الروماني عطارد، وبين عصا أسكليبيوس ذات الثعبان الواحد، وهي الرمز الأكثر ارتباطًا بالطب والشفاء في التراث اليوناني.

أنوبيس.. حارس التحنيط وبيت العقاقير

يحتل الإله أنوبيس مكانة بارزة في العقائد المصرية القديمة، باعتباره إله الموتى وحامي الجبانات وراعي طقوس التحنيط، وقد صُور في هيئة إنسان برأس حيوان يشبه ابن آوى، وارتبط بحماية الموتى ومرافقتهم في العالم الآخر.

وكان للتحنيط صلة وثيقة بالمعرفة الطبية والكيميائية، إذ تطلب التعامل مع الجسد البشري معرفة بخصائص الزيوت والراتنجات والأملاح والمواد الحافظة، فضلًا عن أساليب معالجة الأنسجة.

ومن هنا ارتبطت طقوس التحنيط بتاريخ العقاقير والمواد الكيميائية في مصر القديمة، وأصبحت المقابر والمراكز الدينية مصدرًا مهمًا لفهم جانب من المعرفة العملية التي امتلكها المصريون في التعامل مع المواد الطبيعية.

من الطب الفرعوني إلى الطب الحديث.. إرث لا يغيب

تكشف الشواهد الأثرية والبرديات الطبية والمصادر التاريخية عن حضارة لم تنظر إلى العلاج باعتباره مجرد محاولة للتخلص من المرض، بل جعلته جزءًا من منظومة معرفية وإنسانية ودينية متكاملة.

فمن تشخيص الإصابات والكسور إلى تحضير العقاقير واستخدام النباتات الطبية، ومن العناية بالجروح إلى عمليات التحنيط، ترك المصريون القدماء سجلًا استثنائيًا يكشف عن قدرتهم على الملاحظة والتجربة وتطوير وسائل العلاج وفق المعارف المتاحة في عصرهم.

ورغم أن بعض الروايات التاريخية والأسطورية تحتاج إلى مراجعة علمية وتدقيق في ضوء الاكتشافات الحديثة، فإن الحقيقة التي تؤكدها البرديات والآثار هي أن مصر القديمة كانت صاحبة إسهام مبكر ومهم في تاريخ الطب والصيدلة، وأن إرثها الطبي لا يزال يمثل نافذة فريدة لفهم بدايات المعرفة الإنسانية في خدمة الحياة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك