«لا سمع ولا طاعة».. كيف تحارب للحفاظ على ملامح شخصيتك وسط حياة مليئة بالشد والجذب؟ - بوابة الشروق
الثلاثاء 23 يونيو 2026 5:04 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

«لا سمع ولا طاعة».. كيف تحارب للحفاظ على ملامح شخصيتك وسط حياة مليئة بالشد والجذب؟

حوار: إيمان صبري خفاجة
نشر في: الجمعة 19 يونيو 2026 - 6:43 م | آخر تحديث: السبت 20 يونيو 2026 - 10:13 ص

 عبلة الرويني للشروق: كتاب لا سمع ولا طاعة سيرة مهنية لمشوار كاتبة ارتاحت إلى سكنى الهامش لأنه منحها قدرا كبيرا من الحرية. 

 _ اخترت عنوانا دالا على المشوار،فعلى مدى أربعين عاما، لم أكن تلك الطيعة التي تسمع وتطيع.

 _ أثناء كتابتي لهذه السيرة المهنية، اكتشفت أن «لا سمع ولا طاعة» ليس مجرد عنوان لمقالي الأخير في «أخبار الأدب»، بل هو عنوان لمشواري المهني. 

_ أنا من وصفت نفسي بأنني من سكان الهامش، لأنني لم أكن من المسؤولين سوى مرة واحدة في «أخبار الأدب». 

_ كنت من سكان الهامش بالنسبة للقيادات والمناصب، لكنني في الكتابة لم أكن كذلك، بل كنت كاتبة في المتن. 

_ حرمت من التقدم إلى مواقع قيادية أو الحصول على أماكن وامتيازات معينة، لكنها خسائر لا علاقة لها بالكتابة نفسها. 

_ كان المحررون في «أخبار الأدب» أثناء فترة رئاستي للتحرير يتمتعون بحرية تكاد تكون مطلقة، وقد نشرت العديد من المقالات التي اختلف معها.

_ تميز تجربتي في جريدة أخبار الأدب كانت جزءا من تجربة وعي عام وحالة من الحيوية الثورية التي اجتاحت مدينة بأكملها فحين يتقدم السياسي لا يتأخر الثقافي.

_ حساباتي الشخصية للعمل في جريدة الأهالي الحزبية كانت قائمة على اختياري الحر في أن أفعل ما أريد وأكتب ما أريد، وبالتالي فإن رضا هذا الطرف أو غضب ذاك كان خارج حساباتي.

_ لست مثالية، لكنني أطمح دائما للسير في هذا الاتجاه، وكانت تجربة «الأهالي» تجربة ثقافية أكثر منها تجربة مهنية، تجربة تنمية وعي.

_ بيوت المثقفين هي فكرة لصيانة لذاكرتنا الثقافية وتراثنا وذاكرة مبدعينا، بأن يكون هناك بيت يضم مخطوطاتهم وتراثهم وأوراقهم ومقتنياتهم.

_ نسمع عن مكتبات تباع على الأرصفة لكتاب كبار، وبداخلها صور وأوراق وبقايا قصص وحكايات، فهذا تراث يجب أن نحافظ عليه.

_ لم أكن وحدي في مجابهة الإخوان، لكن يمكن أن تعتبريني واحدة ممن تعرضوا للأذى في ذلك العام الإخواني.

_ نزول المثقف إلى الشارع في مجابهة الإخوان المسلمين واحدة من إيجابيات ثورة يناير.

 _ لست من النوع الذي ينزعج من النقد أو الاختلاف، فأنا مقتنعة بفكرة القدرة على أن تحارب وحدك.

 _ استخدمت تبريد اللغة لتحييد الرقيب، وهو أمر سلبي بالنسبة لي لأن اللغة أساسية في كتابتي فلغتي ليست محايدة ولا هادئة، فأنا كاتبة منحازة، وانحيازي صريح وواضح.

 

عبلة الرويني، لا يمكن أن يمر هذا الاسم على أحد داخل الوسط الثقافي والصحفي أو خارجه دون أن يستوقفه، بل لا يمكن أن يمر مرور الكرام. فإذا كنت من داخل الحقل الصحفي أو الثقافي فحتما التقيت بها في العمل، أو اشتركت معها – ولو معنويا – في معركة من معاركها العديدة التي خاضتها من أجل الحفاظ على المبدأ والرأي الحر. وإن كنت من خارج الحياة الصحفية، فأنت حتما توحدت مع عمودها الصحفي الشهير «نهار»، الذي كانت تكتبه على مدار عشرين عاما في جريدة الأخبار. وربما استوقفك دفاعها عن حدث من حياتنا اليومية السياسية والاجتماعية، فشعرت حينها أنك لست وحدك، فهناك واحدة من أصحاب الأقلام المؤثرة تتحدث عنك وبلسانك. أو أنك قرأت أحد إصداراتها الأدبية التي تناولت بطريقة أو بأخرى جزءا من حياتها الشخصية، وبالتبعية جزءا من ذاكرة الوطن وحياته، إذ إن التوثيق للمسرح والشعراء جزء من الذاكرة العامة.

اليوم، وبعد أربعين عاما من العمل الصحفي بين الشد والجذب، الذي لم يجبرها على التخلي عن ملامح شخصيتها، تدفع عبلة الرويني ثمن آرائها الحرة بالخروج بإرادتها من جريدة الأخبار، «البيت» كما تحب أن تطلق عليها. لكن معركة الخروج هذه المرة أثمرت عن أحدث أعمالها الأدبية: سيرة ذاتية مهنية بعنوان «لا سمع ولا طاعة»، ترصد من خلاله أهم ذكرياتها ومواقفها في الحياة الخاصة والمهنية، وتعيد معه نشر وقراءة بعض المقالات والحكايات والمواقف التي تمثل أرشيفاً وتوثيقاً حقيقياً لإنسانة تكتب سيرتها داخل الصحافة.

وفي جريدة الشروق كان لنا هذا اللقاء حول كتاب «لا سمع ولا طاعة»، وما يضمه بين دفتيه من حكايات تدعوك إلى المزيد من التأمل في حياتك ومواقفك.

فإلى نص الحوار:

1 _ كيف وُلدت فكرة الكتاب، ومتى اتخذت قرار كتابته؟

فكرت في كتابة الكتاب أول ما غادرت جريدة الأخبار، وكان ذلك رد فعل لخروجي منها وإحساسي بمعاناة ترك الصحافة وترك المشوار والعمل. فكتبت في البداية مقالا عن لحظة المغادرة بعنوان «مغادرة البيت»، ومن هنا ولدت فكرة أن أكتب عن المشوار كله، وليس مجرد تجربة الخروج من جريدة الأخبار.

 

2 _ هل يعود ذلك إلى المكانة الكبيرة التي تحتلها جريدة الأخبار في مشوارك المهني؟

ليست مجرد مكانة، فالأخبار هي التجربة، هي المشوار بأكمله. أي مكان آخر كتبت أو عملت فيه كان جزءا من هذا المشوار، سنوات قليلة خلت من المعاناة أحيانا، لكن الأخبار، وعلى مدى أكثر من أربعين عاما، كان فيها التوهج والانطفاء، والمعاناة والمنع والحذف والنشر، وفيها تشكل الحضور المهني كاملا.

 

3 _ في ضوء ما تروينه في الكتاب، وما جاء في إجاباتك، يبدو أن تجربة جريدة الأخبار لم تكن سهلة، فلماذا لم تفكري في الانتقال إلى مكان عمل آخر؟

الحكاية ليست حكاية الذهاب إلى العمل في مكان آخر، بل إن عملي في الأخبار في البداية كان أقرب إلى وظيفة ثابتة؛ كان تعاقدا وعملا ثابتا، فلم أكن صحفية عابرة تكتب هنا وهناك أو سهلة الانتقال من مكان إلى آخر.

بالإضافة إلى أن المعاناة ليست مرتبطة بالجريدة في حد ذاتها، بل بمناخ العمل الصحفي عموما، فما كنت أواجهه هنا يمكن أن يتكرر في مكان آخر.

فالخلاف لم يكن حول الأخبار تحديدا، بل حول ما ينشر وما لا ينشر، إذ كانت هناك مساحة من الرقابة، وكان شغلنا الشاغل هو كيف نمارس حرية التعبير داخل مناخ ضاغط أحيانا.

 

4 _ هل يمكن أن نعتبر كتاب «لا سمع ولا طاعة» متنفسا بديلا للكتابة اليومية؟

نعم، هذا الكتاب كان الفكرة البديلة التي لم أكن أقصدها ذهنيا، لكنها فعليا هي ما حدث.

 

5 _ هل يمكن أن نعتبر هذا الكتاب تمهيدا لكتابة سيرة ذاتية كاملة؟

ليس تمهيدا، فقد سبق أن كتبت جزءا كبيرا من سيرتي الذاتية في كتاب «الجنوبي»، فهو بالرغم من أنه عن أمل دنقل، كان في جوهره تجربتي أنا في الحياة.

أما هذا الكتاب «لا سمع ولا طاعة»، فرغم أنه سيرة مهنية، فإنه أقرب إلى سيرة ذاتية مهنية، لأنه يتضمن تفاصيل من حياتي الشخصية ومن سلوكي الشخصي. لذلك فالكتاب ليس سيرة مهنية تماما، فأنا لا أكتب سيرة الصحافة بقدر ما أكتب مشواري الصحفي، بمعنى أنني أكتب عن نفسي داخل المهنة.

 

6 _ أشرتِ إلى أن أعمالك السابقة كانت وليدة تجربة شبه جاهزة للكتابة، ما أبرز صعوبات كتابة سيرة مهنية تعتمد على اختيار مواد ومواقف من مشوار طويل؟

صعوبته في أنه كتب بشكل سريع وأنفعالي، فبدا ناقصا، وكأنني كتبت عناوين المشوار فقط، وكتب بشكل سريع لأنه كان رد فعل على خروجي من الأخبار، كان من الممكن الرجوع إلى الأرشيف والكتابات السابقة بحيث يتضاعف حجمه ويتسع معنى المشوار فيه، لكنني لم أبذل مجهودا كبيرا في البحث أو في إعادة النظر في التجربة بشكل أوسع، كتبته وكأنني كنت أقفز.

 

7 _ تبدو فكرة الحرية عنوانا أساسيا للمشوار الذي يتناوله الكتاب، فهل كنت تحددين مسبقا الأفكار أو الرسائل التي ترغبين أن يخرج بها القارئ، سواء كان متخصصا أو غير متخصص؟

لا إطلاقا، لم أحدد ولم أقرر هدفا أو رسالة بعينها أود توصيلها بشكل مباشر للقارئ. التجربة في حد ذاتها هي الرسالة والمعنى المقصود. فالتجربة من أولها إلى آخرها هي صراع ما بين المسموح والممنوع، وصراع بين أن أكون ذاتي وأكون نفسي، وأن أحافظ على شخصيتي، وأن أكون حريصة على أن أفعل ما أريد وليس ما يريده الآخرون.

هذا المشوار المليء بالشد والجذب هو المعنى نفسه؛ فأربعون عامًا لم تمحُ شخصية الكاتب الذي تقرئين عنه في الكتاب، ولم تقهره ولم تلغِ شخصيته، بل حافظ رغم المنع على قدر من الحرية.

 

8 _ لكن رغم ذلك، يخرج القارئ من الكتاب بأكثر من معنى للحرية، فكيف يمكن أن تصفي الحرية من منظورك الخاص؟

الحرية لا تعني فقط أن تظلي تحققين كل ما تريدينه في خط صاعد متواصل، بلا حواجز أو سدود، الحرية هي فترات يهبط فيها الجناح ثم يعاود الطيران، وبين الصعود والهبوط لا يحدث سقوط، بل تكونين قادرة على الوقوف مرة أخرى. ويكون الكاتب حرا لأنه لا يتكلم كما يتكلم الآخرون، ولا يكتب كما يريد الآخرون، وهذا نوع من الرضا؛ لأنني أفعل ما أريده أو ما أقتنع به.

 

9 _ في أي مرحلة من مراحل عملك الصحفي بدأت ملاحظة عملية التضييق والحذف؟

في البداية، لم يكن هناك منع حاد، لأن الكتابة كانت تقتصر على كتابات أدبية أو لقاءات أدبية ونقد مسرحي، ثم بدأت الأمور تتغير وازدادت بشكل خاص مع كتابة العمود اليومي «نهار»، إذ زاد التقليص، لأن العمود اليومي يعني الاشتباك مع قضايا الحياة اليومية الاجتماعية والسياسية، وبالتالي تكونين في قلب لحظات ساخنة، وهذا الاشتباك لا يمر دائما بسلام.

هنا ازداد الشد والجذب، حيث كنت أكتب عمودا يوميا على مدار عشرين عاما، يحذف منه في العام الواحد أكثر من مائة مقال.

 

10 _ إلى أي مدى كنت تشعرين بضغط أثناء الكتابة بسبب المنع والرقابة، وكيف تتعاملين مهنيا مع هذا المنع؟

طبعا كان هناك ضغوط، لكن الحمد لله لم تكن هناك ضغوط تجبرني على التخلي عن آرائي أو تغيير مواقفي تحت وطأة المنع والضغط، وإلا لكانوا نجحوا في محو شخصيتي، وكان رد فعلي دائما مع كل حذف أن أجلس وأكتب المقال الذي يليه، بحيث يصبح كل مقال جديد ينشر نوعا من رد الاعتبار للمقال المحذوف.

لكن أحيانا كان يحدث أني أتحايل بالأسلوب، كما أشرت في الكتاب، حيث ألجأ إلى تبريد اللغة، أنا شخصية انفعالية، وكتاباتي حادة، ولغتي أحيانا تحمل درجة عالية من الانفعال. لذلك كنت أستخدم تبريد اللغة كوسيلة لتهدئة هذا الانفعال وتخفيض حدته، دون أن يعني ذلك تخفيض الموقف أو الرأي.

 

11 _ إذا ماذا يعني تبريد اللغة، وكيف استخدمته وفقا لشخصيتك وقناعاتك، أي دون أن يتغير موقفك؟

كنت أستخدم التبريد لمحاولة تحييد الرقيب، كأنني أخفي شيئا جميلا عبر تخفيف سطوع اللغة وحرارتها، فحين يقرأ الرقيب مقالا هادئا وغير لافت لغويا، قد لا يهتم به ولا يؤثر فيه، لكن لو كتب بلغة ساطعة ينتبه إليه فهناك فرق بين أن يعبر الإنسان عن رأيه بانفعال حاد، وبين أن يعبر عن نفس الرأي بهدوء وبصوت أقل حدة. بمعنى أنني استخدمت تبريد اللغة لتمرير الفكرة، بتحييد الرقيب، وهو أمر سلبي بالنسبة لي لأن اللغة أساسية في كتابتي فلغتي ليست محايدة ولا هادئة، فأنا كاتبة منحازة، وانحيازي صريح وواضح ولذلك لم أنجح فيه دائما، كنت أكتب مقالا أو اثنين بهذا الأسلوب، لكنني لم أستمر فيه لأنه ضد طبيعتي، لكن الاستمرار في هذا المشوار هو شكل من أشكال المقاومة، ومشوار الحرية الحقيقي يعني أن تنتزعي حريتك انتزاعا.

 

12 _ ما الدلالة التي يحملها عنوان «لا سمع ولا طاعة» في سياق تجربتك ومشوارك الصحفي؟

له دلالة كبيرة، فعلى مدى أربعين عاما، لم أكن تلك الطيعة التي تسمع وتطيع، وبالتالي لم أقصد أن أكون مباشرة أو ملتبسة، أنا اخترت عنوانا دالا على المشوار، واخترته قبل الانتهاء من الكتاب.

فعنوان «لا سمع ولا طاعة» كان عنوان المقال الأخير لي في «أخبار الأدب» حين خرجت منها بعد قرار الإخوان المسلمين بتغيير مجلس رؤساء تحرير الصحف القومية، وهو ما كان معارضة لمبدأ الإخوان القائم على السمع والطاعة.

وبعد عشر سنوات أثناء كتابتي لهذه السيرة المهنية، اكتشفت أن «لا سمع ولا طاعة» ليس مجرد عنوان لمقالي الأخير في «أخبار الأدب»، بل هو عنوان لائق جدا ومناسب لمشواري المهني.

 

13 _ كيف استقبلت فكرة نشر كتاب يضم مقالات محذوفة ومواقف جدلية، وكيف كانت تجربة نشره؟

بالرغم من أنه كتاب عن الحذوفات والاعتراضات لكنه لم يتعرض للحذف أو الاعتراض، حتى إنه منشور فيه بعض نماذج من المقالات التي تم حذفها، فقد وضعت في كل فصل نماذج عن هذه الفترة وعن المقالات التي نُشرت، وهناك فصل عن المقالات الممنوعة، فلم يحدث أي منع أو تحفظ.

كل ما كنت أسمعه أنه كتاب ذو طبيعة خاصة، كتاب شائك، وهذا أمر منطقي، فيجب على الناشر أن يمارس الحرية، فالنشر حرية وليس رقابة.

 

14 _ في الكتاب تصفين نفسك بأنك من "سكان الهامش" مهنيا، كيف جاء هذا الوصف؟ وكيف يمكن للقارئ أن يفرق بين الهامش الذي تقصدينه على مستوى المناصب، وبين مكانتك ككاتبة متحققة منذ سنواتك الأولى؟

أنا من وصفت نفسي بأنني من سكان الهامش، لأنني لم أكن من المسؤولين سوى مرة واحدة في «أخبار الأدب»، وأنا أعتبر «أخبار الأدب» نفسها، بمجملها، جريدة هامش داخل مؤسسة «أخبار اليوم»، فهي ليست الجريدة الأولى أو الأساسية أو المتصدرة، وبهذا المعنى كنت دائما من سكان الهامش، أقصد أنني كنت من سكان الهامش بالنسبة للقيادات والمناصب، لكنني في الكتابة لم أكن كذلك، بل كنت كاتبة في المتن.

 

15 _ كيف تنظرين اليوم إلى اختيارك الحر للبقاء في الهامش، بما يحمله هذا الموقع من إيجابيات وسلبيات؟

إيجابيته أنني كنت حرة وغير خاضعة لشروط المسؤولين والقيادات والمنظمين للمؤسسة الصحفية، فحين تكونين مسؤولة في مكان ما، تصبحين خاضعة للسياسة التي يفرضونها، أما أنا فكنت خارج هذه المنظومة.

ومن إيجابيات هذا الهامش أيضا أنني كنت أتمتع دائما بحريتي، بعيدة عن المكاسب والمصالح، فسكان الهامش يتمتعون بحرية لا يمتلكها المسؤول الأول، فالهامش منحني حرية أن أكون خارج منظومة محكومة بقيم لا تشبه قناعاتي.

أما سلبياته، فهي أنني لم أكن موجودة في الصفوف الأولى، وحرمت من التقدم إلى مواقع قيادية أو الحصول على أماكن وامتيازات معينة، لكنها خسائر لا علاقة لها بالكتابة نفسها، بقدر ما ترتبط بالوجاهة الاجتماعية لكن ذلك لا يمنع أن من تمتع بهذه الوجاهة حقق نجاحات من وجهة نظره.

 

16 _ هل يمكن اعتبار اختيارك للهامش أحد أسباب اختلاف وتفرد تجربتك الصحفية؟

نعم، فهذه السيرة المهنية تعد في جوهرها سيرة من الهامش، بمعنى أن من كتبتها صحفية لم تكن في مقدمة الصفوف. إنها مشوار كاتبة ارتاحت إلى سكنى الهامش لأنه منحها قدرا كبيرا من الحرية.

وهنا تكمن خصوصية الكتاب أيضا، فهو ليس كتابا لقيادة صحفية، بل يبدو كأن واحدا من الناس يكتب سيرته.

 

17 _ كيف كانت تجربة العمل داخل «أخبار الأدب» خلال فترة رئاستك للتحرير من حيث إدارة الاختلاف وتعدد الآراء؟

كانت تجربة قائمة على الحرية، كان المحررون في «أخبار الأدب» يتمتعون بحرية تكاد تكون مطلقة، وقد نشرت العديد من المقالات التي كنت أختلف معها، وحين عملنا على عدد خاص بثورة يوليو بمناسبة مرور 60 عاما، كان معظم المحررين ضد الفكرة، وبعضهم كتب مقالات ضدها، وكان ذلك متاحا دون منع أو حذف أو مصادرة. وخلال العام ونصف الذي توليت فيه رئاسة التحرير، كانت التجربة قائمة على التنوع والاختلاف واحترام الرأي الآخر.

 

18_ ما الذي خلق هذا التناغم في العمل داخل «أخبار الأدب»، وما الذي يمنح هذه التجربة خصوصيتها في مشوارك المهني؟

كانت جزءا من تجربة وعي عام وحالة من الحيوية الثورية التي اجتاحت مدينة بأكملها. فقد توليت «أخبار الأدب» بعد ثورة يناير بشهر، وبالتالي لم تكن الجريدة وحدها، ولا محرروها فقط في حالة توهج وثورة وتغيير وإحساس بالذات بل جزء من حيوية الشارع المصري ونمو وعيه.

وقد انعكس ذلك على شكل الجريدة، وأداء محرريها، وسياساتها، وطريقة التفكير، واللغة المستخدمة فيها.

فحين يتقدم السياسي لا يتأخر الثقافي، وكانت اللحظة نفسها لا تسمح بالابتعاد عنها، فنحن كنا مشروطين بوعي تاريخي وبوعي المدينة، بلحظة متوهجة في عمر مصر.

 

19_ كيف تنظرين اليوم إلى تجربتك في العمل بين جريدة «الأخبار» القومية وجريدة «الأهالي» الحزبية، وما أثر هذا التباين بينهما على مشوارك المهني؟

بالنسبة لي كانت تجربة شجاعة وقد تسبب ذلك في بعض المشكلات داخل «الأخبار»، حيث كان ممنوعا في الصحف القومية العمل في صحف حزبية.

فكوني كسرت هذا الحظر وعملت في «الأهالي» كرئيسة للقسم الثقافي، وكان اسمي يظهر على صفحاتها، اعتبره البعض تمردا وخروجا على انتمائي لـ«الأخبار».

في «الأهالي» اعتبرت هذه الخطوة شجاعة، بينما في «الأخبار» تم التعامل معها على أنها سحب لانتمائي، لكنني لم أتعامل مع الأمر باعتباره سلبية أو إيجابية، لم أكن في حالة صراع أو معركة، وإنما أشرح حسابات الجريدتين، أما حساباتي الشخصية فكانت قائمة على اختياري الحر في أن أفعل ما أريد وأكتب ما أريد، وبالتالي فإن رضا هذا الطرف أو غضب ذاك كان خارج حساباتي.

لم أفكر أبدا بمنطق المكسب والخسارة، بل كنت أخطو وفق حسابات الحق والخير والجمال. لست مثالية، لكنني أطمح دائما للسير في هذا الاتجاه، وكانت تجربة «الأهالي» تجربة ثقافية أكثر منها تجربة مهنية، تجربة تنمية وعي، وسبب اختياري لها موضحا باستفاضة في الكتاب.

 

20 _ هل يمكن اعتبار دعوتك إلى أن يتحول منزل هيكل إلى بيت للوثائق نقطة انطلاق لرؤيتك حول ضرورة إنشاء مشروع شامل لتوثيق بيوت وتراث الرموز الثقافية في مصر؟

لم يكن مطلبي وحدي، بل كان مطلب الكثير من المثقفين بطرق مختلفة، بمعنى أن يكون هناك صيانة لذاكرتنا الثقافية وتراثنا الثقافي وذاكرة مبدعينا، بأن يكون هناك متحف أو بيت، أيا كان المسمى، يضم مخطوطاتهم وتراثهم وأوراقهم ومقتنياتهم.

فهذا تراثنا الثقافي الذي يجب أن نحافظ عليه؛ فماذا يعني أن يوسف إدريس ليس له بيت، وكذلك يحيى حقي، وإبراهيم أصلان، وصلاح عبد الصبور؟ أين تراثهم ومقتنياتهم؟ إن بيت المبدعين هذا حق، حقنا وحق المبدعين، بدلا من أن يتبدد. فنحن نسمع عن مكتبات تباع على الأرصفة لكتاب كبار، وبداخلها صور وأوراق وبقايا قصص وحكايات، فهذا تراث يجب أن نحافظ عليه. وأنا وغيري منذ سنوات نطالب بهذا الطلب، ولم يستمع أحد.

 

21 _ هل يمكن اعتبار مواجهتك لجماعة الإخوان المسلمين من أبرز المعارك الفارقة في مشوارك المهني والشخصي، وكيف انعكست هذه المرحلة عليك؟

لم أكن وحدي في مجابهة الإخوان، بل كانت مصر كلها ترفع الكارت الأحمر في مواجهتهم، والإعلام تحديدا كان أكثر فئة واجهت وناهضت الإخوان بقوة، في المنابر الإعلامية المختلفة. لكن يمكن أن تعتبريني واحدة ممن تعرضوا للأذى في ذلك العام الإخواني.

فقد عزلت أولا من العمل بسبب قرارهم بتغيير رؤساء التحرير، فخرجت من جريدة أخبار الأدب، وتم إيقاف عمودي «نهار» في جريدة الأخبار، ثم تم إيقافي عن الكتابة بالكامل، ثم عزلت في البيت لمدة عام ونصف بدون عمل وبدون كتابة، أي بدون مصدر رزق، فتم عزلي من كل شيء.

لكن تحول هذا العزل والموقف الذي حدث معي إلى أمثولة. فظهرت اعتراضات ومواقف فيها دعم لمن تعرضوا للضرر، بما فيهم أنا، فكانت هناك تظاهرة كبيرة في ميدان التحرير قوامها المثقفون ضد التعدي على حرية التعبير.

 

22 _ كيف ترين دور المثقف في مواجهة الإخوان المسلمين، وهل اختلف هذا الدور عما قام به خلال ثورة يناير؟

كان دور المثقف في مواجهة الإخوان، هو نوع من المجابهة الجديدة بنزول المثقف إلى الشارع للتعبير عن رأيه، وأظن أن هذه واحدة من إيجابيات ثورة يناير في ما يتعلق بدور المثقف في مواجهة الإخوان وفي قدرته على الفعل.

فمن خلال ثورة يناير حدث تغيير في الصورة، وأصبح هناك فاعلية وتفاعل بين المثقف والموقف، وأصبح المثقف فاعلا بشكل أكبر. فأنا لا أفهم المثقف إلا باعتباره فاعلا ومؤثرا ومسؤولا؛ هذا دوره ووظيفته وكيانه، لا بد أن يكون إيجابيا ومتفاعلا مع واقعه وبيئته وظرفه التاريخي، فهو أحد صناع الوعي وإحداثه وتحريكه.

وهنا يمكنني القول إن الإخوان أسقطهم المثقفون قبل أن يسقطهم أي طرف آخر، بمعنى أن المصريين أدركوا خطورة الإخوان على وعي الناس وعلى الواقع المصري، فكانت الحركة ضد الإخوان ليس فقط بالمعنى السياسي، بل أيضا بالمعنى الفكري.

 

23 _  في ظل تعدد مقالاتك بين المنشور والممنوع، هل فكرت في جمعها في كتب توثق هذه التجربة وتسهل الوصول إليها؟

هناك كتاب بالفعل يجمع بعض المقالات الخاصة بالثقافة، وكتاب «لا سمع ولا طاعة» يتضمن جزءا من مقالاتي تأكيدا على مواقف بعينها ومقالات نشرت لأنها صدرت في الفترة التي يتحدث عنها الكتاب.

لكن إجمالا، في الحقيقة لم أفكر في تكرار الفكرة مرة أخرى، لأنها تحتاج إلى جهد كبير. فأنا لم أعد أحتفظ بالمقالات؛ كنت أحتفظ بها في البداية منذ نحو أربعين عاما، لكن بعد ذلك لم أعد أحتفظ بها.

لكن السؤال ربما يدفعني إلى التفكير في هذا الأمر.

 

24_ كيف تتعاملين مع ردود فعل القراء والنقاد تجاه ما تكتبينه؟

أتلقى التعليق بدون أي رد فعل، فأنا لست من النوع الذي ينزعج من النقد أو الاختلاف، لأني أكون مقتنعة إلى حد كبير بالرأي الذي أقوله. وبالتالي فأنا غير مهتزة إذا كان كثيرون ضد الرأي الذي أطرحه، فأنا مقتنعة بفكرة القدرة على أن تحارب وحدك.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك