فى رواية «الخواجاية» للكاتبة فيمونى عكاشة، نجد أنفسنا أمام سؤال يبدو بسيطًا فى ظاهره، لكنه شديد التعقيد فى عمقه: ما الذى يصنع هوية الإنسان؟ هل هى الجنسية التى يحملها، أم اللغة التى يتحدث بها، أم الثقافة التى نشأ داخلها؟ الرواية تفتح هذا السؤال من خلال حكاية عائلة تجمع بين أب مصرى وأم أوروبية، ومن خلال هذه العلاقة الخاصة تتشكل شخصية الابنة التى تعيش بين عالمين، وتجد نفسها منذ البداية على تخوم هويتين مختلفتين.
لكن ما تكشفه الرواية، الصادرة عن دار الشروق، هو أن الهوية لا تُبنى فقط عبر الجغرافيا أو السياسة أو الانتماء الوطنى، بل تتشكل أولًا داخل المجال الأكثر حميمية فى حياة الإنسان... الأسرة. قبل أن يعرف الطفل وطنه أو لغته أو تاريخه، يعرف صوت أمه، وطريقة احتضانها له، والجو العاطفى الذى يعيش فيه. من هنا تبدأ الهوية العاطفية الأولى، وهى الطبقة العميقة التى ستؤثر لاحقًا فى طريقة فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله.
وأعترف أننى حين قرأت عن هذه الهوية المزدوجة فى الرواية لم يكن الأمر بالنسبة إلىّ مجرد تأمل أدبى، بل استدعاء ذاكرة شخصية بعيدة؛ فأمى كانت يونانية الأصل مصرية المولد، وكانت تحمل فى سلوكها اليومى شيئًا من ذلك العالم الذى جاء منه أهل البحر المتوسط الذين عاشوا فى مصر عقودًا طويلة.
إن الطفل لا يتلقى ثقافة أمه وأبيه بوصفها أفكارًا مجردة، بل يتلقاها عبر الإيقاع العاطفى للحياة اليومية. اللغة ترتبط بنبرة صوت، والطعام يرتبط بذاكرة المطبخ، والانضباط أو الفوضى يرتبطان بطبيعة البيت الذى نشأنا فيه، لذلك فإن ما نسميه «هوية» هو خلاصة تلك التجارب المبكرة التى عشناها ونحن ما زلنا نتعلم كيف نكون أنفسنا.
تُعَدّ العلاقة بالأم البوابة الأولى التى يدخل منها الطفل إلى العالم؛ فالأم لا تمنح طفلها الغذاء والرعاية فقط، بل تمنحه أيضًا الإطار العاطفى الذى تتشكل داخله تجربته الأولى مع الحياة. ومن خلالها يتعلم معنى الأمان والانتماء والنظام والفوضى، بل وحتى معنى الزمن نفسه، ولهذا السبب فإن كثيرًا مما نعتقد أنه صفات شخصية فردية قد يكون فى الحقيقة امتدادًا غير مرئى لعالم الأم الأول.
لهذا يمكن القول إن الهوية نسيج معقد من الذكريات والعلاقات والتجارب الأولى، والإنسان لا يحمل فقط جنسية أو ثقافة، بل يحمل داخله تاريخ عائلته، وطبقات من المشاعر المرتبطة بوالديه وبالبيت الأول الذى نشأ فيه، وما يبدو فى الظاهر اختلافًا بين ثقافتين قد يكون فى العمق محاولة نفسية للتوفيق بين عالمين. وربما لهذا السبب تثير الروايات التى تتناول الهويات المختلطة اهتمامًا خاصًا لدى القراء؛ لأنها تذكّرنا بسؤال ليس: إلى أى بلد أنتمى؟ بل أى جزء من ذاكرة طفولتى ما زال يعيش داخلى ويصنع الطريقة التى أرى بها العالم.
الأم و سنوات «التيه»
فى «الخواجاية» لا تظهر الأم بوصفها مجرد شخصية تُستعاد من الذاكرة، بل كحضور داخلى مستقر داخل نفس الكاتبة، كأننا لا نقرأ عن أم عاشت فى الخارج بقدر ما نقرأ عن صورتها النفسية كما تشكلت واستقرت داخل الابنة عبر سنوات طويلة، فتتحول الكتابة من فعل تذكّر إلى فعل إعادة تشكيل، فالأم التى نراها فى النص ليست بالضرورة كما كانت فى الواقع، بل كما تحتاجها الابنة الآن، كما يعيدها وعيها ويعيد ترتيبها لكى تحتمل بها هذا الفقد الآتى، وكأن الذاكرة أداة نفسية تعيد صياغة الموضوع الداخلى بما يسمح للنفس أن تظل متماسكة.
وعندما يدخل التيه إلى المشهد، يتحول إلى تهديد مزدوج، لأن ما يتآكل ليس فقط ذاكرة الأم، بل أيضًا الإحساس الداخلى بالذات لدى الابنة، فالأم فى خبرتنا النفسية الأولى هى أول مرآة نرى فيها أنفسنا، أول سطح يعكس لنا من نكون، وحين تبدأ هذه المرآة فى التلاشى، يحدث ارتباك عميق يتجاوز الحزن المباشر، كأن الابنة لا تفقد أمها فقط، بل تفقد أيضًا ذلك الجزء من نفسها الذى كان يجد تعريفه وانعكاسه عبرها، ومن هنا يمكن فهم الإلحاح على الكتابة، بل كمحاولة لتثبيت شىء، محاولة للقبض على صورة قبل أن تنمحى، وعلى ذات تشعر أنها مهددة بالتآكل مع تآكل الأم.
وهكذا يمكن قراءة النص كله كآلية دفاع دقيقة ضد التفكك، حيث يصبح تنظيم السرد محاولة لتنظيم الداخل، وتثبيت التفاصيل مقاومة للنسيان، فالكاتبة لا تكتب لتتذكر فقط، بل تكتب لتؤكد أن هناك شيئًا ما لا يزال قائمًا، حتى لو كان هذا الشىء مجرد نص، مجرد كلمات تحفظ تماسكًا مؤقتًا، وكأن الورق يتحمل ما لم يعد الواقع قادرًا على حمله.
هناك أيضًا طبقة أعمق من مشاعر أكثر تعقيدًا، ربما غضب لم يُعترف به، أو رغبة قديمة فى الانفصال، خاصة إذا كانت الأم تحمل حضورًا قويًا، ثقافيًا أو اجتماعيًا أو نفسيًا، كما توحى صورة «الخواجاية»، وهذا يخلق توترًا داخليًا مستمرًا، بين الرغبة فى الامتداد، والرغبة فى الاستقلال، وهو توتر قد يغطيه الحنين حينًا، لكنه لا يختفى، بل يظهر فى لحظات الضعف والفقد.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم ما يبدو على السطح كازدواج ثقافى بين مصر وهولندا، ليس فقط بوصفه انتماءين جغرافيين، بل كتعبير عن انقسام نفسى أهدأ وأعمق، جزء يريد أن ينتمى ويستقر، وجزء يشعر دائمًا بشىء من الغرابة، كأنه داخل المشهد وخارجه فى الوقت نفسه، ينكشف بقوة فى لحظات الفقد، حين تسقط التوازنات الهشة، ويظهر السؤال الأعمق: أين أنا فعلًا، وإلى أى صورة أنتمى؟
بهذا المعنى، لا تصبح «الخواجاية» نصًا عن أم تُنسى، بل عن ابنة تخاف أن يتلاشى شىء منها مع هذا النسيان، فالكتابة هنا تؤجل انهيار الابنة، تمنحها مساحة لتتماسك قليلًا.
الفقد بالموت
فى «الخواجاية» لا يظهر الموت كحادثة تقع فى لحظة محددة يمكن الإمساك بها، أو الحداد عليها بوضوح، بل يتسلل كحالة نفسية ممتدة، فالأم لا تغيب فجأة وإنما تنسحب تدريجيًا من حضورها، تفقد ذاكرتها قطعة قطعة، تتخلى عن ملامحها النفسية قبل أن يتخلى عنها الجسد، وهنا يتشكل نوع خاص من الفقد، أكثر قسوة من الموت التقليدى، لأنه لا يمنح النفس لحظة فاصلة تبدأ منها الحداد، لتعيش حزنًا بلا نهاية واضحة، حزنًا يتجدد مع كل نسيان، وكأن الفقد يحدث مرات متعددة لا مرة واحدة، وهو ما يضع الابنة فى موقع الشاهدة على اختفاء تدريجى لا يمكن إيقافه ولا حتى فهمه بالكامل؛ فتراقب الأم وهى تخرج من نفسها دون أن تستطيع أن تعيدها، فيتسلل خوف عميق، خوف من إمكانية أن يكون هذا التلاشى هو النهاية التى تنتظر الجميع، وهنا تتحول الكتابة من فعل تذكّر إلى محاولة تثبيت، محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يختفى تمامًا.
وكأن فيمونى لا تكتب الأم كما كانت، بل تعيد تشكيلها داخلها بما يسمح لها بالاحتمال، فالكتابة تصبح آلية دفاع ضد التفكك، وبديلا عن طقس وداع لم يحدث، فلا جنازة نفسية واضحة ولا لحظة إغلاق، لذلك تصنع الكتابة وداعها الخاص، تخلق مساحة يمكن فيها قول ما لم يُقل، والاحتفاظ بما لم يعد موجودًا.
فهو يحمل فى داخله وظيفة نفسية واضحة، إذ يعمل كغطاء يحمى من مواجهة جوانب أكثر تعقيدًا، من مشاعر قد تكون مختلطة بين الحب والضيق، بين الامتنان والرغبة فى الانفصال، فالأم هنا ليست فقط موضوع حب بل أيضًا مصدر تشكيل وهوية، وربما ضغط غير معلن، خاصة مع اختلافها الثقافى وتميزها، ما يخلق لدى الابنة توترًا بين الانتماء لها والرغبة فى التحرر منها، وهو توتر لا يُصرّح به مباشرة بل يذوب داخل طبقة كثيفة من الحنين، وكأن استعادة الماضى فى صور أكثر صفاءً هى طريقة لإعادة ترتيبه نفسيًا وجعله قابلًا للاحتمال، وفى هذا المعنى لا يكون الحنين مجرد استرجاع، بل إعادة كتابة للعلاقة نفسها بشكل أقل إيلامًا، ومع ذلك يبقى أثر الانقسام حاضرًا، ليس كصراع صاخب بين هويتين، بل كانقسام هادئ ومستمر، شعور خافت بالغربة حتى داخل الانتماء، لا يظهر فى الظروف العادية بوضوح لكنه يطفو بقوة فى لحظات الفقد، حين تتزعزع الركائز التى كان يستند إليها الإحساس بالذات، فيصبح السؤال عن الأم فى العمق سؤالًا عن النفس، وعن ما يبقى منها حين تبدأ المرايا فى الاختفاء، وهكذا لا يكون النص عن أم تُنسى فقط، بل عن ابنة تحاول أن لا تُنسى معها، عن إدراك مؤلم أن الكتابة قد تؤجل الانهيار لكنها لا تلغيه، وأن أقصى ما يمكن فعله أحيانًا هو أن نمنح الفقد شكلا يمكن احتماله، لا أن نمنعه.