جاء قرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون بالعفو عن الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صنصال في 12 نوفمبر الجاري كمصدر تفاؤل بانفراجة في العلاقات بين الجزائر وباريس، والتي تشهد واحدة من أكبر أزماتها الدبلوماسية منذ انتهاء الاستعمار الفرنسي عام 1962.
كانت السلطات الجزائرية قد أوقفت صنصال في مطار الجزائر العاصمة بعد أسابيع من إدلائه بتصريحات شككت في حقوق الجزائر الحدودية مع المغرب. حوكم لاحقًا بتهمة "انتهاك الأمن القومي" قبل أن يصدر بحقه حكم في مارس الماضي بالسجن 5 سنوات.
وصدر العفو بعد مناشدة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير لنظيره الجزائري من أجل إطلاق سراح الكاتب البالغ من العمر 81 عامًا "لدواعٍ إنسانية" نظرًا "لوضعه الصحي الصعب".
التدخل الألماني أعقب جهودًا فرنسية لطلب الوساطة، أبرزها من وزير الداخلية الأسبق ماتياس فيكل، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس الأكاديمية الفرنسية-الألمانية في باريس، وهو أيضًا عضو في اللجنة الدولية لدعم صنصال التي شُكّلت عقب إلقاء القبض عليه.
رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالخطوة، كما وصفها صنصال نفسه عقب عودته إلى فرنسا بأنها تُظهر أن النظام الجزائري لا يزال يُظهر "ذكاءً" في التعامل مع الأزمة بين البلدين، لكنه زعم أن "التهديد بالتحقيق في المكاسب غير المشروعة" لشخصيات ومسئولين جزائريين في فرنسا والتهديد بسحب جوازات السفر الدبلوماسية لهؤلاء الأشخاص ومصادرة أصولهم، أخاف السلطات الجزائرية".
بينما قال السفير الفرنسي الأسبق لدى الجزائر، كزافييه دريانكور، لمجلة "لوبوان" إن إطلاق سراح صنصال "لن يغيّر شيئًا" في العلاقات الثنائية الفاترة، وتوقع أن تستمر الأزمة الحالية حتى عام 2027 ما لم "تتخذ فرنسا موقفًا حازمًا تجاه الجزائر" يسمح بخلق علاقات دبلوماسية جديدة على أسس مغايرة لما سبقها خلال عقود ما بعد الاستعمار.
بداية الخلاف
بدأت الملامح الأولى للأزمة الدبلوماسية في التجلي منذ ما يقرب من عامين، حين رفضت الجزائر استقبال أعداد كبيرة من الجزائريين الذين تسعى باريس إلى ترحيلهم بسبب إقامتهم بصورة غير شرعية في فرنسا، بالإضافة إلى غيرهم من الجزائريين ممن وصفتهم وزارة الداخلية الفرنسية بأنهم يشكلون "خطرًا" على أمن فرنسا، وأبرزهم المؤثر نعمان بوعلام المعروف باسم "دولامن"، والمُتهم بالدعوة إلى العنف عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي مايو 2024، ألقت السلطات الجزائرية القبض على الصحافي والباحث الفرنسي كريستوف جليز في مدينة تيزي أوزو بتهمة "دخول البلاد بتأشيرة سياحية وتمجيد الإرهاب وحيازة منشورات بغرض الدعاية وأوراق من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية"، قبل أن يُحكم عليه بالسجن 7 سنوات، وهو الحكم الذي يُنظر حاليًا في الطعن عليه أمام القضاء الجزائري.
وتأجج الخلاف مرة أخرى العام الماضي إثر إعلان الرئيس ماكرون اعتراف فرنسا بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية في ظل دعم الجزائر المستمر لجبهة البوليساريو التي تسعى إلى استقلال المنطقة المتنازع عليها.
إدانة برلمانية لاتفاقية 1968
وأخذ التصعيد منحًى جديدًا قبيل نهاية شهر أكتوبر الماضي حين صادق نواب البرلمان الفرنسي على قرار يهدف إلى "إدانة" الاتفاقية الفرنسية–الجزائرية الموقعة عام 1968، والتي تمنح الجزائريين في فرنسا وضعًا خاصًا وامتيازات تختلف عن غيرهم من الأجانب المقيمين في البلاد.
ويبقى القرار، الذي تقدم به نواب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، غير ملزم لإلغاء الاتفاقية أو حتى تعديل بنودها، فـرئيس الوزراء الفرنسي هو المسؤول الوحيد المخوّل بإنهاء العمل بمثل تلك الاتفاقيات، إلا أن ذلك لم يمنع زعيمة التجمع، مارين لو بين، من وصف نتيجة التصويت بأنه "يوم تاريخي" لحزبها. وأضافت: "لأول مرة، تم اعتماد نص قدّمه التجمع الوطني".
وتم التصويت لصالح القرار، الذي تدعمه الكتلة اليمينية في البرلمان الفرنسي، بموافقة 185 نائبًا مقابل رفض 184، أي بفارق صوت واحد فقط.
ودعم نواب كل من "الجمهوريون" (يمين) ونواب من "حزب آفاق" (يمين الوسط) بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب التصويت لصالح القرار، مقابل رفض واسع من الأحزاب اليسارية وتكتل "النهضة من أجل الجمهورية" الوسطي بقيادة رئيس الوزراء الأسبق جابرييل آتال والمناصر للرئيس ماكرون.
وعلى عكس قرارات برلمانية مشابهة تروّج لها أحزاب اليمين بشأن المهاجرين في فرنسا، لعب عدد من نواب "النهضة" دورًا حاسمًا في تمرير القرار عبر الامتناع عن التصويت، وهو ما أدى إلى انتقادات لاذعة للتكتل الداعم للرئيس الفرنسي.
وعكس التصويت ميلًا يمينيًا داخل صفوف العديد من الساسة "الوسطيين" الفرنسيين تجاه ملف الهجرة بشكل عام، وفيما يتعلق بالعلاقات مع الجزائر بشكل خاص.
ماذا يتبقى من الاتفاقية؟
كانت الاتفاقية قد وُقّعت بعد 6 سنوات من حصول الجزائر على استقلالها، إبان حاجة فرنسا للعمالة الأجنبية، بالإضافة إلى حرص باريس آنذاك على الاحتفاظ بعدد من الامتيازات الاقتصادية والسياسية في مستعمرتها السابقة.
وتتيح الاتفاقية للجزائريين المقيمين في فرنسا الحصول على ما يُسمى بـ"شهادة إقامة للجزائريين" بشروط أفضل من تلك المتاحة للمقيمين من جنسيات أخرى.
كما تمكنهم من الحصول على تصريح إقامة لمدة 10 سنوات بعد مرور 3 سنوات فقط من الإقامة بشكل شرعي، وهو ما يختلف عن القانون العام للمهاجرين في فرنسا، والذي ينص على الإقامة لمدة 5 سنوات كشرط للحصول على حق الإقامة الطويلة.
وطبقًا للاتفاقية، يمكن للجزائريين المقيمين في فرنسا التقديم للحصول على منافع ومساعدات اجتماعية بشكل أسرع من أصحاب الجنسيات الأخرى.
كما تساعد بنود الاتفاقية على تسهيل إجراءات لمّ شمل الجزائريين المقيمين في البلاد بشكل شرعي بأفراد عائلاتهم في الجزائر عبر شروط أقل وفترات معالجة أقصر مقارنة بالحالات المماثلة للمهاجرين من دول أخرى.
ووفقًا لتقرير نشره المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) عام 2023، وُلد 22% من المهاجرين المقيمين في البلاد في الجزائر، كما يبلغ تعداد الجالية الجزائرية حوالي 2.6 مليون نسمة، مما يجعلها الأكثر تمثيلًا بين جاليات المهاجرين في فرنسا، طبقًا للمرصد الفرنسي للهجرة والديموغرافيا.
استغلال الأزمة داخليًا
وكما تواجه الحكومة الجزائرية اتهامات فرنسية بتطويع النزاع لكسب شعبية داخلية، يشير البعض إلى تأجيج الساسة اليمينيين الفرنسيين للأزمة مع الجزائر لتحقيق مكاسب حزبية.
حيث تبنى "التجمع الوطني" قرار إدانة اتفاقية 1968، واستغل وزير الداخلية السابق ريتايو الأزمة لاكتساب زخم مكنه من الوصول إلى زعامة حزب "الجمهوريون" اليميني، بحسب وصف صحيفة "لوموند".
وقالت الصحيفة في افتتاحية لها عقب العفو عن صنصال إن ريتايو طوّع الأزمة مع الجزائر "من أجل تنظيم حملة ذات أهداف سياسية واضحة. وبينما مكّنته هذه الاستراتيجية المواجهة واستعراض القوة من الفوز بقيادة حزبه، الجمهوريون، في مايو 2025، إلا أنها أدّت في الوقت نفسه إلى انقطاع جميع الاتصالات مع الجزائر وتركت مختلف النزاعات العالقة دون حل".
وذهبت الافتتاحية إلى ما هو أبعد من ذلك بزعم أن رحيل ريتايو عن منصبه كوزير للداخلية في أكتوبر الماضي ساهم في إنجاح جهود العفو عن صنصال.
وأضافت "لوموند": "استلزم الأمر رحيله عن وزارة الداخلية لأجل استعادة دعاة الدبلوماسية الهادئة والفعالة زمام الأمور. وقد جسّد خليفته، لوران نونيز، وهو خبير أمني أكثر من كونه منظرًا سياسيًا، هذا التغيير في النهج. وإدراكًا منها لتحول فرنسا، سارعت الجزائر إلى تسريع وتيرة المناقشات الجارية مع ألمانيا لإضفاء الطابع الرسمي على إطلاق سراح صنصال".
لا تبدو في الأفق بوادر لانتهاء الأزمة، في ظل تطويعها سياسيًا على ضفتي البحر المتوسط، مدفوعة بالصحراء الغربية، والتأشيرات، والذاكرة التاريخية المشتركة لسنوات الاستعمار، وتصاعد التحريض اليميني المتطرف في فرنسا، وهي قضايا تمثل أحجار عثرة أمام تحسين العلاقات.