تزين الفوانيس ليالي رمضان، لكن نهاره تزينه موائد الرحمن التي تنتشر في كثير من الشوارع المصرية، معبرة عن مدى الكرم والتعاون داخل المجتمع المصري؛ لتحافظ العادة الأصيلة التي امتدت منذ زمن الأمويين على بقائها بين المصريين دون أن يهزمها مرور مئات السنين أو تحطم دوافع كرم القائمين عليها موجات غلاء الأسعار.
وذكر كريم مجدي، شاب من القائمين على مائدة رحمن في منطقة الدرب الأحمر، في تصريحات لـ"الشروق"، أنه واظب مع عدد من شبان المنطقة على إعداد موائد الرحمن لسبع سنوات، موضحًا أنه اعتاد رؤية إقامة تلك العادة في منطقته منذ كان طفلًا.
وأوضح أن تنظيم موائد الرحمن يتنوع من منطقة لأخرى حسب القدرة المادية للمنظمين، إذ قد يتكفل شخص ثري بمفرده بتكاليف إحدى الموائد، بينما يتشارك عدد من الأشخاص في تكاليف إعداد مائدة أخرى، كما تتنوع مواعيد بدء الموائد، فبينما ينظم البعض الموائد قبل رمضان بيوم، يبدأ آخرون في ترتيبها بعد بداية الشهر.
وأشار إلى دور التربية الصالحة في استمرار تلك العادة الرمضانية، حيث ذكر أن الأسر التي شاهدت آباءها يجهزون موائد الرحمن تستمر في إعداد الموائد في رمضان.
وتتجذر عادة موائد الرحمن في التاريخ المصري، وقد اكتسبت اسمها الشهير من الإمام الليث بن سعد بن عبد الرحمن المصري، الذي كان يقيم الولائم للفقراء في رمضان خلال العهد الأموي.
وأعاد ترسيخ عادة الموائد في مصر السلطان أحمد بن طولون، حين تصادف تجمع عدد كبير من الفقراء حول قرب وليمة رمضانية كان السلطان جهزها للأعيان وكبار التجار، فخطب السلطان في الأثرياء مطالبًا إياهم بإقامة ولائم للفقراء طوال شهر رمضان، متوعدًا من يتخلف عن الأمر بالعقاب.
وحافظ الفاطميون على عادة الولائم الرمضانية التي عرفت بصمات الخليفة في عهد المعز لدين الله الفاطمي، وكان هناك دار مخصصة لإدارتها تُسمى دار الفطرة، تُقام فيها الموائد بجامع عمرو بن العاص.
وشهدت عادة موائد الرحمن انتعاشة خلال العصر الحديث على يد أبناء محمد علي باشا، وكان الملك فاروق من أشد الملوك المصريين اهتمامًا بها، حيث أقامها في قصر عابدين وكان يحضرها في أول يوم رمضان.
وتحدث كريم، عن صعوبة تكاليف موائد الرحمن بسبب الغلاء، موضحًا أن حب الناس للخير والتعاون بين الأشخاص ساعد في التغلب على التكلفة العالية، حيث يساهم أقل الأشخاص مالًا في جلب كرتونة مياه على الأقل، حسب قوله.
ولفت إلى أن عادة الكرم تتواجد في مناطق القاهرة القديمة طوال السنة بشكل مشابه لموائد الرحمن، حيث يتعاون شباب المناطق في إعداد إفطار أسبوعي أيام الجمعة لإطعام الفقراء، وينتشر ذلك في المناطق المجاورة للمساجد باستمرار.