أعرب وزير الاقتصاد الوطني الفلسطيني محمد العامور عن ثقته في قدرة الأشقاء العرب على التحول من التضامن السياسي والإنساني الثابت مع فلسطين إلى شراكة اقتصادية فاعلة ومستدامة.
وقال العامور خلال كلمته على هامش أعمال الدورة 118 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوزاري إن فلسطين تمر بواحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث، في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل ودمار وتهجير، إلى جانب استهداف ممنهج لمقومات الحياة، من مساكن ومنشآت وبنية تحتية، فضلًا عن تقييد الحركة والتجارة والإنتاج، مؤكدًا أن هذه الظروف تضع الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني أمام تحديات غير مسبوقة في قدرتهما على الصمود والاستمرار.
وأوضح العامور أن هذه التحديات لا تقتصر على الحرب والدمار في قطاع غزة، وإنما تمتد إلى الضفة الغربية، التي تشهد تصعيدًا متواصلًا في ممارسات الاحتلال، من توسع استيطاني ومصادرة للأراضي، إلى إقامة الحواجز والبوابات وتقطيع أوصال المحافظات والمدن والقرى، إلى جانب اعتداءات المستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية ومنشآتهم الصناعية والتجارية.
وتابع أن الاقتصاد يمثل عصب الصمود، ولذلك لا يمكن الحديث عن الواقع الفلسطيني اليوم من دون التوقف عند الحصار الاقتصادي والمالي الممنهج الذي تفرضه حكومة الاحتلال، والذي أصبح أحد أبرز أدوات الضغط على الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية.
وأوضح أن هذا الحصار لا يقتصر على احتجاز أموال المقاصة، التي تشكل ما يقارب 68% من الإيرادات العامة، وفرض الاقتطاعات والحجوزات عليها، وإنما يمتد إلى فرض قيود مشددة على حركة الأشخاص والبضائع، ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتقييد وصول المزارعين إلى أراضيهم، والحد من النفاذ إلى الموارد والأسواق، وتعطيل حركة التجارة والاستثمار.
وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على النظام المصرفي والعلاقات المالية الفلسطينية مع العالم الخارجي تضيف بعدًا آخر إلى الأزمة، موضحًا أن تداعيات هذه السياسات لم تعد تقتصر على قطاع اقتصادي بعينه، وإنما باتت تطال الموازنة العامة والمؤسسات الوطنية والقطاع الخاص والعمال والمزارعين والتجار والمستثمرين، وتنعكس في النهاية على حياة الأسرة الفلسطينية والمواطن.
وأضاف أن حكومة الاحتلال عملت على احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية التي تجاوزت 6 مليارات دولار، بالتزامن مع افتعال أزمة فائض الشيكل في السوق الفلسطيني، والتي بلغت ما يقارب 5.5 مليار دولار، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات انعكست بصورة مباشرة على مختلف مكونات الاقتصاد الفلسطيني.
وأوضح أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش في عام 2025 بنسبة 24% مقارنة بعام 2023، كما تراجعت مؤشرات سوق العمل، وبلغ معدل البطالة 46% خلال العام نفسه، بواقع 28% في الضفة الغربية و78% في قطاع غزة.
وأكد أن هذه الأرقام لا تعكس فقط مؤشرات اقتصادية، وإنما تترجم واقعًا يوميًا يعيشه المواطن الفلسطيني، من خلال تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع البطالة وتآكل القدرة الشرائية وتراكم الالتزامات المالية والضغط على رواتب الموظفين، فضلًا عن الصعوبات التي تواجه القطاع الخاص في الحفاظ على استمرارية أعماله.
وقال إن مسؤولية الحكومة الفلسطينية لا تقتصر على إدارة تداعيات الأزمة، وإنما تشمل أيضًا الحفاظ على قدرة الاقتصاد الفلسطيني على العمل، والاستعداد لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.
وأوضح أن الحكومة تمضي في رؤية تقوم على وحدة الأرض والمؤسسات والقانون والإدارة، وعلى أن تكون الضفة الغربية، بما فيها القدس الشريف، وقطاع غزة جزءًا من منظومة وطنية واحدة، معتبرًا أن هذه الوحدة تمثل شرطًا أساسيًا للاستقرار وإعادة الإعمار وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وأشار إلى أن الحكومة تعمل بالتوازي على ترسيخ الحياة الديمقراطية وتجديد الشرعيات الوطنية، موضحًا أنه جرى تنظيم العملية الانتخابية لمؤسسات المجتمع المحلي وعدد من مؤسسات القطاع الخاص، كما تم تحديد موعد إجراء الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني من هذا العام.
وأكد أن إجراء الانتخابات في هذه الظروف لا يمثل مجرد استحقاق إجرائي، وإنما يحمل رسالة واضحة إلى العالم بأن الشعب الفلسطيني يريد أن يبني مؤسساته ويحافظ عليها ويوحدها، وأن يستمر في بناء دولته رغم الظروف الصعبة التي يمر بها.
كما اشار إلى أن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الفلسطيني لا يكمن في غياب القدرة أو الإمكانات، وإنما في صعوبة الوصول، قائلًا إن طالاقتصاد الفلسطيني لا يعاني عجزًا في القدرة، وإنما يعاني عجزًا في الوصول".