دخل الذكاء الاصطناعي بقوة في جميع مجالات عالمنا المعاصر، الذي تتجه فيه الأنظار نحو الدور المتصاعد للتكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ومنها المجال الطبي؛ حيث ساهم في تغيير ملامح التشخيص والعلاج، وفتح آفاقا جديدة لزيادة فرص الشفاء وتحسين جودة حياة المرضى، في وقت لا يزال فيه السرطان أحد أكبر التحديات الصحية عالميا.
لذلك، وفي اليوم العالمي للسرطان، نستعرض في هذا التقرير جزءً من تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل معركة البشرية ضد السرطان.
شريك جديد في التشخيص المبكر
كشفت دراسة علمية دولية بعنوان "التقنيات الحالية للذكاء الاصطناعي في تشخيص وعلاج السرطان"، تم نشرها عام 2025 في مجلة "Molecular Cancer" المتخصصة في أبحاث الأورام، عن الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في مساعدة الأطباء على اكتشاف السرطان في مراحله المبكرة؛ عبر تحليل الأشعة والفحوصات الطبية بدرجات عالية من الدقة.
وتوضح الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يعتمد على تقنيات متقدمة لتحليل كميات هائلة من البيانات الطبية، تشمل الصور الإشعاعية، وشرائح الباثولوجيا الرقمية، والسجلات الصحية الإلكترونية، إلى جانب البيانات الجينية للمرضى.
وأظهرت هذه التقنيات كفاءة لافتة في الكشف المبكر عن الأورام، أحيانا بدقة تماثل أو تتفوق على أداء الأطباء المتخصصين، خاصةً في سرطانات الثدي والرئة والقولون، وهو ما يمنح المرضى فرصة أكبر للعلاج في مراحل مبكرة ترتفع فيها نسب الشفاء.
العلاج الشخصي
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التشخيص فحسب، بل يمتد إلى تحليل البيانات الجينية واكتشاف المؤشرات الحيوية، ما يتيح تصنيف المرضى إلى مجموعات مختلفة وفق درجة الخطورة والاستجابة المتوقعة للعلاج.
وهذا التطور يدعم الانتقال من النماذج العلاجية الموحدة إلى ما يُعرف بـ"العلاج الشخصي"؛ حيث يتم تصميم خطة علاجية تناسب الخصائص البيولوجية لكل مريض على حدة، وهو ما يعتبر نقلة نوعية في الطب الحديث.
وتبرز الدراسة أيضا أهمية الذكاء الاصطناعي في تطوير تقنيات الخزعات السائلة، من خلال تحليل الحمض النووي الورمي المنتشر في الدم (ctDNA) والخلايا السرطانية المتداولة (CTCs)، ما يتيح الكشف المبكر عن السرطان، ومتابعة تطور المرض، وتقييم فعالية العلاج بطرق غير جراحية، أقل ألما وأكثر أمانا للمرضى.
دعم القرار الطبي وتسريع اكتشاف الأدوية
وفي المجال العلاجي، تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في دعم اتخاذ القرار الطبي، والتنبؤ بمعدلات البقاء على قيد الحياة، وتحسين تخطيط العلاج الإشعاعي والجراحي، إضافة إلى تسريع عمليات اكتشاف الأدوية الجديدة، وتقليل تكلفتها الزمنية والاقتصادية، وهي عوامل حاسمة في مواجهة مرض تتطلب معركته موارد ضخمة.
ورغم هذه الإمكانات، تُحذر الدراسة من تحديات تتمثل في حماية خصوصية البيانات الطبية، وضمان شفافية الخوارزميات وقابليتها للتفسير، إلى جانب الحاجة لوضع أطر تنظيمية وتشريعات واضحة، تضمن الاستخدام الآمن والعادل لهذه التقنيات داخل المنظومة الصحية.
إعادة رسم خريطة فحص سرطان الثدي
وفي نموذج تطبيقي يعكس هذا التحول، كشفت دراسة علمية حديثة أخرى عن نتائج واعدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في فحوصات الماموجرام للكشف المُبكر عن سرطان الثدي، الذي يعتبر بحسب منظمة الصحة العالمية، السبب الرئيسي للوفاة بين النساء في الفئة العمرية من 35 إلى 50 عاما، مع تسجيل أكثر من مليوني حالة جديدة سنويا حول العالم.
وتعتبر تلك الدراسة المنشورة في مجلة "The Lancet" الطبية، من أكبر الدراسات في هذا المجال حتى الآن، وشملت نحو 100 ألف امرأة في السويد خضعن لفحوصات دورية خلال الفترة من أبريل 2021 إلى ديسمبر 2022، حيث تم تقسيم المشاركات عشوائيا إلى مجموعتين؛ الأولى خضعت لفحص ماموجرام مدعوم بالذكاء الاصطناعي، بينما اعتمدت المجموعة الثانية على الفحص التقليدي القائم على قراءة الصور بواسطة اثنين من أخصائي الأشعة.
ويعمل نظام الذكاء الاصطناعي على تحليل صور الثدي وتصنيف الحالات حسب درجة الخطورة، حيث تتم إحالة الحالات منخفضة الخطورة لقراءة واحدة، بينما تخضع الحالات الأكثر اشتباها لقراءة مزدوجة، مع إبراز المناطق المشكوك فيها لدعم القرار الطبي.
نتائج تزيد من فرص النجاة
وأظهرت النتائج أن معدل الإصابة بالسرطان بلغ 1.55 حالة لكل 1000 امرأة في مجموعة الفحص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مقابل 1.76 حالة لكل 1000 امرأة في المجموعة التقليدية، ما يمثل انخفاضا بنحو 12% في معدلات تشخيص السرطان في السنوات اللاحقة للفحص.
كما تم اكتشاف 81% من الحالات خلال مرحلة الفحص في مجموعة الذكاء الاصطناعي، مقارنةً بـ 74% في المجموعة الأخرى، إلى جانب انخفاض ملحوظ في معدلات السرطان العدواني بنسبة تقارب 27%.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، شدد الباحثون على أن الذكاء الاصطناعي لا يغني عن الدور البشري؛ إذ لا يزال الفحص يتطلب وجود أخصائي أشعة واحد على الأقل، في إطار تكامل بين الخبرة الطبية والتقنيات الذكية.
وتؤكد الدراستان على أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل بديلا عن الطبيب، بل أداة داعمة تعزز من دقة وكفاءة الرعاية الصحية، وأن دمجه بشكل مسئول قد يشكل مستقبلا أكثر فاعلية في مكافحة السرطان.