تؤكد إسرائيل وحشيتها الخارجية، من خلال القصف والاعتداءات المستمرة، وتوسيع رقعته الداخلية على حساب الأراضي الفلسطينية، وعلى الرغم من الحروب المستمرة التي تخوضها على الأراضي العربية، إلا أن قدرتها الاقتصادية على التوسع العمراني والاستيلاء على الأراضي تضاعفت، ويعود ذلك إلى الدعم القوي الذي تتلقاها من الولايات المتحدة الأمريكية.
ويشهد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي تصاعدًا ملحوظًا في الأراضي الفلسطينية منذ عام 2023، بالتزامن مع استمرار التوترات والصراعات في المنطقة.
وتُشير تقارير إخبارية إلى زيادة وتيرة البناء والاستيلاء على الأراضي، في ظل دعم سياسي واقتصادي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة.
وفي هذا التقرير نتتبع بعض المصادر المفتوحة من بينها منصة peace now -منصة تابعة لمنظمة غير حكومية بنفس الاسم تدعو للسلام وإنشاء دولة فلسطينية- التي نشرت إحصائية مركزة حول توسعات إسرائيل على الأراضي المحتلة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وحصر بعض الأخبار لمنظمة بتسليم، وهو مركز معلومات لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، ومقارنة التغيرات الشكلية الظاهرة لبعض الأماكن عن طريق استخدام صور الأقمار الصناعية للأرض، للتأكد من الأخبار التي تشير إلى زيادة البؤر الاستيطانية الإسرائيلية.
في البداية يجب فهم شكل التقسيم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تنقسم إلى مناطق : أ - ب - ج، وهو تقسيم إداري للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، تم الاتفاق عليه ضمن اتفاقيات أوسلو في وقعت في تسعينيات القرن الماضي، وهي مقسمة كالتالي: المنطقة (ب) تخضع لإدارة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية، والمنطقة (ج) تخضع لسيطرة إسرائيلية بالكامل، والمنطقة (ا) من المفترض أنها تخضع لسيطرة فلسطينية بالكامل.
ووفقا لتقرير منصة السلام الآن الصادر في عام 2025 فقد حدث توسع كبير من قبل سلطات الاحتلال في منطقتين وهما: (ب) و(ج)، وتم بالفعل بناء والتصريح ببناء 148 بؤرة استيطانية جديدة منذ نهاية 2023 وحتى نهاية 2024، ما يمثل 40% من إجمالي 298 بؤرة استيطانية أُنشئت منذ عام 1996.
-تسوية وتوسع
شهد العام الثاني من الحكومة التي تضم الائتلاف الثلاثي: "نتنياهو- سموتريتش -بن جفير" بدء تنفيذ خطة الضم الإسرائيلية علميا، وهي خطة تشير إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، بدلًا من بقائها كأراضٍ محتلة أو خاضعة لوضع تفاوضي.
وفي عام 2023، أُنشئت "إدارة الاستيطان" كجزء من وزارة الدفاع، برئاسة بتسلئيل سموتريش، وفي الوقت نفسه، أدى تعيين ايتمار بن غفير وزيرًا مسئولًا عن الشرطة إلى انخفاض ملحوظ في تطبيق القانون لمكافحة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، لتضييق الخناق على الفلسطينيين من أكثر من جهة.
وفي نوفمبر 2024، بدأ تنفيذ قرار الحكومة الصادر في يونيو 2023، والذي بموجبه لم يعد إقرار الخطط في المستوطنات يتطلب موافقة السلطة السياسية، ونتيجةً لذلك، بدأ المجلس الأعلى للتخطيط عمله على الأرض للموافقة على خطط المستوطنات، وفي غضون 6 أسابيع من تنفيذ القرار، تمت الموافقة على ما يقارب 2400 وحدة سكنية.
وفي نفس العام نُشرت مناقصات جديدة من أجل بناء 1399 وحدة سكنية في جميع أنحاء الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، وفقا لتقرير منظمة السلام الآن. كما جرى تقنين أوضاع مجموعة كبيرة من البؤر الاستيطانية، لكي تتحول من أماكن غير قانونية إلى أماكن قانونية لها حقوق كاملة لدى إدارات المحتل.
وبالبحث عن آخر الأخبار التي تتناول وضع المستوطنات، سواء غير القانونية وتقنينها أو الجديدة، فقد عثر على خبر على موقع i24 الإخباري، أن المجلس الوزاري الأمني وافق على إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية بنهاية شهر مارس 2026.
وتقع بعض المستوطنات الجديدة المزمع إنشاؤها في مناطق شمال الضفة الغربية المعزولة عن المستوطنات الإسرائيلية الأخرى، في عمق المراكز السكانية الفلسطينية.
في الرسم البياني التالي تحليل لمجموعة من البيانات التي أتاحتها منصة السلام الآن حول عدد المستوطنات:

شكل تقريبي لعدد المستوطنات
-كيف يتم اختيار أسماء المستوطنات؟
وبتتبع بعض من أسماء المستوطنات التي أُقيمت مؤخرا، سوف نلاحظ الاعتماد على اختيار أسماء ذات دلالات سياسية ودينية، على سبيل المثال من بين المستوطنات التي أقر إنشاؤها في منتصف 2025، وجارِ العمل عليها خلال الأسابيع الحالية، مستوطنة Rehavam "رحعام"، واسمها ذو دلالة سياسية وأيديولوجية يمينية، لأنه بالبحث خلف الاسم، عثر على اسم وزير إسرائيلي شهير يدعى رحعام زئيفي "1926 -2001"، وهو صاحب نظرية التهجير القسري من خلال التطهير الكامل للسكان الفلسطينيين.
وبالنظر إلى إحداثيات موقع البؤرة الاستيطانية في شمال الضفة الغربية على جوجل إيرث نجد أن الهدف منها: فصل المجتمعات الفلسطينية في محافظات نابلس وجنين وقلقيلية عن بعضها البعض، ومنع أي اتصال جغرافي فلسطيني مستقبلي، وذلك يساهم في خنق القرى الفلسطينية المجاورة وتحويلها إلى كيانات محاصرة.
وانتهى من إنشاء مستوطنة Ebal/ إيبال، والتي أعلن مسئولون في المجلس الإقليمي للسامرة أن إنشاء مدينة إيبال يندرج ضمن خطة "مليون نسمة في السامرة" التي يتبناها رئيس المجلس يوسي داجان، وتهدف هذه المبادرة، التي طُوّرت بالتعاون مع مخططين ومهندسين معماريين وجغرافيين إلى رفع عدد الإسرائيليين في منطقة السامرة إلى مليون نسمة بحلول عام 2050، بحسب صحيفة يديعوت أحرنوت.
وتشير كلمة عيبال إلى جبل عيبال وهو أعلى قمة في سلسلة جبال نابلس بفلسطين، ويكتسب الجبل شهرة كبيرة في العهد القديم، حيث بُني مذبح عليه، وتمت تلاوة كلمات العهد واللعنات الناتجة عن العصيان عليه، وفقا للمرويات الدينية.
وأعيد توطين مستوطنة (sa-nur)/ سا نور مرة أخرى إلى العائلات الإسرائيلية، بعد مغادرتهم عام 2005، وهذه المستوطنة من أهم المستوطنات التي عادت إلى حظيرة القانون الإسرائيلي، لأنها ذات دلالة تاريخية كبيرة لدى العقيدة الصهيونية، فهي مركز الوطن اليهودي التوراتي في العقيدة الفكرية لهم، ومعناها الحرفي حامل اللهب.
ومن المستوطنات الجديدة التي أنشئت في نوفمبر 2025، مستوطنة شاديما/ shdema وهي كلمة تعود إلى العبرية، وتعني "حقل المحاصيل"، وهي تقع بجوار منطقة بيت ساحور، وتعمل على عزل سكان المنطقة الفلسطينيين عن محيطهم وأرضهم الزراعية.
ومرفق في هذا الرصد مجموعة من صور الأرقام الصناعية لبعض البؤر الاستيطانية عبر أداة "Esri | World Imagery Wayback" والتي تعكس بعض التغيرات الظاهرية في شكل الأراضي بين فترات زمنية مختلفة :

صور الأقمار الصناعية
-ميزانية ضخمة وطرق جديدة
من خلال البحث والرصد للأخبار المنشورة بعدد من المنصات الإسرائيلية، وبحسب تقارير حقوقية لمنظمة السلام الآن، فقد ضاعفت حكومة نتنياهو ميزانية المستوطنات، حيث خصصت أموالاً إضافية لقسم المستوطنات، بزيادة قدرها 302 مليون شيكل إسرائيلي.
ووضع مجموعة من مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تهدف إلى ترسيخ سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية منها، بناء شريان مروري رئيسي يربط منطقة بنيامين في الضفة الغربية بمنطقة تل أبيب الكبرى، والذي بدأ العمل فيه فبراير 2026 بشكل فعلي، وفقا لخبر حول بداية هذا الطريق المروري نشر في صحيفة تايمز أوف إسرائيل.
ويزيد طول الطرق التي تم شقها ضمن مشاريع البنية التحتية عن 114 كيلومتراً، لتوسيع المستوطنات، ومنع وصول الفلسطينيين، وإنشاء بؤر استيطانية جديدة، والسيطرة على أراضٍ إضافية.
ووفقا للخطط الموضوعة للتوسع السريع، توصلت وزارة المالية إلى اتفاق مع وزارة النقل بشأن خطة خمسية بقيمة 7 مليارات شيكل لإنشاء طرق بين المدن في المستوطنات.
وفي عام 2024، تم إحراز تقدم في إنشاء العديد من الطرق المعتمدة، بهدف توسيع المستوطنات بشكل ملحوظ وزيادة عدد المستوطنين، وتشمل هذه المشاريع أعمال البنية التحتية على الطريق السريع 60 بين القدس وغوش عتصيون، والطريق السريع 437 بين القدس ومنطقة شعار بنيامين الصناعية، وإنشاء نفق الشيخ عنبار أسفل حي الطور في القدس الشرقية كجزء من الطريق الدائري الشرقي، أيضا طريق وصول جديد إلى مستوطنة بيت أرييه، وصدرت أوامر نزع ملكية الأراضي لتطوير وتوسيع الطرق.
وفي الصورة أدناه يظهر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ورئيس "المجلس الإقليمي بنيامين" إسرائيل جانز يُعجبان بخطط إنشاء طريق سريع جديد يربط مستوطنات الضفة الغربية بوسط إسرائيل، وأُلتقطت الصورة في فبراير 2026.

طريق سريع جديد يربط مستوطنات الضفة الغربية بوسط إسرائيل (المصدر المجلس الإقليمي بنيامين)
-عنف بالتوازي مع التوسع
بتتبع منشورات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، الذي يصدر تحديثا مرتين أسبوعيا حول الأوضاع الإنسانية في فلسطين ككل، نُشر بتاريخ 2 أبريل، تقرير ذكر في مقدمته أن "لا تزال أعمال العنف والسياسات والممارسات القسرية في الضفة الغربية، منها القدس الشرقية، مرتفعة، مما يتسبب في وقوع ضحايا وأضرار ونزوح إضافي".
وأشار التقرير إلى وجود زيادة في النزوح المرتبط بعنف المستوطنين وقيود الوصول بشكل حاد منذ بداية عام 2026، حيث نزح أكثر من 1700 فلسطيني، متجاوزًا بذلك إجمالي عدد النازحين خلال السنوات الثلاث الماضية.
ووفقا لتقارير المكتب، فقد نزح منذ عام 2023 أكثر من 5600 شخص في مختلف أنحاء الضفة الغربية في هذا السياق، من بينها 38 تجمعًا سكنيًا أُخليت بالكامل من سكانها.
وأشار التقرير الحقوقي، إلى أنه منذ بداية عام 2026 فقط استشهد 33 فلسطينياً، بينهم 7 أطفال، على يد القوات الإسرائيلية - المستوطنين، منهم 24 على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، و8 على يد المستوطنين، وحالة واحدة لم يُعرف بعد ما إذا كان قد استشهد على يد القوات الإسرائيلية أم المستوطنين.

عدد من البؤر الاستيطانية (المصدر: منظمة السلام الآن)
يظهر من هذا الرصد أن إسرائيل بالتوازي مع قصفها للبنان وقطاع غزة، وحربها مع إيران، لا تتوانى عن تحقيق أهدافها في الداخل، بل على العكس تستغل حالة الدعم غير المشروط من الولايات المتحدة، والشراسة التي تتعامل بها، لكي تزيد من ضغط المستوطنين على الفلسطينيين للنزوح وترك أراضيهم، وتوسيع الرقع الاستيطانية في أكبر قدر من الأماكن.
ومن الواضح أن حالة الشره نحو التوسع المصابة بها حكومة نتنياهو لن يقتصر مشروعها التوسعي الإقليمي على الضفة الغربية فحسب، ففي حفل افتتاح مستوطنة ماعوز تسور، وصرّح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأن توسيع الحدود سوف يشمل أيضاً غزة ولبنان وسوريا.