يتوجه التركيز دائما إلى الربط بين الطفولة وطبيعة تكوين شخصية الإنسان وتعاملاته في مواقف وظروف الحياة المختلفة، ولا أحد ينكر أن البيئات والبيوت الصحية تنتج شخصيات إيجابية داعمة للمجتمع، لكن على الجانب الآخر يواجه كثيرون قسوة وعنفا خلال فترة التربية في الطفولة، ينتج عنهما نتائج سلبية تصل إلى التأثير على القرارات المصيرية.
لذلك نستعرض خلال هذا التقرير حقيقة ما إذا كان العنف الذي يتعرض له الطفل يمكن أن ينتقل من جيل إلى آخر؟؛ وذلك من خلال الاستعانة بالدكتورة بسمة سليم، أخصائي علم النفس الإكلينيكي وتعديل السلوك.
كيف تنتقل القسوة بين الأجيال؟
توضح الدكتورة بسمة، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، أن بعض الأبناء قد يكررون بالفعل أنماط العنف التي تعرضوا لها في طفولتهم، وخاصة إذا نشأوا في بيئة تعتبر القسوة فيها أمرا طبيعيا في التربية، مشيرة إلى أن الطفل يتعلم من خلال الملاحظة والتقليد في سنواته الأولى، لذلك فإن تعرضه المستمر للعنف أو الإهانة يجعله يعتاد على هذا الشكل من التعامل، والأخطر أنه قد يعتبره الطريقة الطبيعية لإدارة الخلافات أو تربية الأبناء في المستقبل.
وتشير إلى أن الأفكار التي يتم تداولها حول "كلنا اتربينا بالضرب وطلعنا كويسين" ليست دقيقة نفسيا، لأنه ينتج عن هذا الأمر أن كثيرا من الأشخاص قد يحملون آثارا نفسية مكبوتة نتيجة ما تعرضوا له، حتى إن لم يدركوا ذلك بشكل واضح.
وتضيف أن بعض الأشخاص يمكن أن يعيدوا إنتاج نفس الأسلوب مع أبنائهم باعتباره النموذج الوحيد الذي يعرفونه، وهو ما يندرج تحت ما يسمى في الطب النفسي بـ"الإرث القهري"، بمعنى تأثير وانتقال وتوارث أنماط وسلوكيات مؤذية عبر الأجيال.
لكنها تؤكد في المقابل أن هناك أشخاصا ينجحون في كسر هذه الدائرة عندما يدركون أن ما تعرضوا له لم يكن صحيا، ويحاولون تربية أبنائهم بطريقة مختلفة عما اعتادوا عليه، وبطريقة تقوم على الحوار والتواصل الإيجابي.
نظرة الطفل للعنف داخل المنزل
وتوضح بسمة أن الطفل غالبا لا يمتلك معايير كافية للحكم على ما يراه، لذلك قد يعتبر العنف أمرا طبيعيا، خصوصا إذا تكرر أمامه بشكل مستمر فيما يعرف بـ"التطبيع مع العنف".
وتتابع أن انتقال العنف من جيل إلى آخر يرتبط بعدة عوامل، من أبرزها التعلم بالملاحظة، والكبت النفسي الناتج عن الصدمات، وعدم القدرة على التعبير الصحي عن المشاعر، فضلا عن ضعف التحكم في الانفعالات وسرعة الغضب.
كما توضح أن العنف الجسدي والإهانة أو الإهمال النفسي، جميعها تترك لدى الطفل آثارا نفسية وسلوكية متنوعة حتى وإن اختلفت طرق ظهورها، حيث قد يصبح الطفل الذي يتعرض للضرب عدوانيا أو فاقدا للثقة بنفسه، بينما قد يعاني آخرون من الانطواء والشعور بالخوف والخذلان.
من بيت قاسٍ وعنيف إلى علاقات مؤذية
وتشير الأخصائية النفسية إلى أن الإهمال النفسي قد يدفع بعض الأطفال إلى محاولات من أجل لفت الانتباه بطرق مختلفة، مثل الكذب أو السرقة أو ادعاء أشياء غير حقيقية نتيجة شعورهم بعدم الحب أو الأمان أو الاهتمام.
وتضيف أن التعرض المستمر للقسوة كذلك قد يؤدي إلى ظهور اضطرابات سلوكية ونفسية لدى الأطفال، مثل التبول اللا إرادي، وقضم الأظافر، ومص الأصابع، والتي تعتبر من السلوكيات التي قد تعكس حالة من التوتر والخوف والرجوع النفسي لمرحلة عمرية أصغر نتيجة الضغوط العنيفة، فيما تسمى بحالة النكوص لمرحلة الطفولة المبكرة.
كما تؤكد أن الأطفال الذين نشأوا في بيئة قاسية أو عدوانية يصبحون أكثر عُرضة للدخول في علاقات مؤذية لاحقا، لأنهم يعتادون فكرة التنازل عن حقوقهم والخوف من التعبير عن أنفسهم تجنبا للعقاب أو الرفض.
وتوضح كذلك أن الطفولة القاسية تؤثر على طريقة التعبير عن الغضب والمشاعر، فقد يتحول بعض الأشخاص إلى شخصيات شديدة الكتمان والخوف، أو قد ينفجر آخرون بصورة عدوانية نتيجة تراكم المشاعر المكبوتة.
العوامل التي تساعد على كسر دائرة العنف
وتشدد على أهمية الوعي بالمشكلة ومحاولة بناء علاقات صحية وآمنة، واللجوء إلى متخصص نفسي إذا كانت آثار الطفولة لا تزال تؤثر على الشخص بشكل واضح.
كما تؤكد على أن التربية السليمة تعتمد على الاستماع للطفل، وفهم مشاعره ووضع حدود واضحة وثابتة للسلوك، مع استخدام التعزيز الإيجابي وتشجيع السلوك الصحيح بدلا من العقاب البدني أو الإهانة.
وتتابع بوجود بدائل صحية بدلا من العقاب العنيف، فمن الممكن استبدال الضرب بحرمان الطفل مؤقتا من بعض الامتيازات بطريقة تربوية هادئة، بدون اللجوء إلى التخويف أو الترهيب حتى لا يتحول العنف إلى نمط متكرر في حياته المستقبلية.
وتختتم حديثها بتوجيه رسالة إلى الآباء والأمهات مفادها أنهم لا بد أن يكونوا مصدر الأمان والثقة للطفل الذي يحتاج أن يشعر بالأمان داخل بيته، وألا يكونوا مصدر الخوف والترهيب له، وتنصح كذلك باتباع طرق التربية الرحيمة القائمة على الاحتواء بعيدا عن العنف والقسوة.