«جيد بما يكفي».. الكفاح الإنساني ضد النسيان والسعي لتخليد الذكريات - بوابة الشروق
الأربعاء 8 يوليه 2026 12:06 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر والأرجنتين؟

«جيد بما يكفي».. الكفاح الإنساني ضد النسيان والسعي لتخليد الذكريات

أسماء سعد
نشر في: الجمعة 12 أغسطس 2022 - 7:13 م | آخر تحديث: الجمعة 12 أغسطس 2022 - 7:13 م

رحلة ثرية لحاتم حافظ داخل رأس كاتب رومانسي بلغ المائة عام

«تدفق سردى، يسبر أغوار النفس البشرية، مستعينا بخيال جامح وإيقاع سريع، منح النص رونقا خاصا»، هكذا تترسخ الانطباعات سريعا عند مطالعة أحدث أعمال الكاتب والروائى حاتم حافظ «جيد بما يكفى» والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، التى يأخذنا فيها المؤلف إلى جولة غنية داخل رأس رجل أتم عامه المائة.
الرواية التى تشكل قوامها ذكريات هادرة تجاهد من أجل مكافحة ثقوب الذاكرة وأعطالها؛ حيث استطاع حافظ عبر رواية تنتمى بامتياز إلى تيار الوعى أن يقوم باستدعاء الماضى لرجل عاش قرنا كاملا، ومحاولة اكتشاف ميراثه من الذكريات والشخصيات التى لعبت أدوارا محورية طوال تلك السنوات وأثرها عليه.
بطل الرواية الذى لم يكن شخصا عاديا، وإنما كاتب روايات عاطفية، بلغ من العمر مائة عام دون أن يمرض، يقف بإصرار فى مواجهة أمواج ذاكرته المعطوبة، يراوغها تارة فيتذكر الأب الذى لم يكن قاسيا أو فظا رغم أنه كان سكيرا ولكن حنونا فى الوقت نفسه، يتحرر من عثراتها فيتذكر أمه التى كانت تعانى من اعتلال الذاكرة أيضا، فى تماسك بديع للخط السردى والدفع بالجمل القصيرة التى لها قدرة غير عادية على أن تحافظ على شغف القارئ من نقطة الانطلاق والبداية وحتى النهاية.
يجيد الروائى حاتم حافظ التقاط التفاصيل والتعبير عنها ببراعة، تجده يصف لك تعبيرات وجه عجوز سبعينى، يضع القارئ فى حالة تركيز على ألوان العيون ودلالات نظراتها، أجسام النساء، الحب المكتوم، التجاعيد حول الفم، أشكال الخذلان المختلفة، علاقة الحب بالكتابة والحياة، لتجد نفسك أمام رواية تتحدث عن أن ميزة البشر فى أنهم قاموا بتطوير «التعاطف»، فرغم كون الرواية ليست عاطفية إلا أنها أجادت فى التعبير عن أهمية «التعاطف» بالنسبة للبشر، باستخدام أكبر قدر من التفاصيل المتوارية التى يتم التقاطها بحس مرهف فى «جيد بما يكفى».
«فى رسالتها ذكرت أغنية صافينى مرة. كانت تريدنى أن أصافيها مرة وأن أجافيهـا مـرة، لكنهـا كانت تريدنى ألا أنساها بالمرة. لكنى نسيتها، ونسيت رسالتها، كان تاريخا معرضا للنسيان، لا أحد يمكنه أن يحتفل بتاريخ منسى، هى الآن ميتة، ميتة كالأخريات، لعلهـا ذكرتنى قبـل موتها، بينما كانت تلفظ أنفاسها ماتت شاعرة بالإهمال، لأن شخصا لم يرد على رسالتها، لم يهتـم، كان مفعما بالتذكر فلم يهتم بتاريخ للنسيان، كان أبناؤهـا قـد أهملوها لم يكن أحدهـم يزورها، ربما ماتت فى شقتها وحيدة، أو فى دار للمسنين، أو بينما تستند على ذراع شخص غريب لتصعد الرصيف، أو وهى جالسة وحدها فى مقهى قديم».
الرواية التى بدأت بإهداء لافت، قدمه الكاتب حاتم حافظ إلى ابتسامة زوجته الرحلة ايمان خيرى شلبى، تمضى لتترك القارئ فى رحلة يشعر بها جيدا داخل عقل رجل عاش قرنا كاملا، فى تجسيد كامل لتوظيف «تيار الوعى» فى أفضل أشكاله وأبهى صوره، بسلاسة وبساطة منحت النص جاذبية لا تقاوم، فعند استدعاء الماضى واقتحام الذاكرة يجب أن يغلف النص «حنين» يليق بالذكريات المبعثرة.
وقد استعان الكاتب بجمل وعبارات ووعاء لغوى تراوح كثيرا حسب احتياجات البطل ومن حوله، فتارة نجد اللغة رصينة تحتشد بالحكم والإشارات الفلسفية لبطل الرواية كاتب الروايات العاطفية، وتارة نجدها تتعمد أن تكون «ضبابية وغير واثقة» فقط للإيحاء بالحالة العقلية المتهاوية للبطل الذى بات ينسى أنه ينسى.
تضافرت نقاط التميز من الحبكة للسرد للغة السلسة للأسلوب الأدبى، لتخلق لنا نصا تعامل مع الأحلام والذكريات، لم يكن به حوارات فى مواضع عديدة، إلا أنه حوار داخلى بامتياز بين البطل ونفسه، فيما مر من حياته، يسرد ويحلل فيها أحداث أشبه بمحطات مر بها جميعا، كما أن الحوار الحتامى بين البطل والخادمة يستطيع أن ينقلنا مباشرة إلى «جوهر» المخاوف وبواعث القلق لدى البطل من اندثار سيرته وتلاشى ذكره فلا يتذكر أحد من سبقوه فى الرحيل، أمه وأخته وأبيه، فاستعان بالتدوين ومجابهة أعطال الذاكرة لكى يمنحهم حيوات إضافية.
«فى الصباح خرج من غرفته وعلى وجهه تعبير شخص فُجع لتوه، لـم يـفـهـم أبى مـا حدث إلا بعد أن استفاق. خـرج من غرفتـه مكروبا، كما لو أنه فوت مراسم دفن ابنته، كانت أمى تبكى فى صمت، كانت جالسة على كنبتها، خرج أبى وحدق فى وجهها قبـل أن يرتمى على قدميها ليقبلهما، شعر أبى كأنه قتل ابنته. كأنه تسبب فى موتها، كان موت أختى صدفة غادرة لكن أبى حمل نفسه مسئولية هذا الغدر، حين اكتشف موت أختى خرج للشـرفة وصرخ غاضبا، كان يسأل لمـاذا غدر به، كان موجوعا كما لو أنه تلقى طعنة فى ظهره».
تضعنا الرواية فى مواجهة مأزق لطالما كان يؤرق العديد من البشر، وهو الخوف من فقدان الذاكرة وماتحمله من ذكريات، فعند تهاوى الذاكرة يفقد الإنسان الكثير من كينونته، تتسرب منه التواريخ وتهرب الأسماء وتتداعى أمامه الصور والمشاعر دون أن يملك أدنى قدرها على التقاطها أو تمييز أصحابها، متاهة يخشاها البعض ويستعينون على مواجهتها عبر «الكتابة والتدوين» والإصرار على التذكر سواء الشفهى أو على الورق، فلا يتركون فرصة لتسلل برودة اعتلال الذاكرة وتيبس الدماغ إلى حياتهم، يكتبون مخافة النسيان، وهو مايتورط فيه القارئ مع بطل الرواية.
نلمس ذلك فى أن بطل العمل، الكاتب الرومانسى، يعيش وحيدا، فقد كان يخشى دائما من أن يموت دون أن يدرى به أحد؛ لذلك تحايل على الأمر بالتواطؤ، متصارعا مع أحداث تظهرها الذاكرة فجأة ولا يذكر تفاصيلها كاملة.. لكنه لم ينس أبدا أن ينام مبكرا؛ ليكون مستعدا فى الصباح لكتابة يمكنها أن تمنح الآخرين أملا لمواصلة الحياة.
يشبه عنوان الرواية الحالة الشعورية التى غلفت عالم بطلها صاحب المائة عام، «جيد بما يكفى»، عكست اليحاة التى عاشها البطل، والذى لم يتزوج فلم يصل فى أى علاقة له بالأنثى إلى حد الكمال، ونجد ذلك فى سؤال الخادمة له عن حاله، ليجيب بأنه «جيد بما يكفى»؛ حيث تتشابك جميع الظروف والمعطيات لتصل بنا إلى شخص عاش حياة طويلة واستثنائية ولكنه أخذ منها مايكفيه للعيش ولم يتطلع إلى المزيد.
تترك الرواية أثرا كبيرا فى النفس، خاصة أنها تغوص داخل النفس البشرية؛ لتستخرج منها ذكريات هادرة، متحدية أعطال الذاكرة التى تصيب شخصا أتمّ عامه المائة، ووصل لهذه السن دون أن يمرض، ولأنه ليس شخصا عاديا، بل هو كاتب روايات عاطفية، فأمواج ذاكرته المعطوبة، تبدو مراوغة، فهو يذكر أمّه التى كانت تعانى من اعتلال ذاكرتها أيضا؛ ولكنه لا يذكر إن كان قد استأصل زائدته الدودية فى سن العاشرة أم فى سن الأربعين.
يشار إلى أن مؤلف الرواية، حاتم حافظ هو روائى وأكاديمى، يبرع أيضا فى كتابة المسرح والسيناريو والنقد الثقافى، أصدر عددا من الأعمال الروائية والقصصية والفكرية التى حازت التفاتا نقديًا ملحوظا، منها «كقطة تعبر الطريق»، «بسكويت وعسل أسود»، «لأن الأشياء تحدث»، «موسيقى لليلة قصيرة»، «إسلام أم إسلاميات.. قراءة فى الخطاب الدينى المعاصر».
كتب حاتم حافظ عديد الأعمال الدرامية الناجحة، منها «استيفا» و«الشارع اللى ورانا»، تُرجمت نصوصه إلى أكثر من لغة كما قدمت عروضه المسرحية فى أكثر من بلد أوروبى منها ألمانيا وفرنسا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك