على الرغم من غياب العلم رسميا.. أعلام فلسطين وأصوات غزة ترتفع في مهرجان فنيسيا - بوابة الشروق
السبت 12 سبتمبر 2026 3:43 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

على الرغم من غياب العلم رسميا.. أعلام فلسطين وأصوات غزة ترتفع في مهرجان فنيسيا

الشيماء أحمد فاروق
نشر في: السبت 12 سبتمبر 2026 - 2:41 م | آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2026 - 2:41 م

يستمر اسم قطاع غزة في السيطرة على عناوين الأخبار الرئيسية في الصحف ووكالات الأنباء العالمية، يوما تلو الآخر، ليس فقط بالأحداث المفجعة التي تقع بسبب مجازر الاحتلال، وإنما أيضا بما يفرضه القطاع المحاصر من حضور في مهرجانات العالم السينمائية، وأحدثها مهرجان فنيسيا، الذي صار التصفيق فيه للأفلام التي تتناول الأوضاع بالقطاع أمراً معتادا.

وتسيطر حالة من الجدل والنقاشات حول الأفلام الفلسطينية والتي تتناول الأوضاع في فلسطين على أجواء مهرجان فنيسيا السينمائي في دورته 83، وكأن المهرجان العريق أصبح مرتبطا بأصوات الفلسطينيين، ويصبح أكثر بريقا ويتفاعل معه الملايين على منصات التواصل الاجتماعي بعد عرض الأفلام الفلسطينية.

ولم يكن هذا الحضور الفلسطيني عابرًا أو مرتبطًا بفيلم واحد، إذ شهدت الدورة الـ83 من مهرجان فنيسيا مشاركة فيلمين فلسطينيين في البرنامج السينمائي الرسمي، هما المواطن أسامة للمخرج أحمد حسونة، وحوار مع البحر للمخرج مؤيد عليان، إلى جانب أعمال أخرى تناولت فلسطين ضمن برامج المهرجان المختلفة.

في المواطن أسامة، ينتقل المتفرج مباشرة إلى قلب الحياة اليومية في غزة المحاصرة، من خلال قصة المصور الفلسطيني أسامة العشي، الذي يحاول حماية زوجته وطفله حديث الولادة، وفي الوقت نفسه يواصل توثيق الحرب والدمار من حوله. وعُرض الفيلم للمرة الأولى عالميًا في قسم Venice Open خارج المسابقة، في 5 سبتمبر، حيث لقي استقبالًا حافلًا من الجمهور، وصل إلى تصفيق حار استمر نحو 23 دقيقة، في مشهد عكس حجم التفاعل مع تجربة صانع الفيلم الذي يصور الحرب من داخل القطاع، بينما ظل هو نفسه غير قادر على مغادرته. كما اختير الفيلم لتمثيل فلسطين في سباق الأوسكار المقبل عن فئة أفضل فيلم دولي.

أما الفيلم الفلسطيني الثاني حوار مع البحر للمخرج مؤيد عليان، فيشارك ضمن قسم Venice Spotlight، ليواصل بدوره حضور السينما الفلسطينية في أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم.

حيث لا تظهر فلسطين في فنيسيا من خلال فيلم واحد أو زاوية واحدة، وإنما عبر تجارب سينمائية متعددة، بعضها يوثق الحياة تحت الحرب والحصار، وبعضها يطرح أسئلة أوسع حول الإنسان والذاكرة والبحر والمكان، في الوقت الذي بات فيه اسم غزة حاضرًا بقوة في النقاشات التي تحيط بالدورة الحالية.

لكن اللافت أن الحديث عن غزة لم يتوقف عند الأفلام الفلسطينية، بل امتد إلى أحد أكثر أفلام المسابقة إثارة للجدل هذا العام، وهو الفيلم الوثائقي NAZA، للمخرجين يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما المخرجان المشاركان في الفيلم الحائز على أوسكار «لا أرض أخرى».

وينافس فيلم نازا على الأسد الذهبي، وهو يعتمد على شهادات 24 من العاملين السابقين في أجهزة الاستخبارات وجيش الاحتلال الإسرائيلي، ويبحث في الآليات والأنظمة التي تقف وراء عمليات القصف في غزة، بما في ذلك استخدام أنظمة تكنولوجية وخوارزميات لتحديد الأهداف، وما يترتب على ذلك من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

ومنذ عرضه، تحول نازا إلى أحد أبرز أحداث المهرجان، بعدما حصل على تصفيق حار استمر نحو 25 دقيقة، في أطول موجة تصفيق تسجلها دورة هذا العام، وسط وقوف الجمهور وهتافات ورفع للأعلام الفلسطينية.

ولم يكن التصفيق وحده هو ما أثار الانتباه، إذ فتح الفيلم نقاشًا واسعًا حول ما ارتكبه الاحتلال في غزة، وحول قدرة السينما على كشف ما يجري خلف الأرقام والصور القادمة من مناطق الحرب.

وتزداد أهمية نازا في سياق هذا الحضور، لأنه لا يتحدث عن الحرب من موقع المراقب الخارجي، وإنما يحاول تفكيكها من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فالمخرجان، وكلاهما يحمل جنسية دولة الاحتلال، يقدمان شهادات لأشخاص شاركوا في المنظومة العسكرية والاستخباراتية، فيما يقولان إن هدفهما لم يكن البحث عن تجاوزات فردية ارتكبها جنود، وإنما الكشف عن الأنظمة والأوامر والسياسات والممارسات التي تجعل قتل المدنيين جزءًا من آلية الحرب. وقد وصف أبراهام مشاركته في صناعة الفيلم بأنها نوع من المسئولية تجاه استخدام موقعه كصحفي وصانع أفلام إسرائيلي لكشف هذه المنظومة.

وفي تصريحات أعقبت العرض، قال أبراهام إن الفيلم يختلف في نبرته عن «لا أرض أخرى»، موضحًا أن الفيلم السابق، رغم تناوله جرائم مروعة،  جاء «NAZA» أكثر قتامة، لأن صانعيه يرون أنفسهم في مكان شديد الظلام الآن. كما تحدث عن المفارقة التي تكشفها شهادات العاملين في الاستخبارات، إذ يعرف هؤلاء، بحسب روايات الفيلم، طبيعة الأماكن التي تستهدفها الضربات ووجود المدنيين والأطفال فيها، ومع ذلك تستمر الأوامر بتنفيذ الهجمات.

ولذلك يبدو أن التصفيق الذي حصدته الأفلام المرتبطة بغزة وفلسطين في فنيسيا هذا العام لا يمكن قراءته فقط باعتباره احتفاءً فنيًا بالأعمال المعروضة، بل باعتباره أيضًا جزءًا من حالة سياسية وإنسانية أوسع يعيشها المهرجان. فبينما يدخل «المواطن أسامة» إلى القاعة محملًا بصور الحياة اليومية تحت القصف والحصار، يأتي «NAZA» من الجهة الأخرى ليحاول تفكيك الآلة التي تنتج هذا الدمار، وبين العملين تقف السينما باعتبارها وسيلة لتوثيق ما يحدث، وطرح الأسئلة حول من يملك رواية الحرب، ومن يستطيع أن يجعل صوته مسموعًا أمام جمهور عالمي.

ولم يكن حضور غزة على شاشة فنيسيا وليد الدورة الحالية، إذ شهد المهرجان في دورته السابقة واحدة من أكثر اللحظات السينمائية تأثيرًا في تناول الحرب على القطاع، مع عرض فيلم صوت هند رجب للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي أعاد بناء الساعات الأخيرة في حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، مستندًا إلى التسجيلات الحقيقية لمكالمتها مع الهلال الأحمر الفلسطيني وهي عالقة داخل سيارة تحت القصف. وحصل الفيلم، الذي ترك الجمهور والصحفيين في حالة من التأثر والبكاء، على تصفيق حار استمر 23 دقيقة عقب عرضه الأول.

ولم يتوقف صدى الفيلم عند حدود التصفيق، إذ حصل صوت هند رجب في ختام الدورة الـ82 على جائزة الأسد الفضي، الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، ليصبح حضور غزة في فنيسيا جزءًا من المشهد التنافسي للمهرجان، وليس مجرد قضية إنسانية تحضر على هامش برامجه.

ورغم هذا الحضور الفلسطيني اللافت على شاشات فنيسيا، تظل المفارقة حاضرة في أروقة المهرجان؛ فعلم فلسطين لم يُرفع رسميًا على مبنى المهرجان، بعدما رفضت إدارة بينالي فنيسيا طلبًا تقدمت به مجموعة «Venice4Palestine» لرفع العلم طوال أيام الدورة، بحجة أن المؤسسة لا ترفع سوى أعلام الدول التي تعترف بها الحكومة الإيطالية، التي لا تعترف رسميًا بدولة فلسطين حتى الآن.

وقال المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربيرا إن الأمر يتعلق بموقف الدولة الإيطالية، وليس بإدارة المهرجان، مؤكدًا أن البينالي لا يتخذ مواقف سياسية مباشرة وإنما يعبر عن مواقفه من خلال الأفلام التي يختارها ومساحة الحوار التي يوفرها.

لكن غياب العلم الفلسطيني عن الواجهة الرسمية لم يمنع ظهوره داخل المهرجان بصورة أخرى، إذ حمله عشرات الحاضرين خلال عروض الأفلام المرتبطة بفلسطين وغزة، وظهر بين الجمهور وفي لحظات التصفيق والاحتفاء بالأعمال التي تناولت الحرب. وفي الوقت الذي غاب فيه العلم عن مبنى المهرجان بفعل الاعتبارات الرسمية، بدا حاضرًا في أيدي الجمهور، وكأن المتفرجين أنفسهم قرروا أن يمنحوا فلسطين حضورًا بصريًا لا تستطيع البروتوكولات الرسمية منحه.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك