كيف يؤثر اختفاء الأشجار على علاقتنا بالمكان والذاكرة؟ - بوابة الشروق
السبت 12 سبتمبر 2026 2:15 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

كيف يؤثر اختفاء الأشجار على علاقتنا بالمكان والذاكرة؟


نشر في: السبت 12 سبتمبر 2026 - 12:07 م | آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2026 - 12:08 م

أدهم السيد ودينا النجار ورنا عادل وسلمى محمد مراد ومحمد حسين

 

 تعتبر ذكريات الطفولة من أقوى ما يتذكره الإنسان وتظل صورها عالقة في الذاكرة لسنوات، ومن بينها صور المكان الذي عشنا فيه وانطلقنا منه حتى أنه إذا تم اقتلاع شجرة واحدة من هذا المكان، تقتلع معها ذكرى من الذكريات.

ويشهد على ذلك من حديث الإعلامية لميس الحديدي التي عبرت عن حزنها في برنامجها "الصورة" عقب رؤيتها لصور الأشجار المتقطعة التي يزيد عمرها عن 50 عاما بعد أن تمت إزالتها، قائلة: "خايفة أعدي على المكان اللي عشت فيه وأنا صغيرة ألاقيه أجرد بلا روح"، حيث تحول الشجر هنا إلى جزء من الذاكرة والهوية والشعور بالانتماء متجاوزا كونه مجرد مساحة جغرافية.

واسترجعت الحديدي بعض من تلك الذاكرة قائلة إن الشجر كان أول ما تراه من شرفة منزلها في طفولتها، وإنها كانت تعد السيارات والأشجار من الطابق السابع مع أطفال العمارة، لذلك تواصلت "الشروق" مع الدكتورة رحاب العوضي، أستاذ علم النفس السلوكي، لتوضيح تأثير اختفاء الغطاء النباتي على تعلق السكان بأحيائهم.

-حين يصبح المكان جزءًا من حياتنا


ترى أستاذ علم النفس أن المساحات الخضراء تُعد عنصرًا جماليًا في الشوارع والأحياء، إلى جانب ارتباطها بجودة البيئة المحيطة والحالة النفسية للسكان، مؤكدة أن التعامل مع الأشجار باعتبارها مجرد مظهر جمالي يتجاهل أدوارًا أخرى تؤديها في البيئة وفي حياة الناس اليومية.

وتوضح أن الأشجار تسهم في تحسين البيئة من خلال عمليات طبيعية مثل إنتاج الأكسجين وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب توفير الظل وإضافة عناصر طبيعية إلى البيئة الحضرية، وهي عوامل تجعل المساحات الخضراء جزءا من جودة الحياة اليومية.

ولا تتوقف العلاقة بين الإنسان والشجرة عند حدود الجانب البيئي، حيث تتحول الأشجار والمساحات الخضراء مع مرور الوقت إلى جزء من ذاكرة الإنسان وذكرياته المرتبطة بالمكان، مشيرة إلى أن الطفل الذي اعتاد رؤية والده يروي شجرة أمام المنزل أو جلس أسفلها مع أسرته قد يحتفظ بهذه التفاصيل في ذاكرته حتى بعد مرور سنوات، وتصبح الشجرة بمرور الوقت جزءًا من الصورة الذهنية التي يكونها الإنسان عن منزله وشارعه ومنطقته، وينطبق الأمر أيضا على التفاصيل الحسية المرتبطة بالمكان كما في الروائح والأصوات والمناظر.

ولفتت إلى أن هذه الروابط تظهر بصورة واضحة لدى بعض مرضى الزهايمر، حيث يمكن أحيانًا لرائحة مألوفة مرتبطة بالمنزل أو البيئة التي عاش فيها الشخص خلال طفولته أن تستدعي ذكريات قديمة وتزيد من تفاعله معها، وهنا تكمن أهمية ذاكرة المكان.

-لماذا نشعر بالحزن عندما تختفي شجرة؟


وتفسر العوضي ذلك بأنه يمكن أن يحزن الشخص على شجرة حتى لو لم يجلس تحتها أو يستفيد منها بشكل مباشر، وذلك لأن قيمتها مرتبطة عنده بما تمثله من استمرارية وذكريات وألفة، موضحة أنه عندما يرى الإنسان نباتًا أو شجرة عاشت لعشرات السنين ثم تتحول فجأة إلى ركام يمكن أن يكون ذلك بمثابة تجربة محبطة بالنسبة له خصوصًا عندما لا يفهم سبب إزالتها أو لا يرى نتيجة واضحة ومفيدة لهذا التغيير.

وتابعت، "كما يمكن أن يتأثر الإنسان بمشهد إزالة الأشجار من مكان آخر غير الذي تتواجد فيه وبعيدة عنه، لأنه يرى فيه صورة أوسع عن طريقة التعامل مع البيئة والأماكن التي يعيش فيها الناس".

-هل يتغير شعورنا بالمكان عندما يتغير المشهد؟


وتضيف الدكتورة رحاب، أن المكان الذي نعيش فيه يبقى في ذاكرتنا، وتتكون له صورة ذهنية من التفاصيل التي نراها يوميًا، وبالتالي فإن تغيير هذه التفاصيل بصورة كبيرة قد يجعل الإنسان يشعر بأن المكان الذي يعرفه لم يعد هو المكان نفسه.

ولفتت كذلك إلى أن اختفاء الأشجار القديمة يمكن أن يخلق لدى بعض السكان إحساسا بالاغتراب النفسي عن المكان وخصوصا إذا كانت الأشجار جزء أساسي من ذكرياتهم أو من المشهد الذي اعتادوا عليه لسنوات طويلة، ومع تكرار التغييرات التي يراها السكان بصورة سلبية يمكن أن يتزايد لديهم الإحباط، وقد تبدأ أحاديث يومية أكثر سلبية حول مستقبل المكان إذا شعروا بأن ما كان يمنحهم البهجة والراحة أصبح معرضا للاختفاء.

وتؤكد أن هذا الشعور قد يمتد تدريجيا من الشارع إلى الحي والمجتمع الأوسع، وقد يؤثر في الإحساس بالانتماء بشكل متفاوت في التأثير ويختلف من شخص إلى آخر بحسب علاقته بالمكان وطبيعة التغيير الذي حدث فيه.

-المساحات الخضراء تدعم البيئة والنفسية


وتوضح المتخصصة النفسية أن وجود النباتات في البيئة اليومية يمكن أن يوفر للناس قدرا من الراحة والبهجة، حيث يتم استخدام الطبيعة والمساحات الخضراء في سياقات مختلفة لدعم الصحة النفسية والتخفيف من التوتر والقلق وتحسين الحالة المزاجية، مشيرة إلى أن الإنسان في حاجة ضرورية لوجود الأشجار حتى لو لم يكن يستفيد منها بشكل مباشر على المستوى المادي، ولكنها تفيده نفسيا فوجود منظر أخضر أو مساحة يمكن الاستراحة فيها أو شجرة توفر الظل يمكن أن يجعل البيئة اليومية أكثر راحة.

وتتابع أن تأثيرات قطع الأشجار يصاحبها عوامل وتغيرات بيئية تؤثر بدورها على جودة الحياة والصحة العامة، حيث ينتج عن اختفاء الأشجار زيادة تعرض السكان لعوامل بيئية أخرى مثل الحرارة وتلوث الهواء وعوادم السيارات.

-فقدان الأشجار يؤثر على الانتماء


وتختتم أستاذ علم النفس السلوكي حديثها محذرة من أنه يمكن أن يكون فقدان المساحات الخضراء أكثر من مجرد تغيير بصري بالنسبة لبعض السكان، وذلك لأنه قد تكون تلك الأشجار التي رافقتهم لسنوات جزءا من تاريخهم الشخصي والعائلي، وبالتالي تتولد مشاعر الإحباط لدى الشخص إذا تمت إزالتها بدون تفسير، وهذا الاحباط يمكن أن يولد انطباعا بأن الإهمال قد يكون سمة للمراحل المقبلة.

وبالتالي يصبح الحفاظ على الأشجار جزء من الحفاظ على علاقة الإنسان بالمكان، لأن ما يراه الإنسان يوميا ويتفاعل معه بمرور الوقت يمكن أن يتحول إلى جزء من هويته وذاكرته ودرجة شعوره بالانتماء.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك