الأطراف الباردة: شتاء قارس أم خلل فى الدورة الطرفية؟ - بوابة الشروق
السبت 14 مارس 2026 12:25 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

الأطراف الباردة: شتاء قارس أم خلل فى الدورة الطرفية؟

إعداد - ليلى إبراهيم شلبي
نشر في: الجمعة 13 مارس 2026 - 8:04 م | آخر تحديث: الجمعة 13 مارس 2026 - 8:05 م

يحتفظ الجسم بحرارته الداخلية فى مواجهة الظروف البيئية المحيطة به من خلال منظومة دقيقة من العمليات الحيوية المتشابكة، تبدأ بعلاقة الأعصاب الطرفية بشبكة الشرايين الدقيقة المنتشرة تحت الجلد، وتنتهى بمشاركة معظم أعضاء الجسم فى عمليات التمثيل الغذائى.

عند التعرض للبرد تتحفز الأعصاب الطرفية، فتنبه الشعيرات الدموية الدقيقة إلى الانقباض، مما يعيد توجيه تيار الدم بعيدًا عن الأطراف والجلد إلى شرايين أعمق داخل الجسم، وبذلك يحافظ الجسم على حرارته الداخلية على حساب برودة اليدين والقدمين.

أما فى الأجواء الحارة فيحدث العكس، إذ تتسع الأوعية الدموية الدقيقة تحت الجلد، فيزداد تدفق الدم إلى السطح، وتنشط المسام فيتكون العرق الذى يساعد على تبريد الجسم.

هذه المنظومة البيولوجية التلقائية لا ينتبه إليها الإنسان فى الظروف الطبيعية، لكنه يشعر بها عندما يختل إيقاعها فيما يُعرف باسم اضطراب راينود.

من الطبيعى أن تكون الأطراف هى الأكثر تأثرًا بالبرد، وقد يدفع ذلك البعض إلى ارتداء الجوارب أثناء النوم أو تدفئة الأصابع بالنفخ فيها. وإذا توقف الأمر عند حدود الإحساس المعتاد بالبرودة فلا يوجد ما يدعو للقلق، أما إذا أدت برودة بسيطة إلى تجمد الأطراف وتغير لونها إلى الأبيض ثم الأزرق مع الإحساس بالألم، فقد يشير ذلك إلى خلل فى الدورة الدموية الطرفية.

اضطراب راينود (Raynaud's syndrome)

هو اضطراب يصيب الشرايين الدقيقة، فيؤدى إلى انقباضها الشديد عند التعرض للبرد، مما يقلل تدفق الدم إلى الأطراف، فيتغير لون الجلد إلى الأبيض فورًا، ثم قد يتحول إلى الأزرق. وقد يحدث ذلك حتى مع التعرض لبرودة بسيطة، مثل فتح باب الثلاجة أو الدخول إلى مكان مكيف.

ويُلاحظ أن هذه الظاهرة أكثر شيوعًا لدى النساء، خاصة قبل سن الأربعين.

أعراض اضطراب راينود

تظهر الأعراض فجأة على هيئة إحساس شديد بالبرودة فى أطراف الأصابع، وغالبًا فى اليدين، وقد تمتد إلى أصابع القدمين، وأحيانًا إلى الأنف أو الأذنين أو الشفاه.

ويكون الإحساس بالبرد مؤلمًا، وقد يصاحبه تنميل أو وخز يشبه وخز الإبر، رغم أن التعرض للبرد يكون بسيطًا، مثل الانتقال من مكان دافئ إلى مكان مكيف.

ويتغير لون الأصابع سريعًا إلى الأبيض ثم الأزرق، قبل أن يعود اللون الطبيعى بعد تدفئة اليدين، سواء بارتداء قفازات أو وضعها فى ماء دافئ.

وفى بعض الحالات قد يكون اضطراب راينود مرتبطًا بأمراض أخرى، وهنا يُعرف باسم راينود الثانوى، ويكون أكثر خطورة، خاصة لدى من يعتمدون على العمل اليدوى أو الفنى، أو لدى المدخنين.

فالانقباض المستمر فى الأوعية الدموية قد يؤدى إلى ضعف وصول الدم إلى الجلد، مما قد يسبب تقرحات، وقد يتطور الأمر فى الحالات الشديدة إلى الغرغرينا، وهو ما قد يستلزم التدخل الجراحى.

ما سبب هذه الظاهرة؟

وُصفت هذه الحالة لأول مرة على يد طبيب فرنسى يُدعى راينود قبل أكثر من قرن، لكنه لم يتمكن من تحديد سبب واضح لها.

وحتى اليوم ما زال السبب الدقيق غير معروف، إذ يقتصر الأمر على وصف الظاهرة ومضاعفاتها، مع ترجيح وجود خلل فى استجابة الأوعية الدموية للأعصاب أو لعوامل المناعة، دون الوصول إلى تفسير قاطع.

تبدو الظاهرة أكثر شيوعًا بين السيدات مقارنة بالرجال بنسبة 5 : 1، كما قد تظهر بوضوح لدى مرضى بعض الأمراض التى تصيب أنسجة الأطراف، مثل الروماتويد المفصلى، والذئبة الحمراء، والسكليرودرما. وقد تسببها أيضًا بعض الأدوية، خاصة أدوية علاج ضغط الدم المرتفع، أو ما يُعرف بمركبات حاصرات بيتا.

كيف ولماذا تحدث؟

عند التعرض للبرد كأن شرايين الأطراف الدقيقة تتعرض لصدمة مفاجئة، فتنقبض بشدة وتظل منقبضة فترة من الوقت، مما يقلل وصول الدم إلى الجلد، فيبهت لونه حتى يميل إلى الأبيض. يندفع الدم إلى الأوعية العميقة، بينما يبقى الدم الموجود فى الشرايين المنقبضة فقيرًا فى الأكسجين، فيظهر اللون الأزرق. ومع مرور الوقت، وعندما يسارع الإنسان إلى تدفئة أطرافه، تعود الشرايين إلى الاتساع ويتدفق الدم من جديد، فتستعيد الأطراف لونها الطبيعى وحيويتها.

قد يبدو الأمر بسيطًا، لكن منظومة الحفاظ على درجة حرارة الجسم الداخلية شديدة التعقيد، إذ تتداخل فيها عوامل عصبية وهرمونية وكيميائية عديدة، لذلك لا يحدث اضطراب راينود بسبب البرد فقط، بل قد يظهر أيضًا مع الانفعال العاطفى أو التوتر، وهو ما يُلاحظ بصورة أوضح لدى السيدات.

ويُلاحظ كذلك أن اضطراب راينود قد يتكرر فى عائلات بعينها، إذ تظهر الأعراض لدى أكثر من فرد فى الأسرة، مما يشير إلى احتمال وجود عامل وراثى، وإن لم يُثبت ذلك بصورة قاطعة حتى الآن.

هل برودة الأطراف تعكس دائمًا خللًا فى الدورة الدموية؟

برودة الأطراف فى الشتاء ظاهرة طبيعية فى أغلب الأحيان، لكن إذا كانت شديدة أو متكررة بصورة تثير القلق، فينبغى إجراء فحص طبى. ويجب ملاحظة أن اضطراب راينود يتميز بحدوث تغير فى لون الأطراف عند التعرض للبرد أو عند الانفعال العاطفى.

ويُعد الفحص المجهرى للشعيرات الدموية فى قاعدة الأظافر من الوسائل المهمة فى التشخيص، إذ يساعد على التفرقة بين راينود الأولي، الذى يقتصر على الأعراض فقط، وراينود الثانوى، الذى يكون مصحوبًا بمرض آخر. وتحدد نتيجة الفحص خطة العلاج أو الحاجة إلى فحوص إضافية للكشف عن سبب خفى.

هل من وقاية؟

الوقاية تعتمد أساسًا على التدفئة وتجنب التعرض للبرد بكل الوسائل الممكنة.

ارتداء القفازات الصوفية حتى داخل المنزل، وتغطية الرأس والرقبة عند الخروج، وارتداء أحذية مبطنة، كلها وسائل تساعد على الحفاظ على دفء الجسم وتقلل من حدوث النوبات.

يُفضل أيضًا تجنب العوامل التى قد تحفز حدوث النوبات، مثل التواجد فى أماكن يكثر فيها التدخين، لأن النيكوتين يسبب انقباض الأوعية الدموية.

كما يجب مراجعة الأدوية التى يتناولها المريض، خاصة أدوية علاج ارتفاع ضغط الدم، لأن بعض أنواعها قد تؤدى إلى انقباض الأوعية الطرفية.

ومن العوامل التى تزيد من انقباض الشرايين الإفراط فى تناول المشروبات التى تحتوى على الكافيين، مثل القهوة والشاى والمشروبات الغازية، وقد لوحظ تحسن واضح فى بعض الحالات بعد تقليلها أو الامتناع عنها.

وعند حدوث النوبة يُنصح بالحركة وعدم الاستسلام للبرودة، مع تدفئة الأصابع بفركها برفق أو وضعها تحت الملابس الصوفية، ويمكن تمرير ماء دافئ عليها، على ألا يكون ساخنًا.

كما أن وسائل الاسترخاء، مثل التنفس العميق والتأمل، تساعد على تقليل القلق والتوتر النفسى، وهو ما ينعكس إيجابيًا على انتظام الدورة الدموية. وقد أثبتت الدراسات أن هذه الأساليب ليست رفاهية، بل لها تأثير حقيقى فى تقليل الأعراض الجسدية المرتبطة بالتوتر.

وتفيد التمارين الرياضية، خاصة تمارين الشد والإرخاء، فى تحسين الدورة الدموية فى الأطراف.

والبحث عن الدفء والحفاظ على الحركة يجعل الشتاء فصلًا للنشاط، فالدِّفء فى الحركة، بينما يشتد الإحساس بالبرد مع السكون.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك