- بعيدا عن مشاهد القصف .. الفيلم يرصد يوميات البقاء تحت الحرب ويوثق الحياة كآخر أشكال المقاومة
فى قسم «وجهات نظر» بالدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائى الدولى، برز فيلم «وقائع زمن الحصار» (Chronicles from the Siege) للمخرج الفلسطينى السورى عبدالله الخطيب كواحد من أكثر الأعمال صدقا وتجردا من الخطاب السينمائى التقليدى.
فالفيلم لا يقدم الحصار بوصفه موضوعا دراميا، بل تجربة معيشة، ويبدو أقرب إلى يوميات إنسانية مصورة منها إلى فيلم روائى أو وثائقى بالمعنى المعتاد.
الخطيب لا يقف خلف الكاميرا كمراقب محايد؛ بل هو أحد سكان المكان، شاهد وراوٍ فى الوقت نفسه، ولذلك نشاهد المدينة لا كما تُصور فى نشرات الأخبار، بل كما تُرى من نافذة بيت.
الحرب خارج الكادر لكنها تملأ الصورة فنحن لا نرى المعارك فعليا على الشاشة، ومع ذلك، فإن الحرب حاضرة فى كل لقطة، فى انقطاع الكهرباء، فى الخبز القليل، فى الوجوه المرهقة، فى نقص الرعاية الطبية، فى أحاديث قصيرة تنتهى بصمت.
شاهدنا مجموعة من الناس العاديين فقدوا توازنهم بعد حصار مدينتهم، ويجد كل فرد منهم نفسه مضطرًا لاتخاذ خيارات مستحيلة للبقاء على قيد الحياة بمنطقة الحرب، والجسد والعقل كلاهما منهك، وعليهم تحمل الجوع، ونقص الرعاية الطبية، والقناصة، وانفجار القنابل، بينما يحاولون مواصلة حياتهم ويتوقون إلى الصداقة، والحب، والحميمية، أو حتى سيجارة، ويتجسد الأثر النفسى للحصار فى الكلمات التى كتبتها إحدى الشخصيات على باب منزلها: «لا أستطيع تخيل حياتى بعد الحصار.. ولا أستطيع تخيل انتهاء الحصار بعد موتى».
يتعمد المخرج إبعاد العنف المباشر عن الشاشة، وكأن الفيلم يقول إن الحصار لا يُختزل فى القصف، بل فى الزمن الذى يتآكل ببطء، والناس يعيشون فى حالة انتظار دائم؛ انتظار الطعام، انتظار الضوء، انتظار خبر قد لا يصل، ليتحول الحصار من حدث عسكرى إلى حالة نفسية جماعية.
أحد أهم أبعاد الفيلم أن التصوير نفسه يصبح فعل مقاومة، فالكاميرا ليست أداة فنية فقط، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة، والشخصيات تتحدث، تضحك أحيانا، تحاول ممارسة حياة عادية، وكأنها ترفض أن تتحول إلى مجرد أرقام فى نشرات الأخبار.
المخرج لا يبحث عن مشاهد مؤثرة قسرا، بل يترك اللحظات الصغيرة تكشف المأساة، بل يرصد لقطات أكثر عمقا، مثل طفل يلهو فى مساحة ضيقة، أم تحاول الطهو بما توفر، وجلسات ليلية على ضوء الشموع، وزوج ينهار لتلد زوجته بمستشفى مخيم بلا إمكانيات.
أسلوب الفيلم شديد البساطة، لقطات طويلة، كاميرا قريبة من الأشخاص، صوت محيطى أكثر من الموسيقى، وإيقاع بطىء متعمد، لكن هذا التقشف البصرى ليس فقرا فنيا، بل اختيار واعٍ، فالإبهار البصرى كان سيبدو زائفا أمام واقع بهذه القسوة.
السماء الرمادية، الممرات الضيقة، الأبواب المغلقة، النوافذ كلها عناصر تتكرر لتؤكد فكرة واحدة، وهى أن المدينة تحولت إلى فضاء مغلق، والزمن داخلها يتحرك ببطء شديد.
لا يقدم الخطيب خطابا سياسيا مباشرا، ولا يحدد أطراف الصراع بوضوح، وهو ما يمنح الفيلم بعدا إنسانيا أوسع، فهو لا يناقش السياسة بقدر ما يكشف أثرها على البشر، والفيلم لا يسأل من المنتصر ومن المهزوم، بل ماذا يحدث للإنسان حين يفقد القدرة على التخطيط لغده، ولا يستطيع تحديد هوية يومه.
وهنا يقترب «وقائع زمن الحصار» من تقاليد السينما التى يفضلها مهرجان برلين، سينما الإنسان قبل الشعارات.
على مستوى الأداء التمثيلى، لا يعتمد الفيلم على ممثلين محترفين بالمعنى التقليدى، بل على أشخاص يعيشون التجربة نفسها؛ نديم الريماوى، سجى كيلانى، أحمد قنطار، أحمد زيتونى ، سامر بشارات، إيدير بن عيبوش، واسين فيدريش، ماريا زريق، عماد عزمى، نور سراج، وحياة أبو سمرة، وهو ما يمنح الفيلم صدقا، فالحوارات تبدو مرتجلة، والوجوه تحمل آثار الإرهاق الحقيقى لا الأداء المصنوع، لذلك لا نشاهد شخصيات «تؤدى» الخوف أو القلق، بل أناسا يعيشونه فعليا أمام الكاميرا.
ينجح عبدالله الخطيب فى إدارة الحضور الإنسانى أكثر من إدارة التمثيل، فالتعبيرات الصامتة، التردد فى الكلام، والضحكات القصيرة المفاجئة وسط التوتر، كلها لحظات تمنح الفيلم قوة تأثير أكبر من أى مشهد درامى مكتوب. وهكذا يصبح الأداء جزءًا من طبيعة المكان لا عنصرا منفصلا عنه، فيشعر المشاهد أنه لا يتابع فيلما بقدر ما يشاهد حياة تُسجل لحظة بلحظة.
وجود الفيلم فى قسم «وجهات نظر» يبدو طبيعيا، لأنه عمل شخصى بامتياز، فهو لا يحكى قصة، بل يقدم تجربة معيشة؛ تجربة تجعل المشاهد لا يشاهد الحصار فقط، بل يشعر بمرور الزمن داخله.
عند نهاية الفيلم لا تجد خاتمة حاسمة أو حل درامى، بل إحساس ثقيل بالاستمرار، فالحصار، كما يقترح الفيلم، لا ينتهى مع اللقطة الأخيرة، بل يبقى داخل الذاكرة.
«وقائع زمن الحصار» ليس فيلم حرب، بل فيلم عن الحياة حين تصبح مؤجلة.. إنه شهادة بصرية يحاول فيها عبدالله الخطيب أن يحفظ ما يمكن حفظه: الوجوه، الأصوات، التفاصيل الصغيرة، والإصرار الإنسانى على العيش رغم كل شىء، ففى النهاية، لا يصور الفيلم مدينة محاصرة فقط، بل يصور فكرة أعمق، أحيانا يكون توثيق الحياة نفسها هو آخر أشكال المقاومة.