حذر الكاتب الصحفي البريطاني مارتن وولف من تداعيات النزعة التجارية الجديدة "النيومركنتيلية" على الاقتصاد العالمي، داعيا صناع السياسات إلى الاستجابة لهذا التوجه بقدر أكبر من الخيال والابتكار.
وقال وولف في مقال بعنوان "الانتصار الخطير للنزعة التجارية الجديدة" نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية إن الصين حققت خلال 11 شهرا من عام 2025 فائضا تجاريا جمركيا تجاوز تريليون دولار، مضيفا أنه وفقا لبراد سيتسر الخبير الاقتصادي بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، فإن الفائض الإجمالي في تجارة السلع للصين خلال عام 2025 - إذا قيس بدقة - يقترب من رقم مذهل يبلغ 1.2 تريليون دولار أي نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وهو ما يزيد بأكثر من 1% على إجمالي الناتج المحلي لجميع الشركاء التجاريين لبكين.
** هوس ترامب بالعجز التجاري
وتابع وولف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصفه بالمهووس بالعجز التجاري الأمريكي - سواء الإجمالية أوبدرجة أكبر في السلع المصنعة -، رفع خلال الفترة نفسها تقريبا متوسط معدلات الرسوم الجمركية إلى نحو 14.4%، وهو أعلى مستوى منذ فترة وجيزة بعد الحرب العالمية الثانية.
وتساءل الكاتب البريطاني: لماذا تحقق الصين فوائض تجارية ضخمة إلى هذا الحد، ولماذا تتخلى الولايات المتحدة عن سياسات التجارة الليبرالية نسبيا التي اتبعتها طوال العقود الثمانية الماضية؟، مشيرا إلى أن الجواب هو عودة النزعة التجارية "المركنتيلية"، في إشارة لعودة السياسات الحمائية وتدخل الدولة لتعزيز الاقتصاد الوطني.
وأوضح وولف أن المركنتيلية هيمنت على التفكير الأوروبي في سياسات الاقتصاد الدولي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وأضاف أن الاعتقاد الجوهري لدى أنصارها تمثل في أن السياسة الاقتصادية الدولية في المقام الأول أداة من أدوات قوة الدولة.
وتابع: "بما أن القوة مفهوم نسبي على عكس الازدهار، فإن المركنتيليين ينظرون إلى الانخراط الاقتصادي الدولي باعتباره لعبة محصلتها صفر: ما تربحه أنت أخسره أنا. كما أنهم يقدسون الإنتاج المحلي، ويفضلون فوائض التجارة، ويؤيدون الحماية من الواردات.
ونوه بأن عالم الاقتصاد الشهير آدم سميث كتب كتابه "ثروة الأمم" في القرن الثامن عشر دفاعا عن التجارة الحرة، ومعارضة المركنتيلية.
** النيومركنتيلية المعاصرة
وأشار الكاتب البريطاني إلى أن المركنتيلية تعود إلى القرن السادس عشر على الأقل، وبما أننا في القرن الحادي والعشرين، فمن الأنسب أن نطلق على نسختها الراهنة اسم "النيومركنتيلية"، لتحل محل "النيوليبرالية" التي تبنت قبل عقود رؤية أقرب إلى أفكار سميث بشأن التجارة.
ومع ذلك، وكما يجادل الاقتصادي الكندي إريك هيلينر، فإن النيومركنتيلية المعاصرة تُحيي جزئيا أفكارا نيومركنتيلية سابقة، ولا سيما أفكار شخصيتين كان لهما تأثير كبير في القرن التاسع عشر وهما ألكسندر هاملتون، أول وزير للخزانة الأمريكية، وفريدريش ليست، المنظّر السياسي الألماني، حيث دافع كلاهما عن حماية الصناعات الناشئة.
** هل يتفكك الاقتصاد العالمي؟
واعتبر وولف أن انتصار النيومركنتيلية يثير قضيتين أساسيتين، الأولى تتعلق بالمسار الذي قد تقود إليه. فالبعض يرى أن العالم سيتجه إلى التفكك والانقسام، وهو أمر يبدو مرجحا. غير أن هذا التفكك لن يكون على الأرجح منظما أو واضح المعالم لأن مصالح القوى الكبرى متداخلة، فمن غير المحتمل، على سبيل المثال، أن تتخلى الولايات المتحدة ببساطة عن جنوب وشرق آسيا لصالح الصين.
كذلك في عصر المركنتيلية القديم، كان هناك اتفاق على أن الذهب يمثل شكلا محايدا سياسيا من النقود. أما اليوم، فإن نقود العالم - سواء أعجبنا ذلك أم لا- تتمثل في عملات وطنية ورقية، وفي مقدمتها الدولار، واستبداله سيكون عملية شديدة التعقيد والفوضوية. وأشار الكاتب إلى أن الاقتصاد العالمي المعاصر أكثر تكاملا، على معظم المستويات، من أي اقتصاد عالمي في العصور السابقة، وبالتالي، فإن تكلفة التفكك ستكون مرتفعة للغاية، ولا سيما على الدول الصغيرة والهشة.
** نحو معاهدة سلام بين أنصار النيومركنتيلية
أما السؤال الثاني، بحسب الكاتب البريطاني، فيتعلق بما إذا كان من الممكن إدارة هذا التفكك. وأوضح وولف أن هناك إجابة عقلانية متفائلة تتمثل في بناء نظام جديد يقوم على فكرة معاهدة سلام بين أنصار النيومركنتيلية.
وأضاف وولف أن ذلك قد يبدو مفاجئا، لكنه ليس تصورا جديدا فمثل هذه المعاهدة كانت عنصرا مهما في التسوية الليبرالية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي تعمل كل من الصين والولايات المتحدة في عهد ترامب على تقويضها.
وأوضح الكاتب البريطاني أن المبدأ الأساسي لمفاوضات التجارة في الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات) عام 1947 على التحرير المتبادل بتخفيض الحواجز أمام المُصدرين.
واختتم وولف مقاله بالقول إن النيومركنتيلية واقع قائم، لكنها تحتاج إلى إدارة حكيمة، داعيا صانعي السياسات للاستجابة لها بقدر أكبر من الخيال والابتكار.