المحلل الاستراتيجي هال براندز: أوكرانيا تدفع ثمن الانهيار الكارثي للاتحاد السوفيتي - بوابة الشروق
الإثنين 3 أكتوبر 2022 1:16 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مبادرة التبرع بأعضاء الجسد بعد الوفاة؟

المحلل الاستراتيجي هال براندز: أوكرانيا تدفع ثمن الانهيار الكارثي للاتحاد السوفيتي

د ب أ
نشر في: الجمعة 19 أغسطس 2022 - 2:54 م | آخر تحديث: الجمعة 19 أغسطس 2022 - 2:54 م

رغم مرور أكثر من 30 عاما على انهيار الاتحاد السوفيتي، ما زال العالم بشكل عام وجمهوريات الاتحاد السابق بشكل خاص تدفع ثمن هذا الانهيار الكارثي الذي احتفى به الغرب في حينه.

ولعل الحرب الشاملة التي تتعرض لها أوكرانيا حاليا من جانب روسيا مجرد مثال للثمن الذي ندفعه لتفكك الاتحاد السوفيتي واختفائه من الوجود على النحو الذي جرى.

ففي هذه الحرب يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى استعادة مكانة روسيا "كدولة عظمى" بتدمير  أوكرانيا المستقلة بحسب المحلل الاستراتيجي الأمريكي هال براندز في التحليل الذي نشرته وكالة بلومبرج للأنباء.

لذلك فالحرب الأوكرانية يمكن أن تكون جزءا من قصة أكبر لما يحدث عندما تتفكك الإمبراطوريات. فهذه الحرب هي أحدث وأسوأ الحروب التي نشبت في بقايا  الاتحاد السوفيتي السابق الذي استمرت آلام وفاته لأكثر من ثلاثين عاما، بعد اختفائه الفعلي من الوجود. ولن تكون هذه الحرب للأسف الأخيرة في هذا الجزء من العالم.

فقد شهد القرن العشرين انهيار أعظم إمبراطوريات أوراسيا والتي سيطرت في وقت من الأوقات على المسرح العالمي. دمرت الحرب العالمية الأولى إمبراطوريات روسيا والنمسا-المجر والإمبراطورية العثمانية والألمانية.  وأنهت الحرب العالمية الثانية الإمبراطوريات التي كانت تحكمها طوكيو وروما مرة أخرى برلين. وأنهت حركة القضاء على الاستعمار فيما بعد إمبراطوريات بريطانيا وفرنسا والبرتغال في آسيا وأفريقيا. ثم جاءت الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين لتقضي على الاتحاد السوفيتي الذي فقد في البداية مناطق نفوذه في أوروبا الشرقية ثم تفكك بعد ذلك إلى 15 جمهورية مستقلة.

ولكن الإمبراطوريات لا تموت سريعا، ويقول المؤرخ سيرهي بولخي  إن انهيار الإمبراطوريات "عملية وليست حدثا". وعندما تنهار  إمبراطورية  كانت محكومة بالحديد والنار، لا تتوقع قيام كيانات مستقلة جديدة بين ليلة وضحاها.

وتذكرنا التوترات المستمرة في دول البلقان والشرق الأوسط بأن إرث الإمبراطورية النمساوية المجرية  والإمبراطورية العثمانية ما زال حاضرا ومؤثرا حتى اليوم. كما أن العلاقات بين بريطانيا ومستعمراتها السابقة  تواصل تطورها.

ولما كان الاتحاد السوفيتي خضع لنظام حكم مستبد، فقد كان تفككه فوضويا. فقد أزالت نهاية الدولة السوفيتية هياكل كانت تقمع التوترات العرقية والصراعات القومية  بين مكونات الإمبراطورية. لذلك ظهرت الدول الجديدة مضطربة ومتقلبة سياسيا. وتخوض هذه الدول كفاحا مستمرا  بين الدولة التي سيطرت على الإمبراطورية، روسيا، والدول والشعوب التي تتطلع الآن إلى الإفلات من قبضة موسكو.

كانت النتيجة هي ما يسميها الباحثون "حروب الخلافة السوفيتية" وهي سلسلة من الصراعات الدامية من أجل السيطرة على مناطق ممتدة من أوروبا الشرقية حتى آسيا الوسطى. وخلال التسعينيات شملت الحروب حول مناطق ناجورني قرة باغ وترانسنستريا والشيشان وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وطاجيكستان وغالبا كانت تؤدي إلى تدخل الدول المجاورة ونشر قوات حفظ سلام دولية. بمعنى آخر فإن انهيار الاتحاد السوفيتي كان بمثابة زلزال جيوسياسي أدى إلى اضطراب النظام الدولي حتى اليوم.

ورغم الحروب الكثيرة التي شهدتها جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق على مدى الثلاثين عاما الماضية، تبقى الحرب الدائرة حاليا في أوكرانيا أعنفها وأخطرها من حيث تداعياتها. فالرئيس الروسي بوتين يستهدف القضاء على استقلال أوكرانيا المجاورة. ويمكن رصد جذور هذا الصراع في الطبيعة الاستبدادية المتزايدة لنظام حكم بوتين والتي تسمح له بأن يكون أكثر عدوانية، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى خلق اعداء خارجيين، بالإضافة إلى إثارة السؤال عما إذا كانت أوكرانيا ستنحاز إلى موسكو أم إلى الغرب.

كما يمكن القول إن كون أوكرانيا كانت من أوائل الجمهوريات التي أعلنت انفصالها عن الاتحاد السوفيتي في أواخر 1991 وبالتالي كان لها دورها المؤثر في تفكك الاتحاد، يجعلها وبصورة متوقعة في قلب جهود بوتين لإحياء الإمبراطورية الروسية واستعادة سيطرة موسكو على الدول المجاورة.

لكن الحرب لم تمض كما خطط بوتين. فأوكرانيا تدافع عن نفسها بطريقة مثيرة للإعجاب، وستواصل مقاومة الغزو الروسي ببسالة. وأدى سعي بوتين إلى القضاء على أوكرانيا لإحياء الإمبراطورية الروسية، إلى تسريع إعادة تشكيل القومية الأوكرانية. لكن دفع روسيا ثمنا باهظا لمغامرتها الفاشلة في أوكرانيا لا يعني أن حروب الخلافة السوفيتية انتهت.

وعندما ينتهي الصراع الروسي الأوكراني، فقد تصبح خطوط التقسيم الجديدة بين الدولتين العدوتين سببا لجولة أخرى من الصراع الحدودي بينهما في وقت لاحق.  وسواء كسبت روسيا الحرب أو خسرتها، فالنتيجة  ستؤدي إلى تغيير في ميزان القوى بين جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وربما تؤدي إلى تصاعد النزاعات القديمة مع مولدوفا أو جورجيا أو أي من الجمهوريات الأخرى.

وما زالت احتمالات تفجر العنف في جمهوريا آسيا الوسطى قوية، كما حدث في الاحتجاجات العنيفة ضد الحكومة في كازاخستان والتي شاركت روسيا في قمعها في وقت سابق من العام الحالي. كما لا يمكن استبعاد حدوث تغيير الحكومة أو انقلاب عسكري في بيلاروس، بسبب الغضب الشعبي الشديد من نظام حكم الرئيس ألكسندر لوكاشينكو.

وأخيرا نشير إلى تحذير نشرته إحدى الصحف الأمريكية في عام 1992 وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي من أن المشاكل التي سببها "تفتت أخر إمبراطورية عظمى ومسلحة نوويا في العالم" لم تبدأ بعد. وإذا كانت الحرب الباردة قد انتهت فإن العنف الممتد في مرحلة ما بعد موت الإمبراطورية سوف يستمر.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك