مياه التحلية بدل النيل بالمحافظات المطلة على البحر - بوابة الشروق
السبت 19 سبتمبر 2026 9:10 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

مياه التحلية بدل النيل بالمحافظات المطلة على البحر

مجدي أبو الفتوح
نشر في: السبت 19 سبتمبر 2026 - 8:22 م | آخر تحديث: السبت 19 سبتمبر 2026 - 8:22 م

• من جراكن مياه سانت كاترين إلى شبكات المنازل.. حكاية مياه الشرب في الطور
• تحلية 91.5 مليون متر مكعب يوميا والسعودية تتصدر والصين تلاحقها
• «الري»: التوسعات العمرانية الجديدة على السواحل تعتمد على التحلية
• «القابضة للمياه»: إنتاج 1.4 مليون متر مكعب يوميا مياه محلاة.. وتكلفة المتر المكعب 30 جنيها والمواطن يدفع 2 جنيه

على مدار عقود، ارتبطت حكاية مياه الشرب في مدينة الطور بمحافظة جنوب سيناء برحلة طويلة من البحث عن مصدر آمن للمياه، بدأت بجراكن المياه القادمة من سانت كاترين، قبل أن تصل شبكات مياه الشرب إلى المنازل، وتتغير معها تفاصيل الحياة اليومية لأهالي المدينة.

يروي أحمد نشأت، أحد أبناء مدينة الطور، والبالغ من العمر 38 عامًا، أن سكان المدينة كانوا يعتمدون في الماضي على مياه الشرب المعبأة داخل جراكن، والتي كانت تصل إليهم من خط مياه النيل بمدينة سانت كاترين، التي تبعد نحو 170 كيلومترًا عن الطور.

وقال نشأت، لـ«الشروق» إن الحصول على مياه الشرب في ذلك الوقت كان يمثل جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية لأهالي المدينة، قبل أن تتغير الصورة تدريجيًا مع تنفيذ شبكات مياه الشرب داخل المنازل.

وأضاف نشأت، أن شركة مياه الشرب والصرف الصحي بدأت في تسعينيات القرن الماضي توصيل شبكات مياه الشرب إلى منازل مدينة الطور، بالاعتماد على مياه الآبار، موضحًا أن طعم المياه كان، بحسب تجربته، قريبًا من طعم مياه النيل التي كانت تصل إلى الأهالي في الجراكن من سانت كاترين.

وأوضح نشأت أن افتتاح محطة مياه الطور عام 2018 وضخ المياه عبر الشبكات أحدث تحولًا جديدًا في تجربة الأهالي مع مياه الشرب، مشيرًا إلى أن طعم المياه اختلف عن الطعم الذي اعتاد عليه السكان في مياه الآبار أو المياه المعبأة التي كانت تصل إليهم سابقًا.

وأكدت المهندسة حنان عمر، نائب رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بمحافظة جنوب سيناء، أن قطاع تحلية المياه شهد تحولاً جذرياً وتطوراً متسارعاً منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مع الانتقال التدريجي من تقنيات التحلية الحرارية التقليدية كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى تقنيات التناضح العكسي، التي أصبحت أكثر كفاءة في استخدام الطاقة وأكثر قدرة على خفض تكاليف إنتاج المياه.

وأضافت عمر، لـ«الشروق» أن نضوج تكنولوجيا التحلية والتوسع في إنشاء المحطات ذات الطاقات الإنتاجية الكبيرة أسهما في خفض التكلفة الرأسمالية لكل وحدة مياه منتجة، بالتزامن مع توسع المنافسة بين الشركات المصنعة وتبادل الخبرات والمعرفة على المستوى العالمي.

ويشهد قطاع تحلية مياه البحر توسعًا عالميًا متسارعًا، مع وصول القدرة العالمية المركبة إلى نحو 91.5 مليون متر مكعب يوميًا، وفق أحدث بيانات متاحة من الجمعية الدولية لتحلية المياه وإعادة استخدامها و "جلوبال ووتر إنتليجنس"، فيما تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أكثر من 40% من القدرة العالمية.

وبحسب بيانات منصة "جلوبال ووتر إنتليجنس" الواردة في تقرير حول سوق التحلية في 2025، تتصدر السعودية قائمة الدول من حيث القدرة التحلية بنحو 17.3 مليون متر مكعب يوميًا، تليها الصين بنحو 14 مليونًا، والولايات المتحدة 11 مليونًا، والإمارات 9.1 مليون، ثم إسبانيا بنحو 5 ملايين متر مكعب يوميًا.

التناضح العكسي يقود التحول

وتتجه صناعة التحلية بصورة متزايدة نحو التناضح العكسي، وهي أنظمة متطورة لتنقية وتحلية المياه تعتمد على تمرير المياه المالحة أو الملوثة تحت ضغط عالٍ عبر أغشية شبه نافذة لحجز الأملاح والملوثات وإنتاج مياه عذبة نقية، حيث أصبح التكنولوجيا الرئيسية في المشروعات الجديدة بفضل انخفاض استهلاكه للطاقة مقارنة بالتقنيات الحرارية التقليدية مثل التبخير الومضي متعدد المراحل والتقطير متعدد التأثيرات.

وتستخدم أحدث المحطات أغشية أكثر كفاءة وأجهزة لاستعادة الطاقة، إلى جانب أنظمة رقمية وذكاء اصطناعي لتحسين التشغيل، مع اتجاه متزايد لدمج التحلية بالطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة.

وعن كفاءة الطاقة، فتشير الجمعية الدولية لتحلية المياه وإعادة استخدامها إلى أن معظم أنظمة التناضح العكسي لمياه البحر تستهلك حاليًا نحو 3–4 كيلو وات ساعة لكل متر مكعب، مع وصول بعض المحطات الحديثة إلى مستويات أقل من ذلك، فمحطة رابغ 4 السعودية حققت 2.712 كيلو وات ساعة لكل متر مكعب خلال اختبارات الأداء، وهو مستوى قياسي لمحطة تحلية كبيرة.

طعم المياه

ورغم وصول المياه إلى المنازل عبر الشبكات، يشير أحمد نشأت إلى أن عددًا كبيرًا من سكان طور سيناء لجأوا إلى تركيب فلاتر لتنقية المياه داخل منازلهم، بينما يفضل البعض الآخر الاعتماد على المياه المحلاة للشرب، في حين يشتري بعض الأهالي المياه المعبأة من محال السوبر ماركت.

وتكشف تجربة نشأت جانبًا إنسانيًا من رحلة تطور خدمات مياه الشرب في مدينة الطور؛ فمن الاعتماد على جراكن تقطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى الأهالي، إلى وصول المياه عبر شبكات المنازل، أصبحت المياه جزءًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية لسكان المدينة، فيما لا تزال عادات الشرب ووسائل تنقية المياه تختلف من أسرة إلى أخرى وفقًا لتفضيلاتهم وتجاربهم مع جودة المياه وطعمها.

الشراكة مع القطاع الخاص

وأكدت المهندسة حنان عمر، أن الدولة تتجه إلى تعزيز دور القطاع الخاص في إنشاء وتشغيل محطات تحلية المياه، من خلال التوسع في تطبيق نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).

وأوضحت عمر، أن هذه الشراكات يمكن أن تعتمد على نماذج متعددة، من بينها نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، وكذلك نماذج البناء والتملك والتشغيل (BOO)، بما يتيح الاستفادة من التمويل والخبرات الفنية للقطاع الخاص، مع دعم خطط الدولة للتوسع في إنتاج المياه المحلاة.
توسعات عمرانية

أكدت الدكتورة رباب جابر، رئيس الإدارة المركزية للتخطيط الاستراتيجي والسياسات بوزارة الموارد المائية والري، لا نقوم بإمداد أي توسعات عمرانية جديدة في المحافظات والمدن الساحلية بمياه نيلية إضافية، مؤكدة الزام كافة التوسعات العمرانية الساحلية بالاعتماد على تحلية مياه البحر في حال التوسع العمراني بها.

وأشارت جابر، لـ"الشروق" إلي التنسيق مع وزارة الإسكان، في حالة التوسع العمراني في المدن التي لا يتوافر لها خيار التحلية، أن يتم استنزال الكمية المطلوبة للمياه من الحصص الموجهة من مياه النيل للمدن الساحلية التي يوجد لديها إمكانية التحلية.

من جهته قال اللواء عاصم عبد الله، نائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، إن إجمالي طاقة إنتاج 129 محطة لتحلية مياه البحر يبلغ نحو 1.4 مليون متر مكعب يوميًا، وذلك لتلبية احتياجات المحافظات الساحلية من مياه الشرب.

وأوضح عبد الله، في تصريحات لـ«الشروق»، أن تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة تصل إلى نحو 30 جنيهًا، في حين يُباع للمواطن بسعر يبلغ جنيهين فقط للمتر المكعب.

وأشار عبد الله إلى أن محطات التحلية تمثل أحد الحلول المهمة لتوفير مصادر إضافية لمياه الشرب، خاصة في المحافظات الساحلية، في ظل تنامي الاحتياجات المائية وضرورة الاستفادة من الموارد غير التقليدية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك