عبر قرن من الزمان.. كيف تطورت الأغنية الشعبية في مصر؟ - بوابة الشروق
الأربعاء 1 أبريل 2020 12:42 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

عبر قرن من الزمان.. كيف تطورت الأغنية الشعبية في مصر؟

محمد حسين
نشر فى : الجمعة 21 فبراير 2020 - 7:43 م | آخر تحديث : الجمعة 21 فبراير 2020 - 7:55 م

تبقي الأغاني والموسيقي بأنواعها المتعددة، وألوانها المتباينة صورة معبرة عن ثقافات الشعوب، وتعكس تطورهم وتعبر عن أحاسيسهم، وطموحاتهم، وكذلك مشاكلهم خلال فترات زمنية مختلفة.

وكطبيعة باقي الفنون، تسير الأغاني والموسيقي في طرق قد تغير من لونها، لتصبح الكلمات والألحان تختلف من عصر لآخر، وقد يكون ذلك استجابة لتغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية تلحق بالمجتمعات.

وألقي هذا التغير بظلاله على الأغنية المصرية، فمن هنا كان انطلاق الأغنية الشعبية، مع ألوان غنائية عديدة قبل قرن من الزمان، ولكن مع مرور الزمن تغير مفهوم هذه الأغنية بعد أن كانت مقتصرة على الأشعار والكلمات التراثية، والتمسك، بالحد الأدنى، من المعايير التقليدية للغناء، لتخرج لنا أشكال مثل «المهرجان» الذي تسبب في حالة من الجدل في المجتمع المصري مؤخرًا.

- الأزمة الحالية

تنوعت أهداف الأغنية الشعبية، كما تشير الدكتورة ياسمين فراج، الأستاذة بأكاديمية الفنون والناقدة الموسيقية، في كتابها «الأغنية الشعبية في مصر ..دراسة مقاربة»؛ فظهرت أغنيات تدعو للإيمان بفئات الشعب من الكادحين وإبراز جوانب الفضائل الكامنة فيهم، وأعمال أخرى حملت طابعا سياسيا من تمجيد أعمال فئة سياسية أو زعيم ورمز سياسي معين وإبراز انجازاته.

ومع مرور الوقت أصبحت الأغنية الشعبية تنفذ لكل الشرائح المجتمعية، ومع الثورة التكنولوجية التي ساهمت في تسهيل صناعة الموسيقي والألحان عن طريق برامج الكومبيوتر، ظهر لون آخر عرف بـ«المهرجان» والذي يعتمد على الموسيقى الإيقاعية الراقصة في أغلب الأحيان.

وبذلك اكتسبت المهرجانات شهرة واسعة، وصيت سيطر على كل المناسبات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، علاوة علي الإقبال الجماهيري الكبير على سماعها، والذي يظهر من خلال حجم المشاهدات الكبير التي تحققه على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يصل أحيانا لعشرات الملايين.

وتم استثمار رواج هذا النوع لدي الجمهور، من خلال الاستعانة بمطربي تلك المهرجانات في تقديم إعلانات دعائية لشركات تجارية أو الظهور بأغنية تساهم في الترويج لأفلام سينمائية.

انقسام وجدل واسع دار حول هذا اللون من الموسيقي والأغاني؛ ففريق أعجب به، ورأى أنها مبهجة وصوت للبسطاء ولون من التغيير والتجديد الطبيعي، ولكن فريق آخر هاجمها واعتبرها انحدار للذوق العام وتهديد للثقافة والهوية الفنية.

انقسام الآراء مجتمعيًا أمر صحي وطبيعي أن تحدث اختلافات بين الناس، ولكن عندما ينتقل هذا الانقسام إلى قطبين مختلفين في العملية تحدث الأزمة والصدامات، كالتي حدثت مؤخرًا بين نقابة الموسيقيين، وبعض مطربي المهرجانات الذي أصبحوا ممنوعين، بقرار النقابة، من الغناء، وعدم السماح لهم بإقامة حفلات.
 

ما هو مفهوم الأغنية الشعبية؟

بعيدًا عن الأزمات المتكررة، وعن أي من الطرفين الصح ومن منهما الخطأ، وبالرجوع للجذور فما هو تعريف الأغنية الشعبية، وما هي المعايير التي تفصلها وتميزها عن الألوان الفنية الأخرى؟

فيرى الدكتور محمود الحلواني، الناقد وأستاذ الموسيقي بأكاديمية الفنون، الأغنية الشعبية أنها الكلمات والألحان المعبرة عن بيئة أو ثقافة معينة، مثل الصعيد أو سيناء وغيرها. كذلك لابد أن تكون الآلات الموسيقي المستخدمة في تلحينها آلات شعبية مثل الناي أو السمسمية والطبلة وغيرها، لذا قد يعد الاعتماد على البيانو والجيتار على سبيل المثال مؤشرا على أن الأغنية حادت عن التصنيف الشعبي.


ويضيف الحلواني لـ«الشروق» أن من الأخطاء الشائعة وضع معيار انتشار الأغنية دليل على أنها أصبحت شعبية، ويراه خطأ كبيرا؛ فإذا كان الانتشار لا يأخذ في طبيعته أن اللحن والكلام يخص وينبع من بيئة وثقافة محددة، لا يمكن اعتباره في التصنيف الشعبي.

وفي السنوات الأخيرة بدأ مصطلح الأغنية الشعبية يأخذ تفسيرا مختلفا، وأصبحت الصورة الذهنية لهذا المصطلح ترتبط لدى الغالبية بـ«المهرجان».. فمن أين بدأت الأغنية الشعبية وما هي محطات تطورها.

- قبل ظهور الإذاعة المصرية

ارتبط المصريون بالطرب والأغاني الشعبية منذ زمن بعيد، وظهرت ألوان متعددة لأنواع الأغنيات كانت كل منها ترتبط بمهنة وبيئة محددة، فأغنيات (أناشيد أو هتافات أو طقطوقات) يستخدمها الصيادون، وأخرى وقت الحصاد يشدو بها الفلاحون، وكان لسيد درويش مساهمات كبيرة لتطوير هذا الاتجاه ودمجه في الغناء الشعبي الجماهيري في الفترة التي سبقت ثورة 1919 والتي تلتها.

وكان هناك أيضا من اتخذ من مهنة الغناء مهنة له علي وجه الاحتراف، وعن هذه المرحلة تحدث الدكتور محمود الحلواني قائلًا إنه مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، كان يطلق على المطربين المقربين من الشارع مصطلح «الشيوخ» مثل الشيخ سيد درويش وغيره، نظرًا للزي الذي كانوا يرتدونه ونشأتهم التعليمية في الكُتّاب، علاوة على اعتماد أغلبهم على نغمات المديح الدينية والترتيل.

ويتابع الحلواني بأنه كنت توجد سرادقات للغناء في أماكن متعددة بالقاهرة، تبدأ مع الليل، ولا تتوقف إلا مع ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي، وكان يقوم بتلك الحفلات بعض الموهوبين من الهواة، وكانت رخصة الاحتراف التي سادت في هذا العصر هي أن يعجب الشيخ بصوت أحدهم فيلبسه حزاماً كزي معين ليبدأ الناس في تعريفه بلقب «الصّييت».

- بعد انطلاق الإذاعة

مع انطلاق الإذاعة المصرية في بدايات الثلاثينات بدأت شهرة بعض المطربين والزجالين تتسع، وتخرج من نطاق الأقاليم بعينها مثل الصعيد والدلتا لتشمل القطر المصري كله.

ومن بين أصحاب الاسهامات الكبيرة في تكوين مكتبة كبيرة من الأغنيات الشعبية، يري الدكتور الحلواني أن الكاتب زكريا الحجاوي قام بدور عظيم في هذا الشأن؛ فقد قام في رحلته بربوع مصر والوجه البحري على وجه التحديد بإبراز مواهب مثل محمد طه وخضرة محمد خضر والريس متقال.

ويوضح الحلواني بأن تلك التركيبة كانت عبقرية، لأنها مثّلت كل أقاليم مصر، وأصبحت معبرة عن البيئات المصرية بتعددها؛ فمثلا نجد أغنيات ومواويل طه ارتبطت ببيئة الفلاحين والدلتا، والريس متقال وجهت أغانيه للصعيد بشكل أكبر.

كذلك ما ساهم في ترسيخ الصورة الذهنية للأغنية الشعبية والمساعدة على انتشارها بين قطاعات اجتماعية مختلفة هو ظهور أصحاب هذا اللون من الغناء في أعمال سينمائية مثل فيلم السفيرة عزيزة، الزوج العازب، شاطئ الأسرار، وأصبحت المواويل وكلماتها جزءا مميزا من مشاهد الأفراح في سينما الخمسينات، التي صاحبها بزوغ مغنيين آخرين، مثل محمد قنديل، في هذا اللون من الفن الذي تتسع قاعدته يومًا بعد يوم.

- من أثير الإذاعة للبث التلفزيوني

مع بداية الستينات، وانطلاق البث التلفزيوني، زادا تأثر المصريين بالأغنيات الشعبية، بأدواتها جديدة أبرزها اعتماد المطرب على فرقة موسيقية، أو فرق تؤدي استعراضات راقصة، أو تضمين جانب تثميلي في الأغنية تعطيها بعداً آخر غير بدلأ من الاعتماد على الصوت فقط.

وساهم البث التلفزيوني أيضاً في تسهيل مهمة بعض المطربين في طريقهم للشهرة، فيذكر الحلواني أنه على سبيل المثال بذل المطرب محمد رشدي مجهود قد يمتد إلى 10سنوات قبل ظهور التليفزيون استطاع اختصاره في سنة واحدة، بعد ظهور الشاشة التي سهلت طريق الوصول للجمهور.

وكان حفل أضواء المدينة بوابة هامة للمطربين في هذا الوقت، فغنى من خلالها رشدي أشهر أغنياته "عدوية" و" عرباوي" ثم بدأت تحقق مبيعات عالية مع ظهورها في عدد من الأعمال السينمائية.


- نكسة يونيو وما بعدها

نستطيع أن نعتبر الهزيمة المصرية في عام 1967 تاريخًا مفصليًا في مراحل تطور الأغنية الشعبية، فتقول الدكتورة ياسمين فراج، في كتابها «الأغنية الشعبية في مصر ..مقاربة نقدية» إن الواقع السياسي المصري في فترة التي تلت نكسة يونيو67، قد ألقى بظلاله على المفهوم والمضمون الخاص بالأغنية الشعبية، فالواقع المؤلم دفع البعض لتخريج فن يهدف للترفيه الخالي من المضمون، وأبرز الأسماء التي صعدت في تلك الفترة، كما تذكرها ياسمين، كان الفنان أحمد عدوية، والذي قدم في بداياته كلمات هوجمت من النقاد والصحافة، رغم اعترافهم بأنه يتمتع بصوت مميز، ولكنها لاقت قبولا لدي الجمهور وذلك لأنها كانت نغماتها الحزينة والشجن في بعض الأحيان تواءم الطابع الاجتماعي الحزين بعد الهزيمة، وأن بعض الفنون تميزت بالسطحية وتلقائية الكلمات، ولكنها كانت تضيف «البهجة والفرفشة» التي تنسي المواطن واقع الهزيمة المرير.


كذلك تشير فراج لفترة ما بعد نصر أكتوبر 1973، والتي كانت بعض السياسيات الاقتصادية لها تأثير على الأغنيات، فالانفتاح الاقتصادي الذي أعلنه الرئيس السادات، ساهم في نشاط شركات الكاسيت بغزارة شديدة، والتي سيطر على أصاحبها أهداف الربح السريع بغض النظر عن مضمون الأغنية، كذلك أصبحت الأغنيات ذات إيقاع سريع معبر عن التغيرات الاجتماعية، فتجد أبرز أغنية تعبر عن هذه المرحلة «زحمة يا دنيا زمة» لعدوية.

- التسعينات.. نمط جديد من الموسيقي
مع بداية التسعينات بدأت الأغنية تتخذ مساراً مختلفا من التجديد يعتمد بشكل أكبر علي الايقاعات، وترجعه فراج لما اسمته بـ«عباءة حميد الشاعري»، والذي ساهم في صعود العديد من الفنانين، أبرزهم حكيم بتقديمه لألحان أول ألبوماته «نظرة» عام 1991، لتتوالي بعدها نجاحات حكيم، والذي لا يزال مستمرا علي الساحة الغنائية حتي يومنا هذا، وتعتبره فراج بأنه المطرب الذي يمثل حلقة وصل بين جيلين مختلفين.

ومن الأسماء البارزة أيضا في هذه الفترة المطرب طارق الشيخ، والذي تشيد الكاتبة بصوته، وتعتبره صوت سليم لا يعرف النشاز، وهو قادر على الغناء في أي من المقامات العربية، كذلك عبد الباسط حمودة الذي استطاع الاستمرار إلى وقتنا هذا.

- الألفية الجديدة.. والرجوع للسينما

ومثلما حدث في سيتنات القرن الماضي من دخول المطربين العشبيين بمواويلهم إلى السينما، وأصبح في «فترة عدوية» أمرًا عاديًا أن نسمع أغنية شعبية وسط أحداث فيلم، بدأ منتجو الأفلام السينمائية مع بداية الألفينات في الاستعانة بالمطربين سواء مشاركة أدوار بطولة أفلامهم أو الظهور فقط لأداء أغنية، ومثال على ذلك الفنان شعبان عبد الرحيم الذي شارك في بطولة فيلم «مواطن ومخبر وحرامي».

وفي السنوات العشر الأولى من الألفية أصبحت تلك «التوليفة» شائعة التي هي عبارة عن أفلام خفيفة المضمون يقوم ببطولتها ممثلون ليسوا من نجوم الصف الأولى، بالإضافة إلى مغنيين شعبيين، مع كثير من الرقص والأغاني ركيكة الكلمات.


- انخراط الأجيال

رغم البدايات المبكرة لعدوية مع بداية السبعينات، ووصوله للنضج والشهرة الواسعة مع الثمانينات، حتى أن الأغنية الشعبية في هذه الفترة اقترنت باسمه، لكنه استطاع الاستمرار واللحاق بجيل الألفية، واعتمد عدوية على تاريخه لدي جمهوره ليعود ويشارك أجيال أخري جديدة من المطربين مثل رامي عياش وآبو.

وكذلك عبر عبد الباسط حمودة من التسعينات ليشارك فريق كايروكي في الغناء عام 2014.
 

وحالة الانصهار هذه أكدت على أن الغناء الشعبي أصبح مقبول جماهيرًا، ويستطيع الانخراط، بأشكاله الجديدة التي تعتمد على التكنولوجيا، مع ألوان أخرى من الغناء مثل «الراب» الغربي، فنجد نجم التسعينات أيضا طارق الشيخ شارك المغني زاب ثروب في عام 2018.

كيف بدأت المهرجانات؟

تربط الدكتورة ياسمين فراج في كتابها بين القرارات السياسية في فترة الألفينات وانتشار المهرجانات؛ فتؤكد أن مشروع حكومة أحمد نظيف «كومبيوتر لكل مواطن» تسبب في أن تسود الفوضى الموسيقية، فبالرغم من النواحي الإيجابية للمشروع، إلا أنه أصبح بإمكان أصحاب التعليم المتدني استخدام برامج بدائية، يصنعوا بها أغنية تطير للجمهور، وهو ما استمر لما بعد ثورة يناير2011، وساهم في صعود الأسماء والفرق الشعبية الموجودة ليومنا.

المهرجان..ثورة فنية أم هجمة شرسة علي تقاليد المجتمع!

بمزيج تسيطر عليه الموسيقى الإلكترونية واعتماد أقل على الكلمات، بدأ صعود ما يعرف بين المصريين الآن بـ«المهرجان».

وقام الشاعر والكاتب يسري حسان، بتناول تلك الظاهرة في كتاب بعنوان «هتاف المنسيين»، والذي تحدث لـ«الشروق» عن تجربته التي استغرقت منه قرابة عام من البحث والتحليل لتفسير تلك الظاهرة، التي بدأت قبل قيام ثورة يناير بنحو 5 سنوات، فقد قدم شباب من سكان مدينة السلام في 2007 أول «مهرجان».

ويري حسان أن المهرجان لا يخرج عن المفهوم التقليدي للأغنية الشعبية، فهو يأتي من البيئة الشعبية، ولا تخلو كلماته من كلمات شعبية بسيطة، تعبر عن قضايا وهموم البسطاء، لذلك يمكن اعتبار المهرجان غناء شعبي أصيل يتماس مع المجتمع؛ لأن من يقدمه لا ينفصل عن الناس ويعيش نفس همومهم وقضاياهم.

ويؤكد حسان على ضرروة عدم التعميم في الحالتين، لأن بالفعل هناك من أغاني المهرجانات ما يدعو للعنف أو يحمل كلمات مبتذلة ومسفة، مشيرًا إلى أن منعها لن يزيد تلك الأغنيات إلا رواجا، لأن بطبيعة الحال يكون الممنوع مرغوب.

ولكن الدكتور زين نصار، أستاذ النقد بأكاديمة الفنون، يرى أن المهرجانات ومطربيها هجمة شرسة على التقاليد المجتمعية والقوة الناعمة المصرية، لأن «إفساد الفن هو أول خطوات إفساد المجتمع»، وأنه من الضروري أن يتبع قرار إيقاف مطربي المهرجانات تحركات قانونية ضدهم.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك