لا يقتصر تأثير أجواء الحرب على ساحات القتال أو الدول المنخرطة فيها، بل يصل إلى الحالة النفسية للأفراد حتى في البلدان البعيدة جغرافيًا عن الصراع، وذلك في ظل المتابعات المستمرة للأحداث على وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي التي قربت المسافات بين دول العالم.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالقلق والتوتر جراء متابعة أحداث الحرب والتصعيد الحاصل في المنطقة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، وقلق الشارع المستمر والخوف من تحول الصراع إلى حرب عالمية ثالثة، تواصلت "الشروق" مع سحر الهاشمي، مدربة دعم الأطفال والمراهقين والإرشاد الأسري لمعرفة تأثير أجواء التهديد والخوف من الحروب في المنطقة على الصحة النفسية.
العقل البشري شديد الحساسية لإشارات الخطر
تقول الهاشمي، إن متابعة الأخبار المكثفة قد تتحول أحيانًا إلى مصدر ضغط نفسي مستمر، مشيرة إلى موقف حديث مع إحدى الأمهات التي قالت لها إنها لم تعد تتابع الأخبار كما في السابق، ليس بسبب عدم اهتمامها بما يجري، بل لأنها لاحظت أنه كلما زادت متابعتها للأخبار قل نومها وازداد شعورها بالقلق والتوتر، قائلة: "أنا لم أعش الحرب، لكني أشعر أحيانًا وكأنها تعيش داخلي"، في عبارة تلخص تجربة يعيشها كثير من الناس اليوم في ظل تدفق الأخبار السريعة والصور المتواصلة، التي تجعل الإنسان محاطًا بمشاعر الخوف حتى لو كان بعيدًا عن مناطق الصراع.
وتتابع أن عميلة أخرى أوضحت لها أن ابنتها لم تعد تقدر على النوم بشكل جيد من كثرة الخوف بسبب مشاهد الحروب التي تتعرض لها على وسائل التواصل الاجتماعي والتليفزيون.
وتفسر ذلك بأن العقل البشري بطبيعته شديد الحساسية لإشارات الخطر، فعندما تتكرر كلمات مثل حرب أو تصعيد أو تهديد، يبدأ الجهاز العصبي في التعامل معها كما لو أن الخطر قريب بالفعل، وتستشهد في هذا السياق بقول الفيلسوف الروماني سينيكا "نحن نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع".
تأثير القلق من أخبار الحروب على الصحة النفسية والجسدية
كما تشير إلى أن العلم الحديث يفسر هذه الحالة بوضوح، إذ يؤدي التعرض المتكرر للأخبار المقلقة إلى إفراز الجسم لهرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، موضحة أن هذه الاستجابة صممت أساسًا لحمايتنا من الأخطار المباشرة، لكن عندما تستمر هذه التأثيرات لفترات طويلة قد تجعل الإنسان يعيش حالة دائمة من القلق.
وتضيف أنه توجد العديد من الدراسات التي توضح أن التعرض المتكرر لأخبار الكوارث والنزاعات قد يرفع مستويات التوتر حتى لدى الأشخاص البعيدين تمامًا عن مكان الحدث.
كما تؤكد الهاشمي، أن تأثير القلق لا يقتصر على الجانب النفسي فقط، موضحة أن الجسد يتأثر أيضًا بالحالة النفسية، مضيفة أن الضغوط المستمرة قد تظهر في صورة أعراض جسدية مثل: الصداع المتكرر، واضطرابات النوم، ومشكلات الجهاز الهضمي، أو الشعور الدائم بالإرهاق.
وتتابع أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن التوتر المزمن يمكن أن يؤثر في معظم أجهزة الجسم بسبب الترابط بين الجهاز العصبي والهرمونات والحالة النفسية.
كيفية حماية النفس من تأثير هذا القلق الجماعي
تنصح المرشدة الأسرية بتقنين متابعة الأخبار، مفسرة ذلك بأن العقل لا يحتاج إلى متابعة الأخبار طوال اليوم، والمتابعة المختصرة مرة أو مرتين يوميًا تكفي لفهم ما يحدث دون الغرق في دوامة القلق والتوتر والأعراض الناتجة عنهما.
كما تؤكد أهمية العودة إلى إيقاع الحياة اليومية الطبيعي سواء العمل والحركة واللقاءات الاجتماعية وممارسة الأنشطة الرياضية البسيطة، والتي تساعد جميعا الجهاز العصبي على استعادة شعور الاستقرار.
وتحذر أيضًا من التعرض المستمر للصور الصادمة، مشيرة إلى أن الصور العنيفة تترك أثرًا نفسيًا أعمق بكثير من الكلمات، وقد يكون تأثيرها مشابهًا لتأثير مشاهدة مشاهد العنف في الأفلام أو الألعاب الإلكترونية العنيفة.
أما بالنسبة للأطفال والمراهقين، فتؤكد الهاشمي أن الأمر يتطلب قدرًا أكبر من الانتباه، لأن الأطفال غالبًا لا يمتلكون القدرة الكافية لفهم تعقيدات الأحداث العالمية، وقد يفسرون ما يسمعونه بطريقة تضخم مخاوفهم، لذلك تنصح بأن يقوم الكبار بتصفية الأخبار قبل وصولها إلى الأطفال، وعدم ترك شاشات الأخبار مفتوحة باستمرار في حضورهم.
كما تشدد على أهمية فتح حوار هادئ مع الأطفال وبلغة بسيطة ومطمئنة، مع الحفاظ على روتين حياتهم اليومية المليء باللعب والأنشطة والشعور بالأمان، موضحة أن الحوار المبسط مع الأطفال حول الأحداث العالمية وبدون الخوض في تفاصيل مرهقة، يمكن أن يساعدهم في التعبير عن مشاعرهم بدل كبتها، لأن القلق المكبوت قد يظهر لاحقًا في شكل اضطرابات في النوم أو توتر في السلوك.
وتختتم الهاشمي حديثها مؤكدة أن الإنسان قد لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث في العالم، لكنه يستطيع التحكم في طريقة تعامله مع الأخبار، حيث توضح أن الوعي بما يجري مهم، لكن الحفاظ على التوازن النفسي أهم بكثير، مشيرة إلى أن الطمأنينة ليست إنكارًا للواقع، بل القدرة على رؤيته بهدوء دون السماح للخوف بأن يسيطر على حياتنا، وأن العالم قد يمتلئ أحيانًا بالأخبار المقلقة، لكن داخل كل بيت ما زال هناك متسع للسكينة والطمأنينة.