من المرجح أن تشجع دبلوماسية القمة الأخيرة بين واشنطن وبكين وموسكو التفضيل التقليدي للهند بأن تتمتع باستقلال استراتيجي، وذلك حسبما يرى المحلل السياسي الدكتور جيانلي يانج الزميل الزائر البارز في مركز ناشونال إنتريست وكاتب عمود في مجلة ناشيونال ريفيو. وهو مؤسس ورئيس منظمة "مبادرات قوة المواطنين من أجل الصين".
وقال يانج في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية إن ما كان يتوقع في البداية أن يكون لحظة فارقة في العلاقات الأمريكية الصينية، قد يتطور الآن إلى شيء أكثر أهمية، وهو بروز بكين كمركز دبلوماسي لتشكيل ثلاثي جديد بين أقوى ثلاث دول فاعلة من الناحية الجيوسياسية في العالم، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وقد حظيت قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الصيني شي جين بينج في بكين مؤخرا باهتمام عالمي واسع. وفي لحظة تشهد توترات تجارية وتنافس تكنولوجي وقضية تايوان وحربي أوكرانيا والشرق الأوسط وتزايد الغموض حول مستقبل العولمة نفسها، أعاد بعض المحللين إحياء النقاش حول نظام "مجموعة الدولتين" المحتمل، وهو عالم تديره واشنطن وبكين بشكل غير رسمي.
ثم جاء الإعلان عن قمة أخرى، بزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين بعد خمسة أيام فقط من مغادرة ترامب.
وفجأة، بدأ ما بدا وكأنه قمة ثنائية بين قوتين عظميين يشبه شيئا أوسع كثيرا - ربما حتى الخطوط العريضة لـ"مجموعة الدول الثلاث" الجيوسياسية الفضفاضة.
وقال يانج إن موسكو وصفت زيارة بوتين بشكل رسمي بأنها جزء من اللقاءات الدبلوماسية الروتينية لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لـ"معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي الصينية الروسية". هذا التفسير منطقي، وتوقيت الزيارة ليس مجرد صدفة أو ارتجال. ومع ذلك، في السياسة الدولية، غالبا ما يحمل التسلسل الزمني نفسه دلالة استراتيجية. إن استضافة بكين للرئيسين الأمريكي والروسي في غضون أيام قليلة، خارج إطار قمة متعددة الأطراف، تبعث برسالة واضحة.
وهذه الرسالة هي: لم تعد الصين توازن ببساطة بين واشنطن وموسكو، وإنما أصبحت تحتل مركز المثلث نفسه.
ويرى يانج أن هذا التحول له أهمية بالغة لأن البيئة الجيوسياسية لعام 2026 تختلف اختلافا جذريا عما كانت عليه قبل سنوات قليلة فقط. فقد ضعفت بشكل واضح لحظة القطب الواحد في العالم الذي تمثله الولايات المتحدة، ولكن لم يتبلور نظام بديل مستقر بعد. وبدلا من ذلك يتجه العالم نحو مشهد أكثر تشتتا، تسعى فيها قوى عظمى متعددة إلى تعزيز نفوذها في نفس الوقت، مع تجنب المواجهة العالمية المباشرة.
وتردد أن قمة ترامب-شي ركزت بشكل كبير على إيران، وهو موضوع أصبح الآن في قلب القلق الاستراتيجي العالمي. وفي وقت سابق من هذا العام، بدا أن واشنطن وتل أبيب تتوقعان إضعافا سريعا لطهران من خلال ضغوط عسكرية واقتصادية متواصلة، إلا أن هذا التوقع لم يتحقق، فقد امتصت إيران الضغط وتكيفت ورفعت مستوى المخاطر في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة حول مضيق هرمز، الذي لا يزال يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
وقد كانت النتيجة تزايد انعدام أمن الطاقة وعدم استقرار الأسواق وتعقيدات سياسية للحكومات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك إدارة ترامب.
وفي البداية، أعرب ترامب بشكل علني عن ثقته في قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أزمة إيران دون مشاركة الصين، إلا أن الإشارات الأخيرة تشير إلى تحول ملحوظ. فقد صرح وزير الخارجية ماركو روبيو صراحة بأن واشنطن تأمل في أن تلعب بكين دورا بناء في التأثير على طهران. وأكد ترامب لاحقا أن إيران ستكون موضوعا رئيسيا في مناقشاته مع شي جين بينج.
ويكشف هذا الاعتراف عن حقيقة أعمق، وهي أن الولايات المتحدة تدرك بشكل متزايد أن الصين تمتلك نفوذا كبيرا في غرب أسيا، وكذلك روسيا لديها مثل هذا النفوذ.
وقال يانج إنه منذ أن أعلن شي وبوتين عن "شراكة بلا حدود" في عام 2022، تعمق التعاون الصيني الروسي في مجالات الدبلوماسية والطاقة والدفاع والحوكمة العالمية. وتعارض الحكومتان ما تعتبرانه هيمنة أمريكية مفرطة على المؤسسات الدولية، وتدعوان إلى نظام متعدد الأقطاب. وفي إطار مجموعة البريكس، سعت الصين وروسيا أيضا إلى تعزيز آليات مالية وسياسية بديلة تخفف من النفوذ الغربي.
مع ذلك، فإن العلاقة بين واشنطن وبكين وموسكو ليست مجرد مواجهة أيديولوجية، بل تتشكل بشكل متزايد من خلال رغبة مشتركة في الاستقرار.
ويرغب ترامب في تهدئة التوترات الجيوسياسية التي تهدد الأسواق العالمية والثقة السياسية الداخلية. ويسعى شي جين بينج إلى بيئة خارجية مستقرة تسمح للصين بمواصلة التوسع الاقتصادي والتكنولوجي مع تجنب المواجهة العسكرية المبكرة مع الولايات المتحدة. وربما يفضل بوتين، بعد سنوات من الحرب المكلفة في أوكرانيا، أيضا استقرارا خاضعا للسيطرة يحافظ على المكاسب الاستراتيجية لروسيا ويخفف من الضغوط الاقتصادية طويلة الأمد.
وقال يانج إنه في ظل هذا الوضع، تبرز الهند في المشهد، ليس كجهة فاعلة هامشية، وإنما باعتبارها "القوة المتأرجحة" الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية في النظام الناشئ.
وبالنسبة للهند، يخلق صعود مثلث ترامب-شي-بوتين فرصا غير مسبوقة وكذلك معضلات استراتيجية خطيرة. فعلى مدى عقود، سعت نيودلهي إلى ما تسميه "الاستقلال الاستراتيجي"، من خلال الحفاظ على علاقات تعاونية مع مراكز قوى متعددة، مع مقاومة الانحياز الدائم لأي كتلة واحدة. ووجود نظام دولي متعدد الأقطاب يعزز بشكل نظري موقف الهند، حيث يقلص الضغط عليها لاختيار جانب واحد بشكل قاطع.
وفي الواقع، قد ترحب الهند مبدئيا ببعض جوانب هذا التطور، نظرا لأن العلاقة الأقل صداما بين الولايات المتحدة والصين تقلل من خطر نشوب صراع كارثي في آسيا، وتمنح الهند مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية. وإذا ما أعطت القوى الكبرى الأولوية للاستقرار وليس التصعيد، فإن نيودلهي ستكسب وقتا لمواصلة تعزيز اقتصادها وجيشها وقدراتها التصنيعية وقاعدتها التكنولوجية. كما يمكن للهند أن تستفيد من تنويع سلاسل التوريد العالمية، في ظل سعي الشركات الغربية المستمر لإيجاد بدائل للاعتماد المفرط على الصين.
وفي الوقت نفسه، يثير هذا المثلث حالة من عدم اليقين الشديد بالنسبة للاستراتيجية الهندية.
وقد تعرضت الشراكة الهندية الروسية طويلة الأمد لضغوط متزايدة نتيجة لاعتماد موسكو المتزايد على بكين في أعقاب الحرب الأوكرانية. ولا تزال الهند تعتمد اعتمادا كبيرا على أنظمة الدفاع الروسية الصنع، بما في ذلك برنامج صواريخ براهموس، والتعاون في مجال الغواصات النووية، ومنصة الدفاع الجوي إس-400 . وكلما توغلت روسيا في فلك الصين الاستراتيجي، ازداد قلق نيودلهي بشأن قدرة موسكو على البقاء كشريك أمني مستقل.
ولا يعد هذا القلق مجرد افتراض. إذ يخشى المفكرون الاستراتيجيون الهنود بشكل متزايد من مستقبل تصبح فيه روسيا تابعة للصين اقتصاديا، وبالتالي أقل رغبة أو قدرة على موازنة مصالح بكين في آسيا. ويمكن أن تغير هذه النتيجة البيئة الخارجية للهند بشكل جذري.
في غضون ذلك، تواجه الهند أيضا حالة من عدم اليقين فيما يتعلق بالولايات المتحدة. ففي ظل كل من الإدارات الجمهورية والديمقراطية، عمقت واشنطن التعاون الأمني مع الهند بشكل مستمر من خلال أطر مثل الحوار الأمني الرباعي (كواد). ومع ذلك، كانت رؤية ترامب للعالم قائمة على المعاملات والمصالح أكثر من كونها قائمة على التحالفات. وإذا سعى ترامب إلى تحقيق استقرار واسع النطاق مع كل من الصين وروسيا، قد تشعر نيودلهي بالقلق من أن تتضاءل أهمية الهند في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى مقارنة بالأولويات الأمريكية العاجلة، مثل إيران والاستقرار التجاري أو التوصل إلى تسوية في أوكرانيا. وهذا يترك الهند في مواجهة عملية توازن دقيقة.
ويرى يانج أن نيودلهي لا تستطيع تحمل العداء الصريح مع الصين، وفي الوقت نفسه تفقد عمقها الاستراتيجي مع روسيا، وتواجه عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن. ومع ذلك، لا يمكن للهند أن تقبل بسهولة بنظام أوراسي تهيمن عليه بكين بشكل مترايد. إن النفوذ الصيني المتنامي في جنوب آسيا والمحيط الهندي ومجموعة بريكس ودول الجنوب العالمي، يؤثر بشكل مباشر على طموحات الهند في أن تصبح قوة عالمية رائدة بحد ذاتها.
ونتيجة لذلك، من المرجح أن تكون استراتيجية الهند هي تكثيف التحالفات المتعددة بدلا من التخلي عنها. ومن المرجح أيضا أن تواصل نيودلهي تعزيز علاقاتها الدفاعية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على التعاون العسكري مع روسيا، والعمل بحذر، عندما يكون ذلك ممكنا، على استقرار العلاقات مع الصين. وفي الوقت نفسه، ستسعى الهند إلى توسيع نفوذها المستقل في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق أسيا ودول الجنوب العالمي.
وفي الواقع، يتمثل هدف الهند في منع تحول مثلث ترامب-شي-بوتين إلى تجمع جيوسياسي حصري يقيد نيودلهي استراتيجيا. ولهذا السبب، فإن أهمية قمتي بكين تمتد إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية الشخصية لكل من ترامب وشي وبوتين.
وقد لا تكمن القصة الحقيقية في عودة ظهور "مجموعة الدولتين" الأمريكية الصينية. وإنما في التشكل التدريجي لنظام متعدد الأقطاب غير مستقر ومضطرب بشكل أكبر، ترسخ فيه الصين وضعها كوسيط مركزي قادر على التواصل بشكل متزامن مع أمريكا وروسيا وإيران وأوروبا والعالم النامي.
واختتم يانج تحليله بالقول إنه إذا كان الوضع كذلك، قد يدخل العالم ليس عصرا جديدا من الثنائية القطبية، ولكن عصرا أكثر غموضا من التعددية القطبية التفاوضية، حيث تصبح قوى متوسطة مثل الهند أكثر حسما بشكل متزايد في تحديد مسار تطور النظام الناشئ، سواء نحو التوازن أو عدم الاستقرار.