عمرو عزت في «غرفة 304» يروى كيف بدأ رحلة الاختباء المبكرة عن سلطة الأب - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 3:10 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

عمرو عزت في «غرفة 304» يروى كيف بدأ رحلة الاختباء المبكرة عن سلطة الأب

شيماء شناوى
نشر فى : الجمعة 24 مايو 2019 - 10:35 م | آخر تحديث : الجمعة 24 مايو 2019 - 10:50 م

«كنت ماهرا فى الاختباء فى غرفتى وفى إخفاء الأدلة والآثار التى تقود إلى نشاطى، الفكرى أو العملى، كان عندما يفتقد أى أدلة أو إشارات يبدأ فى التردد على غرفتى وأنا فيها، يحاول معرفة ما أقرأ تلك اللحظة، وعندما يطول اعتكافى فى الغرفة مغلقا الباب منكفئا على كتاب لا يبدو مقلقا، رواية مثلا، كان يبدأ مطمئنا فى المزاح من رغبتى فى الهدوء والعزلة لأوقات طويلة، يفتح الباب بعد أن يطرقه طرقات تمثيلية ويسألنى: «الغرفة 304 عاوزة العشاء هنا ولا هاتتعشى معانا فى المطعم؟»، فأبتسم وأقول أنى سأخرج إلى المطعم، يوجه كلامه لأمى ويقول، بالرغم مما قلت، أن خدمة الغرف يمكنها إحضار العشاء إلى غرفة 304 بدلا من أن أنزعج بالخروج».
فى هذا الكتاب يروى عمرو عزت كيف بدأت رحلته المبكرة فى الاختباء عن سلطة الأب، وكيف تحول من طفل «يُنهى عن شىء فينتهى، أو يؤمر بشىء فيفعله»، إلى آخر يدعى الامتثال التام لينعم بالاختفاء الذى ينشده، فى غرفته «304».
ثمة نصوص سردية دائما يصعب تصنيفها، وكتاب «غرفة 304.. كيف أختبأت عن أبى العزيز 35 عاما» الصادر أخيرا عن «دار الشروق» لعمرو عزت، هو أحد هذه النصوص، الذى يربك قارئه ويحيره فى التصنيف، فلا هو بالنص السردى الذى ينتمى بشكل مباشر إلى أدب المكاشفة، أوالسيرة الذاتية، ولا يمكن اعتباره من «أدب الرسائل»، وكذلك لا تستطيع وضعه فى قالب القصة القصيرة، أو المتتالية، أو النوفيلا، أو حتى ينتمى لقالب الفن الروائى، فهذا عمل عصى على التصنيف، قد تجده ينتمى لأغلب هذه التصنيفات بنفس القدر الذى يبتعد فيها عنهم جميعا.
وعن ذلك يقول عمرو عزت: «إن فكرة كتابة «غرفة 304»، وتدوين تجربته وحالة الاختباء عن سلطة والده طوال 35 عاما، كانت حاضرة فى ذهنه منذ ما يقترب من 15 عاما، لكنه لم يتخذ قرار كتابتها إلا بعد مشاركته فى ورشة قدمتها «Media in Coــoperation and Transition»، حيث طُلب منه كتابة موضوعات بعيدة عن فن الرواية والقصة القصيرة، ليجد أن تدوين تجربته مع والده هى الفكرة الأنسب، حيث تتشابه تجربته إلى حد بعيد مع آلاف الشباب غيره، وتمثل العلاقة القائمة بين الآباء والأبناء، ليبدأ فى التسجيل عن تلك السنوات وحياته الأخرى التى لا يعرف والده عنها شيئا، على الرغم من الصدف التى كانت تجعله يكتشف بعض ملامحها وأسرارها مع الوقت.
وربما أكثر ما يميز الكتاب أنه لا يقتصر على سرد بعضا من الفترات الزمنية الخاصة بحياة مؤلفه، بل لأن الكتاب يعكس أيضا بعضا من سمات الحياة المصرية الخالصة، كما يعرض لبعض وجهات النظر الفلسفية الخاصة بكبار الفلاسفة والأدباء أمثال «كانط» والشاعر اللبنانى «جبران خليل جبران»، وكذلك يعرض لبعض أفكار التيارات السياسية والفكرية والدينية ووجهات النظر المتعارضه حولها، من خلال تجربة الكاتب نفسه.
وتُعد أهم نقاط القوة التى تمتع بها الكتاب، هو استخدام المؤلف منهجا محكما فى الكتابة، مما نجاه من الوقوع فى فخ «الثرثرة والفضفضة بلا طائل، فضلا عن ذكائه وبراعته فى خلق نوع من أنواع التواطؤ بينه وبين القارئ، حيث جعله يشاركه أغلب ما يطرحه من أفكار، بدءا من رحلة البحث الأولى عند كل طفل وأمنيته فى أن يصبح شخصا مميزا عن باقية أقرانه، وأن يصبح هو «الأسطورة»، وهو ما حاول الكاتب إيجاده فى تلك العلامة التى تسكن جبهته «الوحمة»، والتى ظل متأملا وأملا فى أن يجد أسطورتها بالمجلدات المذهبة للكتب التراثية بمكتبة أسرته، وما يدل على أن تلك العلامة هى علامة طفولة المهدى المنتظر، أو المسيخ الدجال، أو أى بطل أسطورى آخر.
ليعود ويشارك القارئ معه من خلال طرحه للأسئلة الكبرى التى راودت أغلب التلاميذ فى المدارس ومنها «ليه علينا أن نطيع اللى خلقنا؟ وليه ربنا بيحاسبنا وهيدخلنا النار؟ وليه لازم نطيع أمر الأكبر سنا؟» وغيرها، ليعود ويصطحب القارئ معه فى جدلية تحريم الموسيقى، والمسار الذى سلكه أغلب جيل السبعينيات والثمانينات من الدخول فى عباءة الحركات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من النقاط التى لا تمس التجربة الشخصية للمؤلف فقط بل قارئ النص أيضا.
ومن الأشياء المدهشة والمتفردة فى الكتاب أيضا، أنه على الرغم من أن السمة الأساسية للكتاب تتلخص فى حالة التمرد المرنة من الأبن تجاه الأب، وسعيه لنيل الحرية بعيدا عن سجن السلطة الأبوية، إلا أن الكاتب نجح فى أن يجعل القارئ يقع فى حب «الأب» نفسه، وذلك من خلال سرده لبعض الحكايات التى جمعته بوالده، وهى القصص التى تكشف إعجاب الابن الشديد بشخصيه والده، حتى وإن لم يريد أن يصبح مثله، ليصبح السؤال الصعب هو: «كيف يمكن التمرد على شخصية تكن لها كل هذ الإعجاب»؟!.
«أقسى ما يمكن تحمله فى البنوة، أن تعيش فى بيت واحد مع أب أقرب ما يكون لـ«روبرت دينيرو»، شجاع شهم قوى نبيل جذاب مغامر وحنون ومغناطيس بشرى، ستظل طوال عمرك، تتأمل وجهك الذى يشبهه فى المرآة، فتكتشف بوضوح القطعة الناقصة التى لم ترممها جيناته فى روحك فطفت على وجهك، تحسد الآخرين على أب قابل للكسر، قابل للتجزئة، يمكنهم الانفلات بشأنه على المقهى بشكل سينمائى»، بهذة الكلمات التى اقتبسها عمرو عزت فى كتابه من أشعار أخيه، يظهر جليا هذا الإعجاب الشديد بشخصية الأب.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك