تحل اليوم ذكرى المولد النبوي الشريف، التي يحتفي بها المسلمون في جميع أنحاء العالم، لتعيد إلى الواجهة واحدا من أكثر الموضوعات حضورا في الذاكرة الإسلامية والعربية، وهي السيرة النبوية، بما تحمله من أحداث وتفاصيل شكلت واحدة من أكثر التجارب تأثيرا في التاريخ البشري.
ومنذ القرون الأولى للإسلام، تعددت الكتب التي تناولت سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فتتبعت مراحل حياته منذ مولده ونشأته، مرورا بالبعثة والهجرة وتأسيس الدولة في المدينة، وصولا إلى وفاته، حتى أصبحت السيرة مجالا واسعا للرواية والتوثيق والبحث والدراسة.
ومع انتقال الكتابة عن السيرة إلى العصر الحديث، لم يعد الاهتمام بها مقتصرا على إعادة سرد الأحداث، وإنما ظهرت محاولات لقراءة شخصية النبي وتجربته من زوايا مختلفة، ومن أبرز هذه المحاولات كتاب «عبقرية محمد» للكاتب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد.
لكن العقاد، منذ البداية، لم يكن معنيا بأن يقدم للقارئ سيرة نبوية بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فالسؤال الذي انشغل به لم يكن فقط: ماذا حدث في حياة محمد؟ وإنما كان أقرب إلى سؤال آخر: ما الذي صنع هذه الشخصية الاستثنائية، وكيف استطاعت أن تحدث هذا الأثر الممتد في التاريخ؟
- من السيرة إلى الشخصية
ينتمي «عبقرية محمد» إلى سلسلة «العبقريات» التي كتبها العقاد، والتي حاول من خلالها الاقتراب من الشخصيات التاريخية الكبرى خاصة في التاريخ الإسلامي، لا بمجرد سرد وقائع حياتها، وإنما بالنظر في تكوينها النفسي والفكري والإنساني، وما امتلكته من صفات جعلتها قادرة على التأثير في عصرها وما بعده.
ومن هنا جاء اختياره عنوان «عبقرية محمد»، فالعقاد لا يقدم الكتاب باعتباره كتابا في الأحكام الدينية أو دفاعا جدليا عن الإسلام، كما لا يتعامل معه باعتباره مجرد تسلسل تاريخي للأحداث؛ وإنما يحاول أن يضع أمام القارئ صورة لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم من خلال مجموعة واسعة من جوانبها.
يبدأ العقاد من العالم الذي ظهر فيه الإسلام، عالم مضطرب سياسيا واجتماعيا ودينيا، ثم ينتقل إلى الشخصية التي حملت الرسالة في هذا السياق، محاولا فهم الأدوات الإنسانية التي اجتمعت فيها؛ من قوة الإيمان والدعوة، إلى الفصاحة والقدرة على التأثير وتأليف القلوب، وصولا إلى القيادة وإدارة الجماعة الناشئة.
وهنا تظهر إحدى الأفكار الأساسية في الكتاب، أن عظمة الشخصية النبوية عند العقاد لا تُختزل في جانب واحد منها.
فمحمد صلى الله عليه وسلم ليس في الكتاب داعيا فقط، ولا قائدا عسكريا فقط، ولا حاكما سياسيا فحسب؛ وإنما يحاول العقاد أن يراه في مجموع أدواره: الداعي، والقائد، والسياسي، والزوج، والأب، والصديق، والعابد، والإنسان.
- العبقرية في الشخصية المحمدية
ولعل كلمة «العبقرية» في عنوان الكتاب هي المفتاح الأهم لفهم مشروع العقاد؛ فهو لا يستخدمها باعتبارها مجرد كلمة للمدح، وإنما يجعل منها مدخلا لقراءة الشخصية وقدرتها على التعامل مع ظروف شديدة التعقيد.
ولذلك يتوقف عند جوانب مختلفة من شخصية النبي، ويربط بينها وبين النتائج التي ترتبت عليها في مسار الدعوة والمجتمع والدولة.
فيقرأ العقاد عبقرية الداعي من خلال قدرته على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، ثم ينتقل إلى عبقرية القائد في إدارة الصراع والحروب، وإلى عبقرية السياسي في التعامل مع الجماعات والقبائل وبناء المجتمع الجديد.
لكن العقاد لا يتوقف عند المجال العام، إذ يقترب كذلك من النبي في علاقاته الإنسانية الخاصة، فيتحدث عن الزوج والأب والصديق والسيد والعابد.
وهذه النقطة تحديدا تمنح الكتاب طبيعته المختلفة عن كتب السيرة التي تركز بالأساس على التسلسل الزمني للأحداث؛ فالعقاد يريد أن يجعل القارئ يرى الشخصية وراء الحدث.
- النبي الإنسان
وربما يكون الجانب الأكثر حضورا في الكتاب هو محاولة العقاد الجمع بين المقام النبوي والجانب الإنساني؛ فالنبي في الكتاب صاحب رسالة، لكنه في الوقت نفسه إنسان يعيش بين الناس، ويحب ويصادق ويتزوج ويُربي ويقود ويتحمل الخوف والحصار والحرب والمسئولية.
ومن خلال هذه الزاوية، يحاول العقاد أن يقترب من الشخصية النبوية لا باعتبارها صورة بعيدة عن التجربة الإنسانية، وإنما باعتبار أن حضور الصفات الإنسانية نفسها كان جزءًا من قدرتها على التأثير.
فالقيادة لا تظهر في الكتاب باعتبارها مجرد انتصارات عسكرية، والسياسة ليست مجرد إدارة للدولة، والدعوة ليست مجرد خطاب؛ وإنما تتداخل هذه الجوانب جميعا في شخصية واحدة، وهو ما يجعل العقاد ينتقل باستمرار بين الخاص والعام، وبين حياة النبي داخل بيته وحياته في المجتمع، وبين علاقته بأصحابه وعلاقته بخصومه.
- «عبقرية محمد».. الصفات الشخصية لا السيرة التقليدية
بعد مرور عقود على صدور الكتاب، تظل أهمية «عبقرية محمد» مرتبطة أيضا بطريقة العقاد في النظر إلى الشخصيات التاريخية.
فالسيرة النبوية لم تتوقف عند حدود الكتب الأولى التي دونت أحداثها، وإنما ظلت مادة مفتوحة أمام أجيال متعاقبة من الكتاب والباحثين، وكل عصر حاول أن يعيد النظر فيها من الأسئلة التي تشغله.
وكان سؤال العقاد هو سؤال الشخصية والعبقرية؛ لذلك لا يقدم «عبقرية محمد» نفسه بوصفه بديلا عن كتب السيرة، وإنما يمكن قراءته باعتباره محاولة للوقوف قليلا بعيدا عن تسلسل الأحداث، والنظر إلى الشخصية التي صنعت تلك الأحداث؛ إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه نبيا وقائدا وإنسانا ترك أثرا تجاوز زمانه ومكانه.
وهكذا، مع حلول ذكرى المولد النبوي، لا تعود السيرة مجرد حكاية نعيد سردها كل عام، بل هي شيء أكبر مفتوحا على أسئلة جديدة؛ أسئلة تتعلق بالشخصية، والتاريخ، والقيادة، والإنسان.