ما الذى يجعل أحدنا قادرًا على الاستمتاع بفنجان من القهوة، وهو يتصفح قصة مسلية فى فراشه قبل أن يطفئ النور ويخلد إلى نوم عميق حتى صباح اليوم التالى، بينما يقضى آخر ليلة يتقلب فى فراشه حتى الصباح بعد أن عز عليه النوم، وهربت الأحلام لمجرد أنه قبل — مضطرًا — عزومة رئيسه فى العمل على فنجان شاى فى الخامسة مساء؟
لا أحد حتى الآن يعرف على وجه اليقين لماذا يختلف تأثير الكافيين من إنسان إلى آخر، رغم أن القهوة والشاى يأتيان دائمًا على قائمة الممنوعات التى يشهرها الأطباء فى وجوه بعض مرضاهم.
الكافيين — كما يعرفه العلم — مادة منبهة تختلف قوة تأثيرها من شخص لآخر، لكنه فى كل الأحوال قد يرفع ضغط الدم، ويُسرّع من نبضات القلب، ويسهم فى زيادة حرق السعرات الحرارية، ويزيد من سرعة حركة الأمعاء، ويحفّز الكلى على إفراز البول، كما يساعد على إفراز مادة السيروتونين فى المخ، الأمر الذى يدعم الحالة النفسية ويحسن المزاج.
لكن كيف يعمل الكافيين لينجز كل هذه المهام؟ يرتبط الكافيين ببعض المواقع فى خلايا المخ، وهى مواقع مخصصة فى الأصل لمادة يفرزها الجسم بصورة طبيعية ذات تأثير مهدئ تُعرف باسم الأدينوزين (Adenosine). وعندما يصل الكافيين إلى هذه المواقع ويشغلها، تظهر تأثيراته المنبهة؛ فيبدو الإنسان أكثر حساسية للضوضاء والضوء، ويزداد تركيزه وسرعة تفكيره، كما ترتفع ضربات القلب ويرتفع ضغط الدم.
دراسة كندية حديثة من جامعة تورنتو حاولت تفسير سبب اختلاف تأثير الكافيين من شخص إلى آخر على أساس وراثى بحت. وترجع الدراسة هذا الاختلاف إلى قدرة الجسم على تكسير الكافيين والتخلص منه، وهى عملية تتم ضمن ما يعرف بعمليات التمثيل الغذائى (الأيض) التى يقوم بها الجسم باستمرار.
وتتحكم فى هذه العملية مجموعة من الجينات، من بينها جين يعرف باسم Cytochrome P450 1A2، وهو الذى يحدد سرعة تكسير الكافيين فى الجسم؛ فبعض الأشخاص يتخلصون منه بسرعة، بينما يظل تأثيره لفترة أطول لدى آخرين، وهو ما يفسر لماذا يستطيع بعض الناس شرب القهوة قبل النوم دون أى مشكلة، فى حين يعانى آخرون الأرق من فنجان واحد.
وتنتمى هذه الدراسة إلى مجال علمى حديث يُعرف باسم علم الجينات الغذائية (Nutrigenetics وNutrigenomics)، وهو العلم الذى يدرس كيف تؤثر الجينات فى طريقة تعامل الجسم مع الغذاء، وكيف يؤثر الغذاء بدوره فى عمل الجينات وعمليات التمثيل الغذائى.
ويبدو بالفعل أن الإنسان أسير موروثاته… حتى استمتاعه بفنجان القهوة قد يكون مكتوبًا فى جيناته.