«احتيالة وماتريوشكا» لمنى الشيمى.. حين تتحول الكتابة إلى رحلة لاكتشاف الذات والعالم - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 يونيو 2026 5:16 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

«احتيالة وماتريوشكا» لمنى الشيمى.. حين تتحول الكتابة إلى رحلة لاكتشاف الذات والعالم

شيماء شناوى
نشر في: الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 1:12 م | آخر تحديث: الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 1:12 م

- تتعامل المؤلفة مع المدارس الأدبية بوصفها تجارب إنسانية متجاورة وليست قوالب مغلقة

ينطلق كتاب «احتيالة وماتريوشكا» للروائية والقاصة منى الشيمى، الصادر حديثًا عن دار الشروق، من فكرة تبدو بسيطة فى ظاهرها، لكنها شديدة العمق فى جوهرها: الكتابة ليست مهارة تقنية فقط، وإنما طريقة لفهم العالم والنجاة منه أيضًا. ولهذا لا تبدأ منى الشيمى كتابها، الصادر عن دار الشروق، بتعريفات أكاديمية أو قواعد جامدة، بل تبدأ من تجربتها الشخصية مع القراءة والدهشة الأولى أمام القصص، فنجدها تخبر القارئ كيف كانت تتعامل مع النصوص كأنها ألغاز ينبغى تفكيكها، تضع خطوطًا تحت الجمل، وتلون الحوار والوصف، وتعيد قراءة القصة الواحدة مرات متتالية محاولة فهم السر الذى يجعل نصًا ما قادرًا على البقاء داخل الذاكرة.

هذا الجانب الاعترافى يمنح الكتاب حرارة إنسانية نادرة، ويجعله بعيدًا عن برودة الكتب التعليمية التقليدية، فالكاتبة لا تكتب من موقع «الخبير» الذى يمنح الوصفات، بل من موقع قارئة ظلت تكتشف الكتابة بالتجربة والخطأ والانبهار الطويل.

ومن هنا يأتى اختيارها لعنوان «احتيالة وماتريوشكا» بوصفه تلخيصًا لرؤيتها لفن القصة القصيرة؛ فالحكاية عندها ليست سطحًا واحدًا، وإنما طبقات متداخلة مثل دمى الماتريوشكا الروسية الشهيرة، وكل طبقة تخفى تحتها طبقة أخرى أعمق، أما «الاحتيالة» فهى تلك الحيلة الفنية التى تجعل الكاتب يقول شيئًا بينما يخفى شيئًا آخر أكثر عمقًا.

تتوقف منى الشيمى طويلًا خلال صفحات الكتاب صغير الحجم كبير القيمة أمام علاقتها المبكرة بالكتابة، خصوصًا باعتبارها فتاة نشأت فى بيئة صعيدية محافظة لم يكن التعبير المباشر عن المشاعر أمرًا سهلًا داخلها، ولهذا نجدها تصف الكتابة باعتبارها «فضفضة سرية» أو محاولة للعثور على صوت شخصى وسط الصمت الطويل، ومن هنا نرى السرد يتحول من مجرد حديث عن الأدب إلى تأمل فى معنى الكلام نفسه، وفى الحاجة الإنسانية لأن يجد الفرد طريقة يعبر بها عن هشاشته وخوفه وألمه.

- صوتى الذى خرج قصة

ومن أكثر اللحظات تأثيرًا بين صفحات الكتاب نجد اعترافها بأنها حين فقدت والدها لم تستطع الكتابة عنه مباشرة، بل كتبت عن مذبحة صبرا وشاتيلا، ليكشف هذا المثال جوهر الفن كما تؤكده الشيمى: «المشاعر لا تخرج دائمًا بصورتها الأصلية، بل ترتدى أقنعة ورموزًا واستعارات، وأن القصة ليست اعترافًا مباشرًا، وإنما تحويل الألم إلى بناء فنى يسمح له بالبقاء.

وكما يلفت الكتاب الانتباه إلى فكرة مهمة تتكرر بين السطور، مفادها أن الموهبة وحدها لا تكفى، فمنى الشيمى تؤكد أن القراءة الطويلة هى المعلم الحقيقى للكاتب، وأن الصوت الشخصى لا يولد فجأة، بل يتشكل تدريجيًا عبر الاحتكاك بالنصوص المختلفة.

- التحرر من الخوف

ولا تتعامل خلال الكتاب مع المدارس الأدبية بوصفها قوالب مغلقة، بل باعتبارها تجارب إنسانية متجاورة، فعندما تتحدث عن إدجار آلان بو، أو تشيخوف، أو كافكا، أو يوسف إدريس وغسان كنفانى ومحمد المخزنجى وسعيد الكفراوى، فإنها لا تستعرض تاريخ القصة القصيرة بقدر ما تبحث عن الطرق المختلفة التى رأى بها هؤلاء العالم، ولهذا يبدو الكتاب فى أحد مستوياته دعوة مستمرة إلى التحرر من الخوف من «الشكل الصحيح» للكتابة، فالقصة كما يؤكد الكتاب: فن متحول لا يعترف بشكل نهائى.

- أمثلة حية لا تنظير جافا

واحدة من أكثر الأفكار خصوصية فى الكتاب هى فكرة «الثمرة الثلجية»، التى تجعل القصة القصيرة أشبه بثمرة مزدوجة: طبقة ظاهرة تتمثل فى الحدث أو الحدوتة، وطبقة خفية ذائبة داخل النص تحمل الرؤية الإنسانية الأعمق، وهذا المجاز الشعرى لا يأتى باعتباره لعبة لغوية، بل بوصفه مفتاحًا لفهم طريقة عمل القصة القصيرة. فالحكاية الظاهرة قد تبدو بسيطة للغاية، لكن قوتها الحقيقية تكمن فيما تخفيه تحت سطحها.

كما يتوقف الكتاب عند مسألة الراوى باعتبارها واحدة من أكثر الأدوات تأثيرًا فى تشكيل روح القصة القصيرة وعلاقتها بالقارئ، فمنى الشيمى لا تتعامل مع الراوى بوصفه مجرد صوت يحكى الأحداث، وإنما باعتباره زاوية الرؤية التى يتشكل من خلالها العالم كله داخل النص، لذلك تناقش الفارق بين الراوى العليم وضمير المتكلم أو «ضمير الذات»، موضحة كيف يخلق كل نوع منهما إحساسًا مختلفًا بالحقيقة والقرب والحميمية.

- قنطرة إلى المعنى

حين تصل منى الشيمى إلى الحديث عن الوصف، يتحول الكتاب إلى تأمل شعرى فى التفاصيل الصغيرة، فهى ترى أن الوصف فى القصة القصيرة لا يُستخدم لتزيين النص أو خلق صورة بصرية فقط، بل باعتباره «قنطرة إلى المعنى».

وهو ما يتضح للقارئ عبر قراءتها لقصة «تمشية قصيرة مع لولو» لمحمد خير، إذا تكشف كيف يمكن لتفاصيل عادية أن تتحول إلى إشارات نفسية ورمزية عميقة. فتصبح القطة التى تخاف منها الطفلة، والزحام، والألعاب النارية، والطرق المغلقة، ليسوا مجرد عناصر داخل المشهد، وإنما تجليات للخوف المقيم داخل العالم، كما أنها لا تفرض معنى واحدًا نهائيًا على النص، بل تترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات متعددة. فالقصة قد تُقرأ باعتبارها عن الخوف الأبوى، أو عن القلق الوجودى، أو عن انتقال التوجس من جيل إلى جيل.

وفى مواضع كثيرة ينجح الكتاب فى تحويل الحديث عن تقنيات السرد إلى حديث عن الحياة نفسها. فالوصف، والحوار، والحدث، والراوى، ليست أدوات منفصلة، بل طرق مختلفة لفهم الإنسان وهشاشته وعلاقته بالعالم.

- «سدرة، شادى، مهاب، هنا»

من أكثر العناصر تميزًا فى الكتاب أن المؤلفة لا تتحدث من برج نقدى معزول، بل داخل ورشة مفتوحة تتعدد فيها الأصوات، الشخصيات المشاركة فى الورشة «سدرة، شادى، مهاب، هنا» ليست ديكورًا، بل أدوات حقيقية لصناعة النقاش، وكأن الكتاب نفسه يتحول إلى حوار جماعى حول معنى الكتابة.

لا يخرج القارئ من «احتيالة وماتريوشكا» بشعور أنه قرأ كتابًا لتعليم الكتابة فقط، بل يشعر أنه شارك فى ورشة طويلة للتأمل فى معنى الحكاية نفسها.

فالكتاب لا يفصل بين التقنية والتجربة الإنسانية، ولا بين الفن والحياة. كل عنصر سردى يتحول داخله إلى وسيلة لفهم الذات والعالم: الحدث ليس مجرد واقعة، والحوار ليس تبادل كلمات، والوصف ليس زينة لغوية، بل جميعها أدوات لاكتشاف «الثمرة الثلجية» المختبئة داخل النصوص وداخل البشر أيضًا.

الأهم أن منى الشيمى تنجح فى جعل الكتابة تبدو فعلًا إنسانيًا ممكنًا، لا موهبة غامضة تخص قلة مختارة. إنها تقدم الأدب باعتباره مساحة للإنصات الطويل: للذكريات، للهشاشة، للخوف، ولتلك المعانى الصغيرة التى تختبئ تحت سطح الحياة اليومية.

ولهذا تبدو القيمة الحقيقية للكتاب فى أنه لا يمنح القارئ قواعد جاهزة بقدر ما يمنحه طريقة مختلفة للنظر إلى القصص والعالم. فبعد الانتهاء منه، يصبح من الصعب قراءة أى حكاية بالطريقة نفسها مرة أخرى.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك